الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن العبادة تنقسم إلى التذلل والتعظيم، وكلاهما لا يصرف إلا لله وحده، وصرفهما لغيره يعد شركاً. كما يقرر القاعدة الأصولية بأن الأصل في العبادات المنع والتوقيف، فلا تُشرع عبادة إلا بدليل من الكتاب أو السنة.
يحذر النص من الابتداع في الدين مؤكداً كمال الإسلام وعدم الحاجة لزيادات، وأن كل عبادة تحتاج لدليل شرعي، مستشهداً بقول الإمام مالك فيمن يزعم بدعة حسنة. وينتقد الاحتفال بالموالد وبناء المساجد على القبور لخلوها من الدليل، مشيداً بمنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التمسك بالأدلة.
يوضح المقطع أن المساجد يجب أن تكون خالصة لله، وينهى عن بناء القبور فيها أو تعظيمها لأن ذلك يؤدي إلى الشرك الأكبر. ويستدل بقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لتأكيد إخلاص الدعاء لله وحده.
يضرب الشارح مثلاً بالماء في قعر بئر لا يصل إلى من يشير إليه بلا دلو ولا حبل، مبيناً أن دعاء غير الله يستحيل نفعه كما يستحيل وصول الماء بلا سبب. ويخلص إلى أن هذا المثل يوضح تحريم دعاء غير الله سبحانه وتعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الشيخ الفوزان -حفظه الله تعالى- في ذكره لأنواع العبادة: قال: "والتذلل من أنواع العبادة". التذلل، قال: "هو الخضوع"، وهو كما سبق ركن من أركان العبادة. قال: "فالعبادة تدور على الحب والذل والخوف والرجاء، فلا يكون الذل إلا لله سبحانه وتعالى، لا تذل مخلوق مثلك". وهذا أيضًا سبق الكلام عليه. التذلل بمعنى الخضوع والاستكانة، وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى؛ فإن العبادة قائمة على أمرين عظيمين: الحب والذل. تعبد الله عز وجل محبة، وكذلك خضوعًا وذلًا. وهكذا تعبد الله عز وجل بين الخوف والرجاء. فالذي يفعله أهل القبور من إظهار المسكنة والذل والخضوع عند المقبورين، وكأنهم أمام رب العالمين، فهذا لا شك أنه شرك بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الذل لا يكون إلا لله عز وجل وحده، ولا يجوز صرفه لغيره سبحانه وتعالى. قال: "والتعظيم الذي هو من خصائص الألوهية أو الإلهية". يجوز هذا وهذا. كذلك التعظيم: فمن عظم مخلوقًا كتعظيمه لله عز وجل فقد وقع في الشر. قال: "وهو التعظيم الذي يكون معه خضوع للمعظم، وصرف شيء من أنواع العبادة لهذا المعظم". وصرف هذا النوع من التعظيم لغير الله شرك بالله. فالتعظيم هو الخضوع، وكذلك صرف العبادة تعظيما لذلكم المعظم. فما عبد أو ما عبد غير الله إلا بسبب التعظيم، بسبب التعظيم. ولذلك من تعظيم أولئك للمقبورين يخافون أن... مثلا يحذر من هؤلاء أو من عبادة هؤلاء، فلتعظيمهم لأولئك المقبورين يخافون، أو كذلك يعني يعظمون الكلام في أولئك المقبورين. وهذا من تعظيمهم لهم، من تعظيمهم لهم. والتعظيم لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. قال المؤلف: "ودليل الدعاء قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾". انتهى المؤلف -حفظه أو رحمه الله تعالى-. شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من تعداد أنواع العبادات. وهذا العدد الذي ذكره من أنواع العبادات ليس على سبيل الحصر، يعني ما تنحصر العبادات فيما ذكر، بل هي أكثر وأكثر بكثير مما ذكر المؤلف. وإنما أراد المؤلف -رحمه الله تعالى- أن يذكر العبادات المهمة، العبادات التي يقع كثير من الناس في الشرك فيها، في الشرك فيها. ثم بعدما انتهى من تعداد أنواع العبادات شرع في ذكر الأدلة على كل عبادة من العبادات المتقدمة، على كل عبادة من العبادات المتقدمة. فقال الشارح الشيخ الفوزان: قال: "لما ذكر أهم أنواع العبادات ذكر أهم، ليس كل أنواع العبادات فيشق حصر العبادات، ولكن ذكر المؤلف أهم أنواع العبادات". قال: "لما ذكر أهم أنواع العبادات أراد أن يستدل لكل نوع من هذه الأنواع؛ لأن الكلام بدون دليل لا يقبل، لا سيما الكلام في هذا الأمر العظيم المهم وهو الكلام في العبادات؛ لأن العبادات توقيفية، ولا يفعل منها شيء إلا بدليل". وهذا أمر مهم جدا ينبغي لكل مسلم أن يحرص عليه، وهو أمر الأدلة في العبادات الشرعية، وفي التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. لأن القاعدة عند أهل العلم أن الأصل في العبادات المنع، الأصل في العبادات المنع. ما يجوز لأي مسلم أن يتقرب وأن يتعبد إلى الله عز وجل بعبادة إلا إذا دل الدليل على التعبد لله عز وجل بها. فلذلك يقول أهل العلم: الأصل في العبادات المنع، الأصل في العبادات التوقيف، توقيفية، لا يتجاوز فيها الدليل. بل أي عبادة تتقرب بها إلى الله عز وجل لا بد أن يكون عليها دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهذه القاعدة عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. فكل مسلم وكل متعبد تعبد بعبادة لم يأذن بها الله، وكيف نعرف أن الله أذن بهذه العبادة أم لم يأذن بها؟ نعرف ذلك من الكتاب والسنة، نعرف ذلك من الكتاب والسنة. فالله عز وجل أنكر على أولئك الذين أخذوا بتشريعات ساداتهم وكبرائهم، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. فإذا لا بد في العبادة أن يأذن بها الله، أن يأذن بها الله سبحانه وتعالى، وذلك بالدليل من الكتاب أو من السنة. وأما من السنة: دليل هذه القاعدة حديث عائشة: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»، اتفق عليه. "من عمل من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه" يعني ليس في كتاب الله وليس في سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإنما اخترعه من تلقاء نفسه، سواء كان في الكيفية أو في العدد أو في الصفة أو في الزمان، أو إلى غير تلك الأمور التي ذكرها أهل العلم فيما يقع فيها الإحداث في الدين. فلا يجوز إلا بدليل شرعي من كتاب الله أو من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-. فبهذا يسلم المسلم من الوقوع في البدع ومن الوقوع في المحدثات، إذا تعبد الله عز وجل، إذا تعبد الله عز وجل بما ورد به الدليل من الكتاب والسنة. الإمام مالك يقول: "من ظن أن... يعني ماذا؟ من ظن أن في الدين بدعة حسنة، من ظن أن في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد خان الرسالة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فهو كامل لا يحتاج إلى زيادة. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾". ثم قال: "فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دين". يعني أمر ما كان دينًا في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وما تعبد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بهذا الأمر، فلا يمكن أن يكون بعد وفاته دينا يتعبد به لله سبحانه وتعالى. فهل يعقل هذه القواعد والثوابت أهل البدع وأهل الإحداث؟ سبحان الله! إنما هو الهوى، إنما هو الهوى والجهل من بعضهم. ولهذه ثوابت عند أهل الإسلام: أن أي أمر من أمور العبادة لا بد أن يكون عليه دليل من كتاب الله أو من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-. هذا أمر ما يحتاج إلى زيادة بيان، ولكن الهوى والتعصب وكذلك الجهل من بعض أولئك يصرون على البدع، كما هو في هذه الأيام: بدعة الموالد في ربيع الأول، في كل يوم مولد في مسجد من المساجد، وربما ينقل عبر الإذاعة ما شاء الله، مباشر، بث مباشر إلى البيوت. فهذا ليس عليه دليل، قل: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. هل فعل هذا النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ هل يستطيع أحد أن يقول أن المولد فعله النبي -عليه الصلاة والسلام-، أو فعله أحد من خيار هذه الأمة ممن عاش في القرون الثلاثة المفضلة؟ هل يستطيع أحد أن يقول ذلك؟ لا يستطيع أحد أن يقول ذلك. فما ينبغي الإصرار والعناد في أمر هو من أساسيات هذا الدين ومن ثوابت هذا الشرع: أن الأصل في العبادات التوقيف، إلا إذا أتى الدليل من الكتاب أو السنة على مشروعية هذه العبادة فتفعل. وهذا أمر واضح بين، ولكنه العناد والهوى والجهل، والله المستعان. فالمهم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي -رحمه الله تعالى-، وهذا من خصائص كتبه ومن الأمور التي جعلت كتبه محبوبة عند أهل السنة وعند أهل العلم وعند أهل التوحيد: أنه يدلل، يدلل بأدلة الكتاب والسنة في كتبه، سواء كان في الأصول الثلاثة أو في القواعد الأربع، أو كذلك في كتاب التوحيد، أو في هذه الرسالة الجامعة لعبادة الله وحده، أو في غيرها من رسائله القوية المتينة. ماذا؟ لا بد أن يذكر الأدلة من الكتاب ومن السنة، من الكتاب ومن السنة. وهكذا ينبغي أن يكون كل سلفي وكل سني؛ لأن العمدة في هذا الدين على الأدلة الشرعية من الكتاب ومن السنة. فبعدما انتهى من ذكر أنواع هذه العبادات ذكر أدلتها من الكتاب، ذكر أدلتها من الكتاب. وهذه رسالة مختصرة، وفي غير هذه الرسالة ذكر أدلتها من الكتاب ومن السنة. ثم بدأ في ذكر الدليل في أول عبادة ذكرها، وفي أهم عبادة ذكرها، ألا وهي الدعاء. قال: "قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾". قال الشارح: "هكذا يجب أن تكون المساجد لله عز وجل، لا تبنى للرياء والسمع، أو تبنى على الأضرحة والقبور، إنما تبنى لعبادة الله وحده لا شريك له، فهي بيوت الله. المساجد هذه الدور التي يتعبد لله عز وجل فيها من بيوت الله سبحانه وتعالى. فهذه ينبغي أن تكون لله، يبنيها صاحبها من أجل الله، لا من أجل التباهي والرياء والسمعة، وأنني بنيت مسجدا هو أفضل من المسجد الذي بناه فلان. لهذا ينافي معنى هذه الآية. ينبغي أن تكون المساجد لله، لا رياء، لا سمعة، لا كذلك تباهي. وأيضا لا تبنى على الأضرحة والقبور. لماذا؟ لأنه إذا بنيت على الأضرحة والقبور عبد غير الله عز وجل، وهذا هو حال المساجد التي تبنى على القبور. فتجد الطائف بهذه القبور، وتجد الخاشع المعظم لهذه القبور. الآن هو أدى عبادة في المسجد، لكن هل أداها لله عز وجل؟ ما أداها لله عز وجل، إنما أداها لهذا القبر. بعض المساجد ربما يكون القبر في وسط المسجد أو في ناحية من نواحي المسجد، ويقصده هؤلاء عباد القبور. ربما يأتون ليس من الحارة التي فيها هذا المسجد، أو من البيوت التي هي بالقرب من هذا المسجد، إنما يأتون لها من أماكن بعيدة، وربما من مسافة سفر، من أجل أن يطوف بهذا القبر، أو يخشع، أو كذلك يعظم هذا القبر، أو يذبح، أو ينذر، أو إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى-. ينبغي أن تكون المساجد لله. ومن معنى أن تكون المساجد لله: ألا يكون فيها ند لله عز وجل يُعبد، يُعبد من دون الله سبحانه وتعالى. فلذلك نهى النبي -صلى الله عليه وعلى الله وسلم- عن بناء القبور في المساجد، أو عن بناء القباب على القبور. فكل هذا النهي من أجل أن لا تعظم هذه القبور، وأن تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. فإذن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، سواء أكان من الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر. الشرك الأصغر: مثل الرياء، السمعة، التباهي. الشرك الأكبر: بالبناء، يعني ماذا؟ بإدخال القبور إلى هذه المساجد، وبناء المساجد على هذه القبور. فيأتي القاصد، وربما يطوف بهذا القبر، أو يدعو هذا القبر، أو كذلك يخشع، وكذلك ينذر، إلى غير ذلك من أنواع العبادات. ثم قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. قال الشارح: "هذا محل الشاهد، حيث نهى أن يدعى معه غيره". ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾: "لا" هنا ناهية، "تدعوا" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، و"أحدا" هنا نكرة. والقاعدة عند أهل الأصول، الأصول: أن نكرة في سياق النهي تفيد العموم. فلا تدعو مع الله أحدا يشمل كل أحد، سواء كان قبرًا، سواء كان ملكًا، سواء كان نبيًا، سواء كان ضريحًا، سواء كان مشهدًا، سواء كان أي شيء. فلا يجوز أن يدعى من دون الله سبحانه وتعالى. هذا الدليل الأول الذي ذكره. قال: "وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾". قال الشارح: وهو يشرح هذه الآية ويفسر هذه الآية. قال: "أي: هو الذي يدعى حقا، وأما غيره من الأصنام والأحجار والقبور والأضرحة فدعاؤها باطل". ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: الذي يدعو الله عز وجل، هذا هو الذي يدعو من وجبت له هذه الدعوة أو هذا الدعاء، وجب له هذا الدعاء، وهو الله سبحانه وتعالى. أما الذي يدعو غير الله فقد دعا بباطل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾، وفي آية أخرى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. هذا هو معنى قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾، يعني: هو الذي يدعى حقا، وأما غيره فيدعى باطلا. قال: "لأنها لا تسمع ولا تقدر على إجابة من دعاها". ولذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. هذا من ضرب الأمثال، وقد تقدم معنا في هذا الكتاب بعض الأمثال التي فيها يعني تقرير التوحيد والنهي عن الشرك، ومنها هذا المثل. مثل الله عز وجل الذي يدعو من دونه، يدعو الأضرحة، يدعو القبور، يدعو الأحجار، يدعو الأصنام، شبهه بذاك الذي جاء عند بئر، جاء عند بئر، والبئر ماءه في أسفل، أسفل البئر. فجاء على هذا البئر، وما معه دلو، وما معه يعني ما يأخذ به هذا الماء، فأصبح يشير، يبسط يده إلى الماء هكذا، يقول بيده هكذا، والماء في أعماق، وهو يبسط يده. طيب، هل قوله بيده هكذا يطلع الماء ويستطيع أن يشربه؟ لا. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾، أي: من أجل أن يشرب، يقول بيده هكذا، والماء في أعماق، وفي مسافة يعني ليست كمسافة مد يده، بل هي بمسافة أكثر وأكثر، فهو يمد يده ويريد الماء أن يصل إلى فيه. فهل يصل الماء بمجرد أن يمد وأن يبسط يده؟ ما يصل الماء. وهكذا من يدعو غير الله، ما مثله إلا كمثل هذا الذي يبسط يده إلى الماء ليبلغ فاه، أو ما هو... وهذا الذي يقول: يا فلان، ممن يدعوه، ارزقني، أو أعطني الولد، أو اشفع لي، أو اغفر لي، أو كذا وكذا، هذا ما ينفعه، ولا يصل هذا الدعاء، ولا كذلك يستجاب لصاحب هذا الدعاء. هذا هو المثل الذي ضربه الله عز وجل، وفيه تحريم دعاء غير الله سبحانه وتعالى، وأنه من الشرك. قال الشارح وهو يفسر هذا المثل: "لو جئت إلى ماء في قعر بئر، وليس معك دلو ولا حبل، وجعلت تشير إلى الماء ليرتفع إلى فمك، فإنه لا يصل إليك". وهذا مثل من يدعو غير الله عز وجل، فإن حصول نفعه له من المستحيل، كاستحالة وصول الماء إلى من يبسط يده إلى الماء ليرتفع إلى فمه دون أن يكون معه سبب يرفعه. وهذا واضح في تحريم دعاء غير الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.