الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 176، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
البدع المحدثة هي ضد السنة وتشمل كل ما أحدث في الدين ولم يأذن به الله. العبرة في الحكم على الأمر بأنه بدعة تكون من خلال مصدره وأصله.
البدع تؤدي إلى تفرق الأمة وتعتبر ضلالة وفقًا لأحاديث النبي محمد. الاجتماع على السنة هو السبيل الوحيد للوحدة.
البدع تؤدي إلى تفرق الأمة إلى فرق مختلفة، والفرقة الناجية هي التي تتبع السنة وتمسك بها. أهل البدع يبتعدون عن السنة.
المؤلف يحذر من مخالفة السنة واتباع البدع ويؤكد أن ذلك مردود على صاحبه. يدعو الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ما ضد السنة؟ قد يقول: قال، ما العلاقة في طرح هذا السؤال في هذا المقام؟ فالربط بينهما الذي عنونا له المؤلف هذه المسألة بقوله: ما ضد السنة؟ أنه قد مر معنا في درس أمس ما يتعلق بالصراط المستقيم، وكيف التمسك به؟ وكيف التمسك به؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن التمسك به يكون بالتمسك والسير على الكتاب والسنة. وأما ما يتعلق بالتمسك بالكتاب، قد مرت معنا مسائله - لو تذكرون - في أوائل الرسالة، ما يتعلق بالقرآن الكريم وما يتعلق به من مباحث، فكان حينها الكلام عن التمسك بحقيقة القرآن، ولهذا ما بقي إلا الكلام عن السنة، وهي من الصراط المستقيم الذي يجب على كل سائر عليه أن يستمسك بها. فقال رحمه الله تعالى: ما ضد السنة؟ قال: ضدها البدع المحدثة، وهي شرع ما لم يأذن به الله، التشريع في شرعنا، وذلك بذكر أحكام وعبادات وتكاليف، هذا حق محض لله جل في علاه، ما هناك أحد يزاحم الرب سبحانه وتعالى في هذه المسألة، من ذا الذي ينبلي ويقول: أنا مع الله في أن أشرع لعباد الله ما أراه صوابا؟ من هذا الذي يتألى؟ ما فعل ذلك إلا من سفيه نفسه. ولهذا قال ربنا جل وعلا في مسألة التشريع: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، من هذا الذي يسمح لنفسه ولأمثاله في أن يشرع لعباد الله الشرائع والأحكام؟ هذا من الإشراك بالله. وحقيقة المبتدع أنه مشرع، عندما يأتي من يأتي ويقول للناس: افعلوا كذا، فإن قيل: ما هو برهانه؟ ولا خلاص، أنا أرى هذا هو الصواب، افعلوا، افعلوا، ولا تسأل، وافعلوا كذا، ويعطيك طقوسا وأحوالا وسلوكا وأقوالا وآراء عليك أن تتابعها، هذا هو الابتداء، وهذا هو ضد السنة؛ لأن السنة فيها اتباع، أنك تلتزم بما ورد عن نبيك عليه الصلاة والسلام. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: ضدها البدع المحدثة، وهي شرع ما لم يأذن به الله، وهي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وهذا الحديث في الصحيحين. من أحدث في أمرنا - أي في ديننا وفي شريعة ربنا - ما ليس منه فهو رد، معنى رد: أي مردود، فكل من أحدث - والإحداث ابتداء في شرع الله - يحدث للناس: يا عبد الله، ما أنزل الله به من سلطان، وإنما هو محض اجتهاد منك، فتبتدع للناس أحوالا وسلوكا وأقوالا، مآل هذا الابتداء أنه مردود على وجهك، ولو من أي أحد، ولو من أي أحد. ولهذا قال نبينا: «من أحدث»، وهذا من صياغ العموم، كائنا من كان، من أحدث هذا المحدث، سواء كان كبيرا صغيرا، ذكرا أنثى، عظيما حقيرا، كبيرا وزيرا، أي أحد، من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه - أي ليس من شأنه - فهو رد، بمعنى مردود على صاحبه. مع التنبيه، إخواني في الله، عندما نتحدث عن البدع والحوادث والمحدثات التي حرمها شرعنا، والتي مردودة على وجه صاحبها، ليس من شرطها أن تكون سيئة في فعلها؛ لأن بعض الناس يرى أن البدعة تكون مردودة إذا كانت قبيحة، لكن إذا كانت البدعة عبارة عن صلاة، عبارة عن صدقة، عبارة عن نافلة، عبارة عن عمل صالح، ما في شيء، فهذا ليس بصحيح. معيارك في الابتداء: كل أمر محدث، هذا هو الضابط، بغض النظر عن هيئته، بغض النظر عن كيفيته، بغض النظر عن أثره في الناس، لا تبالي بهذا كله، انظر إلى مصدره، من أين انبثقت هذه العبادة؟ فإن كان انبثاق العبادة انبثق وتفرع وتفرخ من إحداث، من ابتداء، اعلم أن هذا مردود، ولو كانت صلاة، ولو كانت صياما. بدليل ما جاء في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين أتوا إلى رسول الله، فلم يجدوه في بيته، فسألوا عن عباداته، فقالوا: أخبروا أن هدي نبيكم كان يفعل كذا ويفعل كذا، فرأوا أن أفعاله قليلة، لكن عذرهم قالوا: هذا رسول قد غفر له ما تقدم من ذنبه، فأعمال إن عمل بها ما عمله، فإن الله قد غفر ذنبه، ولهذا كانت أعمال لا بأس بها. أما نحن أهل الذنوب، ما عندنا من الله ميثاق في أن الله يغفر ما مضى من ذنوبنا، إذن نرهق أنفسنا، فكان من أمرهم ما قد علم عنهم. أما أحد فقال: أما أنا فأقوم ولا أرقد، ما الذي يفعل؟ أقوم ولا أرقد، سيملأ الليل كله صلاة قيام صلاة، هل في هذا منكر؟ صلاة قيام ليل. وأما الثاني قال: أما أنا أصوم ولا أفطر، وأما الثالث قال: أما أنا فلا أتزوج النساء، يتبتل يتفرغ لعبادة ربه، هذه الأمور الثلاثة عندما ألزم أصحابها أنفسهم بها، سمع بها نبينا صلى الله عليه وسلم، فماذا فعل؟ عرضها على سنته. نبي له هدي، ونحن مأمورون باتباع هديه، ونمضي على سيره، فلما رأى نبينا هذه العبادات وهذه الأمور، وإن كانت حسنة، يرى بعضنا - بل أصحابها يرونها حسنة - لا غضاضة فيها، فعرضها نبينا على سنته، فقال: «أما أنا فأقوم وأرقد»، فقيام الليل من أول إلى آخر هذا ليست على السنة. «أما أنا فأقوم وأرقد»، «وأصوم وأفطر»، والصوم كذلك ليس عنده وصال، بل نهى نبينا عن الوصال، أنك تواصل يوما بعد يوم أو على مدى الدهر، لا أصام من صام الدهر، وأما حاله فإنه يصوم أياما ويفطر أياما. «وأصوم وأفطر»، قال: «وأتزوج النساء»، ثم قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، تبرأ منهم، تبرأ ممن؟ هل الحديث عن منافقين؟ الحديث عن أناس من عباد الله الصالحين، نحسبهم كذلك، بدليل أنهم ألزموا أنفسهم طاعات أرادوا بها الوصول إلى رب الأرض والسماوات بالمغفرة والرحمة ونزول البركات. لكن لما كانت الأعمال على خلاف السنة ردت ومنعت، وأمر أن لا يستمر عليها، وبهذا نعلم - يا عبد الله - ليس العبرة بالحكم على أمر ما بأنه محدث أو ليس محدث، أو أنه بدعة منكرة أو ليس بدعة منكرة من خلال ما نرى من شكلها وهندامها وأثرها، لا، وإنما النظر على أصلها. فكل ما لم يكن على هدي فهو بدعة، وحقه أن يرد، ولا يعمل، وأن أثر ذلك على صاحبه أن الله جل وعلا لا يؤجره عليها، فلنتبه لهذه المسألة. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة»، وهذا الحديث كذلك جاء في السنن، رواه أحمد والترمذي من حديث العرباض بن سارية، وقد ذكره شيخنا مقبل في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وفي هذا الحديث الحث على السنة، فقال نبينا: تمسكوا عليها، وعضوا عليها بالنواجد، والشيء إذا أردت أن تستمسك به فإنك تعض عليه بالناجد، وهو من أقوى الأعضاء، تعض عليه تشد، وهذا دلالة على أن المرء عليه ماذا؟ أن يستميت على السنة، استميت عليها، ولو أنك - يا عبد الله، تبذل قصار جهدك في أنك لا تفرط فيها. وهذا - يا عبد الله - وصية الرسول لأمته، ما عليها كثير من الناس من الزهد والإعراض، ناهيك عن التطاول والاستهزاء الذي حدى بالناس أن يتطاولوا على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، فأخذوا - لا أقول: أنهم يتركون السنة لحالها - بل أنهم تطاولوا عليها بالضحك والاستهزاء بها. وهذا جعل العلم من نواقض الإسلام، الاستهزاء بشرع الله، والاستهزاء بما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال نبينا: «تمسك بها، وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة»، وتأمل: «كل محدثة ضلالة»، وهنا «كل» من ألفاظ العموم، فكل محدث، كل أمر محدث، حكمه ضلالة. وهذا فيه أعظم رد إلى بعض الناس ممن استساغ بعض البدع تحت ما يسمى ببدعة حسنة، لا، ما عندي شيء اسمه بدعة حسنة، بدعة، بدعة، حكمها ضلالة، مآلها النار، كل شيء أطلق عليها بدعة، اجعلها بين قوسين ضلالة. أما أنك تأتي بأمر بدعة، وأنت تعرف بأنه بدعة، ثم ترجو من ورائه خيرا، ولهذا أخطأ خطأ العلماء من قسم البدع إلى قسمين: إلى بدعة سيئة، وإلى بدعة حسنة، هذا ليس بالصحيح. أو جعل أن البدعة تنسحب عليها الأحكام الخمس، هناك بدعة محرمة، وهناك بدعة مكروهة، وهناك بدعة مباحة، وهناك بدعة واجبة، وهناك بدعة مستحبة كذلك، هذا القول غلط على صاحبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الذي لا ينطق عن الهوى - حكم على الجميع بالضلال، قال: «كل بدعة ضلالة». وتأمل - يا عبد الله - إلى عظيم هذه العبارة، أن جعلها نبينا في كل خطبة، فما إن يخطب أو يصعد عليه المنبر فيخطب بالناس إلا ويستفتح بهذه الكلمات: «وكل بدعة ضلالة»، هات متى يقولها؟ كل جمعة، يقولها في حق من؟ مع من؟ مع أصحابه، في كل جمعة. هذا ماذا معناه؟ مع من؟ في مجتمع خال من البدع في زمنه، ما هناك بدعة تظهر، بل هناك اجتهادات فردية تمحى مباشرة، ينهى عنها نبيه، فتلغى، فإذا كان في زمنه لا تكاد للبدعة ظهور، مع من؟ في زمن أصحابه، ومن أشد الناس تمسكا ومع هذا كله، في كل جمعة يحذر نبينا من البدع. «إياكم ومحدثات الأمور»، ما معنى هذا كله؟ معنى هذا عظيم الخطورة، عظيم الخطورة، وخوف النبي على أمة من هذا المزلق العظيم. ثم نحن في هذه الأزمان، يأتي من يأتي، وإذا أراد أن يتندر على أهل السنة يقول: أنتم ما عندكم إلا بدع ومحدثات، بدع ومحدثات، سبحان الله، إذا كان نبيك ماذا عسى هذا القائل أن يقول في حق نبيه؟ والذي في كل جمعة في محضر الصحابة، في زمن لا بدعة فيه، «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، في كل جمعة، ما معنى؟ إذا كان نبيه يخاف على أصحابه من أن تنفتح عليهم هذه المحدثات، أليس نحن في هذا الأزمان أولى بوقوع البدع؟ لا أقول: على مستوى الأفراد، بل على مستوى الجماعات، بل على مستوى دول، دول تتبنى بدع أفكار منحرفة عن الكتاب والسنة. ثم بعد ذلك نتغافل عن هذا الباب، لا - يا عبد الله - بل إن كان من تحذير من البدع فهذا أوانه، التحذير من البدع من دين الله جل وعلا. قال: وأشار صلى الله عليه وسلم إلى وقوعها بقوله: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، وهذا الحديث كذلك جاء في السنن عند الترمذي، ورواه أحمد في مسنده، وهو كذلك إسناده صحيح. فقول المؤلف: وأشار صلى الله عليه وسلم إلى وقوعها، كيف عرف المؤلف ذلك؟ ما كان من تحذير النبي من تفرق الأمة، قال: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أعظم الفرق، من أعظم الأديان تفرقا، ما الذي فرق الأمة؟ البدع، البدع. وانظر - يا عبد الله - إلى أمة محمد انقسمت إلى ملل ونحل وأفكار وآراء ومناهج، ما الذي أدى إلى هذه النزعات والاختلافات؟ البدع، ذاك معتزلي، ذاك رافضي، ذاك شيعي، ذاك خارجي، وقس على ذلك الفرق الثلاث وسبعين فرقة التي الله أعلم متى ستنتهي، متى ستنتهي هذه الانقسامات؟ لكن أخبر نبي بوقوعها، فهذه الأمم وهذه الفرق ما أظهرها إلا البدع، وبهذا نعلم - يا عبد الله - شؤم البدع، شؤم البدع أنها تفرق الأمة. فإذا أراد أحد من الناس - دعاة أو مصرحين أو على مستوى الدول والرؤساء - أراد أن يجمع الأمة على شيء، فوالله ما سيتجمع إلا على السنة، أما إن أراد على البدع التي فيها ما تجتمع، ما ستجتمع أبدا. انظر - يا عبد الله - إلى حال هذه الأمة، مهما اجتمعت على ما هي عليه من النكال والبأس والخبث الذي فيها، سرعان ما تفترق، كيف ستجتمع بين رافضي وبين معتزلي، بين خارجي، بين أشعري، بين ماتريدي، وبين كرامي؟ كيف ستجمع بين متناقضات؟ هذا يكفر هذا، وهذا يضلل هذا، وهذا يستبيح عرض هذا، وهذا يستبيح دمه، هذا ما ستجتمع. انزع الفرق هذه، وارجعها إلى مائدة السنة، هي الأم، فإن اجتمعت على السنة تجتمع، وانظر - يا عبد الله - إلى هذه الأمثلة، انظر إلى حال أهل السنة في كل زمان ومكان، فجد أن أهل السنة مع التفرق في شرق الدنيا وفي غربها، تجدهم يجتمعون مع تباعد الأديار واختلاف الأبدان واختلاف الألسنة. ذاك في روسيا، وذاك في أمريكا، وذاك في أوروبا، وذاك في الخليج، وذاك في استراليا، وذاك في اليمن، كلهم على عقيدة واحدة، كتابا وسنة، يجتمعون، لكن انظر المبتدعة، والله لو جمعتهم في غرفة واحدة، كما كان شيخنا مقبل رحمه الله تعالى يتحدث عن بعض الفرق الضالة، هي فرقة واحدة، خمسة يجتمعون في غرفة، فما يخرجون من الغرفة إلا وكل واحد كفر الثاني، هي فرقة تفرخ، خمسة رؤوس يخرجون بخمسة فرق، فرقة تفرخ خمسة فرق، وهكذا يفرخ بعضهم بعضا. هذا من شؤم البدعة، من شؤم البدعة - إخواني في الله - التفرقة، وهذا واضح في قول نبينا: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، فيها مسألة فيها الحذر وعدم التساهل والتهاون في أمر البدعة، كما تجد من بعض الدعاة ممن يهون من أمر الابتداع، يقول: أخي، إيش فيها؟ أنتم شددتم على الناس، جعلتم هذا مبتدعا، هذا ماتريدي، هذا أشعري، وهذا معتزلي، كما يعبر بعضهم، إيش هذا؟ يخلي الناس، ديننا واحد، نصلي قبلة واحدة، نجتمع، كيف نجتمع؟ ونبي يقول: «كلها في النار»، أمر أمر ليس يعني اجتهاد فردي، أنت من تقول: والله أنا شيعي، ما عادي، وتثني: أنا أشعري، وأنت: أنا معتزلي، وإن شاء الله عادي، نصلي في مسجد واحد، الحمد لله، ونتقبل من الجميع، خلاص. وقوله نبينا: «كلها في النار»، هذا ما له أي صدى في قلوب الخلق، أيها عبد الله، إن كان من تحذير من أمر بعد الشرك، فليس إلا البدع، حتى قال العلماء: البدع بريد الكفر، ما وصل الناس إلى الكفر إلا عن طريق البدعة، فأمرها خطير. وهكذا في هذا الحديث - إخواني في الله - فيه بيان على أن ثلاث وسبعين فرقة هي ليست آراء، بل هي فرق، هي طوائف، وقد قال العلماء: أن الفرقة وطائفة عبارة عن أفكار عند أناس، وهذا إشارة إلى أن التحذير من هذه الأفكار قد نضطر من خلاله إلى التحذير من أشخاص؛ لأن بعض الناس يستعظم على أهل السنة مسألة التصريح: لماذا تصرحون بالأشخاص؟ يقول: لأن النبي قد أخبر أنها فرق، والفرقة هي عبارة عن جماعة لها فكر، إذن عندي الفرقة عبارة عن أمرين: عبارة عن رأي، وعبارة عن ذات رأي وذات، فإن استطعنا أن نتخلص من الآراء، وفهم الناس المراد من كلامنا، لا إشكال، لكن إن اقتضى الأمر أن التحذير من الأفكار لوحده ما يفهم إلا بالتشخيص والتعيين، فلابد أن نعين. وعلى هذا درجة أهل السنة يحذرون من رؤوس المبتدعة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا قال كثير، ليس هذا المقام مقامه في سرد أقوال أهل السنة في التحذير من المبتدع إذا احتاج الأمر، ولكن إذا علم الناس المراد بمنهج عام، بأفكاره وآرائه، فكفى الله المؤمنين القتال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعينها بقوله صلى الله عليه وسلم: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، أي هذه الفرقة الناجية؛ لأنه قال: «كلها في النار»، ما عدا واحدة، من هذه الواحدة؟ هي التي تمسكت بالسنة. فقال نبينا: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وهذه الزيادة وإن كان فيها خلاف؛ لأنه من طريق عبد الرحمن بن أنعم الأفريقي، ومتكلم فيه، فبعضهم يحسن حديثهم، فيرى هذه اللفظة صحيحة، ولكن بعضهم يرى أن هذه اللفظة ضعيفة. لكن مع القول بضعف المتن والإسناد، إلى أن المعنى صحيح، المعنى صحيح؛ فإن الفرقة الناجية أصلها هم أصحاب رسول الله، هم رأس الفرق الناجية، وهم رأس الطائفة المنصورة، فهم قدوتنا، فمن أراد أن يكون من الفرق الناجية فليحذ حذوهم، وما فاز وما ظفر وما انتفع شأن الصحابة بمثل تمسكهم بكتاب الله، وبسنة الرسول عليه الصلاة والسلام. ولهذا لما تمسك الصحابة أصبحوا الفرقة الناجية، وأما غيرهم لما تخلفوا، تخلفوا عن السنة، ودخلوا في البدع، فرق الله عز وجل شملهم. قالوا: وقد برأه الله تعالى - أي برأ نبيه - من أهل البدع بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾، هذه الآية فيها أن الله برأ نبيه من أهل البدع. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عند هذه الآية: قال: فبرأ نبيه من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فهذه العبارة إنما أخذها المؤلف من كلام شيخ الإسلام، هذه الآية برأ نبينا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، من هؤلاء؟ هم أهل البدع الذين فرقوا الأمة، جعلهم ملل ونحل وأحزاب وطوائف ومناهج، يعادي بعضها بعضا، وكل يوالي على مذهب، على مبدأ، على فكرة. قال: «لست منهم في شيء»، قالوا: أهل التفسير بمعنى: أنت لست منهم، وهم ليسوا منك، تبرأ منهم نبينا، ولهذا من أراد أن يسير على ما سار عليه نبينا، فإن من مغزى الاتباع التبرئة، التبرئة من كل من خال في البدع؛ لأن البدع ما تلتقي بالسنة، إما سنة هو اتباع ما جاء به الرسول، وإما ابتداء هو اتباع ما عدى الرسول عليه الصلاة والسلام. ونبينا يتبرأ من المبتدعة جميعا في الدنيا، وهكذا حكمه في الآخر، وثبت في صحيح مسلم أن أصحاب الحوض - أهل الإسلام من أهل الجنة - إذا أتوا إلى الحوض، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ألا لي ذادن أقوام عن حوضي»، يمنعون أناسا من أمة عن الشرب من حوض النبي الحوض المورود. قال: «ألا لي ذادن أقوام عن حوضي»، فأقول: «أمتي، أمتي»، فيقال لي: «إنك لا تدري ما أحدث بعدك، إنهم غيروا وبدلوا»، غيروا وبدلوا، وهذا يدخل فيه أصناف من الناس، يدخل فيه أهل النفاق، ويدخل فيه المرتدون، ويدخل فيه المبتدعة؛ لأنهم أعظم من غيرهم، غيروا وبدلوا في شرع الله. قال: فيقال لي: «إنك لا تدري»، أي: هؤلاء الذين يمنعون من الشرب والولوج إلى حوض الرسول يمنعون، قال: «إنك لا تدري ما أحدث بعدك، إنهم غيروا وبدلوا»، قال: «فأقول: سحقا، سحقا، سحقا لمن بدل وغير»، تبرأ منهم نبينا. فإياك - يا عبد الله - أن تغير أو أن تبدل في شريعة الله، فتغير وتبدل في الاعتقاد أو المناهج أو السلوك، وإنما - يا عبد الله - إنما وضعنا على هذا الصراط المستقيم، نمضي، نمضي كما مضى عليه نبينا، نأخذ عقيدتنا منه، وعباداتنا منه، وطاعاتنا منه، بل هو أسوتنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. فلا داعي - عبد الله - أن تجعل لنفسك مذهبا أو منهجا مغايرا عن منهج السنة، فإن ذلك مردود على وجهك، هذا ما يتعلق بهذا المبحث الذي أراد به المؤلف رحمه الله تعالى الإشارة إلى ما يخالف السنة، وهي البدع. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.