ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الخطبة بعنوان ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 9 محرم 1447هـ الموافق 4 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الافتتاحية: حمد الله رب العالمين

استهل الخطيب حديثه بالثناء على الله باسمه "رب العالمين" مبيناً دلالته على السيادة العامة والرعاية الشاملة لجميع المخلوقات في السماوات والأرض، مستحضراً عظمة الربوبية الإلهية.

ضوابط الأمر بالمعروف: المجالات والأساليب والنصيحة لولاة الأمر

فصل الخطيب في ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضحاً أن الدعوة تتعدد أساليبها بين دروس وخطابة ونصيحة خاصة وعامة، مع التأكيد على وجوب نصيحة ولاة الأمر سراً لا علانية، وضرورة أن تكون الدعوة ببصيرة وعلم وحكمة.

ركيزة العلم الشرعي والحكمة في إنكار المنكر

أكد المقطع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن ينطلقا من علم شرعي صحيح محذراً من الجهل الذي يقلب المفاهيم، واستعرض ضوابط الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

منهج التدرج ومراعاة المصالح والمفاسد والرفق في الدعوة

بين الخطيب منهج النبوة في التدرج بالبدء بالأهم فالأهم كما فعل معاذ بن جبل، مع وجوب الموازنة بين المصالح والمفاسد حتى لا يُرتكب منكر أكبر، داعياً إلى التيسير والبشارة وتجنب التنفير وكون الداعي قدوة في نفسه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، أقام الله عز وجل به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، فهدى الله عز وجل به قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صما، فصلوات الله وسلام عليه. أما بعد، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أيها الإخوة الكرام، أيها المؤمنون، فإن فيما سبق في الخطبة التي مرت تكلمنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحث عليه وعاقبة من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذه الخطبة نتصل بذلك الموضوع، وهو نتكلم على ضوابط في هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد جاءت فيه ضوابط كثيرة وقواعد كثيرة يفهم بها ما المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا أيها الإخوة الكرام نذكر بعض الآيات وبعض الأحاديث التي يبين فيها شيء من هذه القواعد أو من هذه الضوابط المهمة التي يسلكها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والتي يجب عليهم أن يعركوها قبل أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. أيها الإخوة الكرام، من هذه الآيات قوله جل وعلا: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾، هذه الآية بيّن الله عز وجل فيها أنه يجب على كل مسلم إذا استطاع في أمره بالمعروف والدعوة إلى الله ونهي عن المنكر. كذلك أيها الإخوة الكرام، والمراد بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي ما يحصل من العبد في نصحه وفي درسه وفي قيامه في خطبته وفي كلامه وفي وعظه، فكل ذلك مجالات للدعوة إلى الله، ليس الدعوة إلى الله محصورة في مجال من المجالات، أو يظن الواحد مننا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المراد به شيء واحد فقط أنه يأمر فلانا وفلانا ويمكر على ذاك، وإنما أيها الإخوة الكرام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أساليب ومجالات كثيرة، فالآمر بالمعروف والداعي إلى الخير فإنه قد يكون كما قلنا بدرس يدرسه فهذا أمر بالمعروف، كذلك بخطبة يخطبها فهذا أيضا فيه أمر بمعروف ونهي عن المنكر، وكذلك أيها الإخوة الكرام بالنصيحة سواء كانت النصيحة السرية الخاصة أو كانت نصيحة عامة، فكل هذا أيضا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم ذلك أنه ينصح لذي سلطان، ولي أيضا كذلك من يكون له إمارة على الناس ويكون له كلمة بين الناس، فإن نصح مثل هذا أعظم، فإن صلاح الناس بصلاح أمرائهم وعلمائهم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾، وأولي الأمر أيها الإخوة الكرام هم العلماء والأمراء، هم العلماء والأمراء، فبصلاحهم يكون صلاح أهل الإسلام، وبفسادهم يكون فساد أهل الإسلام. أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديثه شامل العاص وغيره أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من كان ناصحا لذي سلطان فلينصحه سرا ولا يبديه علانية، ولا يبديه علانية»، أي النصح لهؤلاء يكون سرا حتى لا يفسد، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إنكار المنكر بعلن على الحكام، نهى بإنكار المنكر في العلن على الحكام، وإنما يؤخذون بالنصيحة سرا، وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أعظم شهادة كلمة عند سلطان جائر»، وأفضل الشهداء كما جاء في الحديث الآخر: «رجل قال كلمة عن حق عند سلطان جائر»، فهذه الكلمة ليس المراد بها التهييج للناس أو أنه يعلن أن الحاكم الفلان فعل كذا وفعل كذا فيهيج الناس ويفتن، فإن هذا منهي عنه، وإنما إن استطاع أن يدخل عليه وينصحه بنصيحة فهذا، وإن قتل فقد قتل شهيدا، وهو من أفضل الشهداء، أفضل الشهداء رجل قال كلمة حق عند سلطان جائر، وأفضل الكلام أيضا أفضل النصيحة كلمة قالها رجل لسلطان جائر، وهذا ضابطها أيها الإخوة الكرام، فلهذا فالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف ليس مقصورا على مجال من المجالات، بل أن الإنسان يأمر في بيته وينهى في بيته، يأمر أولاده أن يخرجوا إلى الصلاة فهذا أمر بالمعروف، وأيضا ينهاهم عن السب والشتم، ينهاهم عن مصاحبة غير الأخيار، ينهاهم عن كذا وكذا، فهذا من النهي عن المنكر، وهذا كما قلنا مجالاته كثيرة ومتنوعة، وهذا من ضوابط هذا الأمر أن يفهم المسلم أن مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجالاته كثيرة جدا. أيضا كذلك من هذه الضوابط مما يؤخذ من قول الله جل وعلا: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، هذه الآية عباد الله بيّن الله عز وجل أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يكون ببصيرة، والدعوة إلى الله عز وجل هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو من مجالاتها العظيمة، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾، أو قال جل وعلا: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾، قال العلماء: البصيرة هنا هي العلم، وبحقيقة الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العلم بأن هذا الشيء معروف وأن هذا الشيء منكر، فهذا من البصيرة، وأن يضع، وأن أيضا كذلك يأمر بالمعروف فيما كان معروفا وينهى عن المنكر فيما كان منكرا، أي بعلم، فإن العلم لابد أن يكون مع الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعلم أن هذا معروفا ويعلم أن هذا منكرا، ومعنى ذلك أي أنه جاء في شرع الله جل وعلا أن هذا من المعروف والبر، والمعروف هو كل أمر جميل أمر به شرع الله جل وعلا، أمر به شرع الله حتى عليه فهو بمعنى الأمور الأعمال الصالحة وما كان يقرب إلى الله جل وعلا، فهذا المعروف الذي ينبغي أن المسلم يعرفه، وكذلك المنكر هو ما نهى عنه شرع أو قبحه شرع أو حث على كرهه وحث على خلافه، فإن هذا أيضا المنكر الذي يجب على الإنسان أن ينكره، وهذا كما قلنا يحتاج إلى العلم، فالله عز وجل قال في أعظم شيء: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾، الله عز وجل كما قال البخاري رحمه الله: قدم العلم قبل القول والعمل، قدم العلم قبل القول والعمل، فالله عز وجل قدم العلم قبل أن يقول الإنسان وأن يعمل، فلابد أن يعلم، فإن الذي يعمل ويقول بغير علم فإنه يفسد أكثر مما يصلح، وهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا كان بغير علم فإنه يفسد أكثر مما يصلح، لأنه يأمر بغير المعروف وينهى عن غير المنكر، كما هو مشاهد في هذه الأزمان، فمن الناس من يأمر الناس بالشرك بالله جل وعلا وتعظيم غير الله سبحانه وتعالى، ومن الناس من يأمر بالبدعة والدعوة ويدعو الناس إليها، وكذلك من الناس من يدعو إلى المنكرات الظاهرة ويظن أن هذا خير، من الناس من يدعو الناس إلى الغناء وإلى مخالفة الشرع بالألعاب الباطلة وكذلك الأشياء المحرمة، فيدعوهم إلى مثل هذه الأمور ويظن أن هذا من المعروف أو أن هذا من العادة التي يؤمر الناس بها، فهذا من الجهل عباد الله، كذلك أناس ينكرون أشياء من شرع الله جل وعلا، أناس ينكرون توحيد الله جل وعلا، أناس ينكرون تعظيم الله والدعوة إليه وكذلك الأمر بتعلق الناس به، فإذا قلت هذا قالوا هذا عدو للأولياء، وهكذا أيها الإخوة الكرام، من يدعو إلى ترك السنة، من يدعو إلى ترك أهل السنة وما هم عليه من السنة، فهذا أيضا جاهل بدين الله جل وعلا، ويحسب المعروف منكرا، ولهذا أيها الإخوة الكرام قد ذكر لنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن من تشرب، أن من تشرب الفتن فإنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، كما جاء في صحيح مسلم في حديث حذيفة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها أي دخلت قلبه نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تكون القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه»، أي إلا ما تشرب من ذلك الهوى فيصير عنده المنكر معروفا والمعروف منكرا، هكذا أيها الإخوة تتبدل الفطر وتتبدل أيضا كذلك القلوب بسبب ما أشربت من هذه الفتن، فلهذا فالواجب على العبد أن يعلم المعروف فيدعو إليه ويعلم المنكر فيدعو إليه. أيضا كذلك أيها الإخوة الكرام، فإن من البصيرة أن يعلم حال الداعي الذي يدعو إليه، وهذا إن شاء الله تعالى له تفصيل آخر ولعلنا نأتي به في خطبة أخرى. أيها الإخوة الكرام، ومن الآيات التي أيضا كذلك في هذا الموضوع قول الله جل وعلا، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، هذا أيضا كذلك أو هذه الآية عباد الله هي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر الله عز وجل نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام أن يدعو الناس إلى هذا الخير، يدعو الناس إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والحكمة هي هي إظهار الحجج والأدلة القطعية على أن هذا من دين الله جل وعلا، وعلى أن هذا أيضا كذلك هو من الخير الذي ينبغي للإنسان أن يتبعه، ويدخل في ذلك أحوال الناس وكذلك دعوتهم بالحكمة، أي في أحوالهم، فالرفق واللين كما جاء في الأحاديث وغيرها، والشدة أحيانا كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾، أي من عاند وكابر يحتاج إلى شدة ويحتاج إلى أيضا عنفا أحيانا، ولهذا شرع الجهاد في سبيل الله لتأديب هؤلاء المعاندين دين الله جل وعلا، وإلا فالأصل هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة كما ذكر ربنا جل وعلا، وأيضا من الحكمة وضع الشيء في موضعه، كما عرفها بعضها العلم، الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وهي اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فحالة الرفق يكون الرفق، وحالة الشدة يكون فيها الشدة، كما قد ذكرنا في الآية التي ذكرناها آنفا، أيها الإخوة الكرام، فهذا مما يذكر من هذه الضوابط العظيمة التي ينبغي للداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يستعملها في أمره للناس بالمعروف، فقد كان نبينا صلى الله عليه وعلى وسلم هو القدوة في هذا الباب، وكما قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾، فكان نبي الله عليه الصلاة والسلام يدعو الناس برفق ولين، وينصح بذلك الرفق واللين، فمن احتاج إلى الشدة استخدم شدته عليه الصلاة والسلام، كما هو مبين في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده المتقين، من عباده الداعين إلى الخير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، من هذه أيضا الأحاديث التي جاءت في هذا الموضوع ما جاء في الصحيحين، ما جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد، وجاء أيضا كذلك عن معاذ أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسله إلى اليمن فقال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله كتب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله عز وجل فرض عليهم زكاة في أموالهم تأخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم». هكذا عباد الله في هذا الحديث بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يدعو الناس بالأهم فالأهم، يدعو الناس بالأهم قبل المهم، فإن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل ذلك فيه درجات وشروط ينبغي عليه أن يتعرفها، فإن هذه الأشياء قائمة على المصالح والمفاسد، فإن الشرع لا يأمر بشيء إلا مصلحته خالصة أو تكون راجحة، ولا ينهى عن شيء إلا مفسدته خالصة أو راجحة، فلهذا فاعتد في ذلك المصالح والمفاسد، فإن العبد لا ينكر المنكر فيأتي بما هو أكبر منه، يقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾، فيسب الله عدوا بغير علم، أي إذا سببتم آلهتهم وعبتموها فيسب الله جل وعلا، أي فيأتون بمنكر أعظم من منكر الشرك بالله وهو سب الله جل وعلا، معنى جعله الله عز وجل هنا منكرا عظيما، فلهذا نهى أهل الإسلام أن يسبوا آلهتهم وأن يسبوا آلهتهم حتى لا يسبوا الله عز وجل، فلهذا أيها الإخوة الكرام قرر العلماء أنه لا ينبغي لمن يأمر بالمعروف فيأتي من ذلك المعروف الذي يأمر به منكرا، أو أنه ينهى عن المنكر فيأتي بمنكر أعظم منه، وهذا له ضوابط كثيرة ليس هذا مجالها، لكن نعلم أن الأمر الذي ورد في الشرع أن هذا قائم على المصالح والمفاسد، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم على المصالح والمفاسد، فلهذا من ذلك أنه يبدأ بالمصلحة الكبرى قبل المصلحة الصغرى، وأنه يدرأ المفسدة الكبرى قبل المفسدة الصغرى، كما في هذا الحديث أمر الله عز وجل، أمر النبي عليه الصلاة والسلام معاذا أن يبدأ لهم بالتوحيد ثم بعد ذلك إن أطاعوا يعلمهم بالصلاة ثم إن أطاعوا يعلمه بالزكاة، وهكذا هو التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الأهم فالأهم، وبحسب المصلحة والمفسدة. أيها الإخوة الكرام، ومن ذلك أيضا ونختم به في هذه الخطبة ما جاء في الصحيحين في حديث أبي موسى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسله ومعاذا إلى اليمن قال لهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا»، فهذا الحديث أيها الإخوة الكرام رمز عظيم وحكمة عظيمة في الدعوة إلى الله جل وعلا وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلابد للعبد أن يسر، أن يسر الأمور، وأيضا كذلك يسر للناس، لا يشدد عليهم فيما لم يشدد به شرع، ولا يتساهل فيما شدد فيه شرع، فإنما يأخذ بما شرع الله عز وجل، فلا يعسر على الناس فيما قد يسر الله عز وجل له، أيضا كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وبشرا ولا تنفرا»، أي لا تجعلوا دعوتكم تنفيرا للناس، لا تجعلوا الأمر قد يكون مصلحة لأحدنا يجعله تنفيرا للناس، فالداعي إلى الله والذي عرف عنه المعروف وكذلك نهيه عن المنكر يجب عليه أن يكون ذلك فيه، أي أن يكون المعروف يعامل الناس بالخير والأخلاق الحسنة حتى لا ينفروا عن دين الله جل وعلا، وكذلك أيضا يكون ممن يفعل المعروف، وإلا دخل في قول الله جل وعلا: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾، وهذا غالبا يكون في الفرائض لا في السنن، وفي الأمور الواجبة لا في المستحبات، أي وإن كان يدعو إلى المستحبات وهو لا يعملها قد يكون لأجل شيء لا يستطيع أن يعملها لعمل أو لغيره، فليس معنى ذلك أنه لا يدعو إليها، أما الفروض والواجبات فالواجب عليه أن يلتزم بالفرض وأن يترك ما يكون فيه نهي الله عز وجل، وإلا لو دعا الناس بغير نية الفعل والتر فإنه يدخل في مثل هذه الآيات، مثل قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾، فلهذا أيها الإخوة الكرام ندعو إلى الله جل وعلا، ندعو إلى الله سبحانه وتعالى ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونكون قدوة حسنة في ذلك، نكون قدوة حسنة كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام والعلماء الذين ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم وصحابته، فلهذا أيها الإخوة الكرام فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمره عظيم عند الله، فلابد أن يضبط بهذه الضوابط، حتى أن بعض العلماء من عظمة هذه الشعيرة جعلوها الركن السادس، وقال ابن عبد البر: إن كان هناك ركن سادس فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيا أيها الإخوة الكرام لا تفرطوا في هذا الباب، وأيضا كذلك تعلموا ضوابط هذا الباب حتى تكون الدعوة إلى الله ليس فيها تنفير بل فيها تبشير، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، نبشر الناس بهذا الخير وبهذا الإسلام العظيم، وندعو إلى الله عز وجل على بصيرة وعلى حكمة، وندعو إليه سبحانه وتعالى بكل ما أمر به سبحانه وتعالى، فنسأل الله السداد والهدى والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.