الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الدعاء هو أول وأعظم أنواع العبادة، وقد سماه الله تعالى دينًا وعبادة، مما يدل على عظمته. ويشترط في الدعاء شرطان: الإخلاص لله وحده دون رياء أو شرك، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم دون بدع أو إحداث.
يؤكد المقطع عظمة الدعاء وأنه لا يصرف إلا لله سبحانه، فهو وحده القادر على كل شيء ومالك الملكوت. بينما غير الله عاجزون لا يملكون مثقال ذرة ولا يستطيعون نفع أنفسهم فضلاً عن غيرهم.
يوضح المقطع أن من يُدعون من دون الله كالأموات والأصنام لا يسمعون الدعاء ولا يملكون ضراً ولا نفعاً، وسيتبرؤون من عابديهم يوم القيامة. ويؤكد أن الدعاء عبادة عظيمة، وصرفه لغير الله شرك أكبر يقع في ممارسات قبورية.
يوضح المقطع أن أعظم أنواع الشرك عند عباد القبور هو دعاء غير الله، ويؤكد على وجوب إخلاص الدعاء والعبادة لله وحده دون شريك. ويشدّد على أن دعاء غير الله هو الشرك الأكبر المخرج من الملة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: وقفنا عند ذكر المؤلف لأول نوع وأعظم نوع من أنواع العبادة، ألا وهو الدعاء. وقرأنا شيئًا من شرح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى. ثم قال حفظه الله في شرحه لهذه العبادة الجليلة: قال، وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14]، مخلصين له في الدعاء. فسمى الدعاء دينًا، كما سماه في الأخرى عبادة. إذن في الدعاء دين، والدعاء عبادة لله عز وجل. فهذا يدلك على عظم هذه العبادة؛ لقد سماها ربنا سبحانه وتعالى عبادة، وسماها دينًا. وهذه الآية فيها الأمر بالإخلاص لله سبحانه وتعالى في الدعاء. فكما تعلمون أن أي عبادة من العبادات يشترط فيها شرطان اثنان: الشرط الأول: الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فأنت تدعو الله سبحانه وتعالى مخلصًا له؛ بأن لا تدعو إلا إياه سبحانه وتعالى، وأن لا تدعو رياءً ولا سمعة، ولا أي غرض من الأغراض التي تخدش في التوحيد أو تخدش في الإخلاص. وأما الشرط الثاني: فهو المتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فتدعو الله عز وجل بدون إحداث وبدون بدع. فانظر إلى بعض أولئك الذين ربما فقدوا الشرطين: فقدوا شرط الإخلاص في الدعاء، وفقدوا شرط المتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. فتجد عباد القبور يدعون غير الله من الأولياء والصالحين ومن المقبورين، وتجدهم أيضًا يختلقون أدعية ما أنزل الله بها من سلطان؛ إما في كيفيتها، وإما في وقتها، وإما في تحديدها بالعدد، وإلى غير ذلك. فهذا كله من المخالفة في هذه العبادة الجليلة. فشاهدنا من هذا في هذه الآية وجوب الإخلاص في الدعاء، وأن الله سبحانه وتعالى سماه دينًا ليدل ذلك على عظم هذه العبادة. فلا ينبغي لمسلم أن يقصر في هذه العبادة الجليلة، بل يجب عليه أن يكثر منها، وأن كذلك يخلص لله عز وجل فيها. أنبياء وهم أنبياء، ورسل وهم رسل، كانوا يدعون الله عز وجل رغبا ورهبا. كانوا يدعون الله سبحانه وتعالى في السراء والضراء: نوح، وقبله آدم، وهكذا موسى وعيسى، ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إذا نظرت في كتاب الله لرأيت أن دعاءهم كثير؛ يدعون ربهم سبحانه وتعالى، يدعون لأقوامهم، ويدعون لأنفسهم، ويدعون الله عز وجل أن يغيثهم وأن ينصرهم. فهذا يدل على أن المسلم لا غنى له عن دعاء ربه طرفة عين. فينبغي له أن يكثر من الدعاء، وأن يتحين الفرص، وأن يتحين الأوقات الفاضلة، وهكذا الأزمنة الفاضلة التي هي مظنة قبول الدعاء، مظنة قبول الدعاء. وهذا له تفاصيل في مواضع أخرى. شاهدنا من هذا أن الدعاء يجب فيه الإخلاص. قال: وهذا مما يدل على عظم الدعاء، وأنه لا يجوز أن يدعو غير الله سبحانه وتعالى؛ فإنه هو القادر على كل شيء، وهو الذي إذا دعوته فإنه يقدر على إجابتك، ويقدر على إعطائك ما تريد؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيده ملكوت كل شيء. فما من شيء يحتاجه الإنسان في دينه أو في آخرته، أو في دنياه، إلا والله سبحانه وتعالى قادر على أن يعطيه هذا السؤال. فالله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. قال: أما غير الله فإنه عاجز. ذاك الذي يدعو المقبور، فهل هذا المقبور يستطيع أن يعطيه سؤله؟ يستطيع أن يقضي له حوائجه؟ يستطيع أن يغفر له ذنبه؟ ما يستطيع؛ لأنه عاجز، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22]، ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23]. هذا الذي هو لا يملك مثقال ذرة، أصغر شيء في السماوات ولا في الأرض. هل أحد من البشر يملك ذرة رمال، أو يملك ذرة خردل؟ ما أحد يستطيع، أو ما أحد يملك هذا إلا الله سبحانه وتعالى. فهو الذي يملك كل شيء سبحانه وتعالى. وهكذا هؤلاء ما شاركوا الله عز وجل في خلقه، وما لهم فيهما من شرك، وما له منهم من ظهير. ما عاون الله عز وجل أحد من هؤلاء سبحانه وتعالى. فهو الغني: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. فهؤلاء ما يملكون شيئًا، فكيف يدعو ذلكم الإنسان هذا العاجز الذي لا يملك شيئًا، ولا يستطيع أن ينفع نفسه، فضلًا أن ينفع غيره؟ قال: وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 5-6]. أين هؤلاء الذين يدعون غير الله سبحانه وتعالى من مثل هذه الآيات؟ انظروا إلى هذه الآية العظيمة: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾، يعني: لا أحد أضل، لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة. ذلكم المشرك لو جلس عند قبر من يدعوه الأيام والشهور والسنين إلى أن يتوفاه الله، يجلس عند قبر ذلكم المقبور ويدعوه، لما استجاب له، ولما أعطاه سؤله؛ لأنه لا يملك مثقال ذرة، ولا يملك شيئًا من هذا الملكوت العظيم. فهو عاجز عن أن يستجيب له. فلو دعاه إلى يوم القيامة ما يستجيب له. ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: ما يسمعون ما يدعون، وما كذلك يستجيبون لهم، فهم عن دعائهم غافلون. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: يوم القيامة يجمع الله الداعي والمدعو، الداعي والمدعو، فيتبرأ المدعو من الداعي، وهم بعبادتهم كافرين. يكفرون بهم، ويقولون: نحن ما قلنا لهم ذلك، ونحن ما أمرناهم بذلك، أو يقولون: نحن ما نملك لهم شيئًا، وإنما هم دعونا من تلقاء أنفسنا. فيتبرأون منهم، ويتبرأون من شركهم. وهذه حسرة عظيمة. وقال عز وجل: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: 14]، لأنهم أموات أو جمادات لا تسمع الدعاء. كما قال، وأول الآية وهي في سورة فاطر: قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13-14]. ﴿إِن تَدْعُوهُمْ﴾: أي هؤلاء الأموات من المقبورين، أو الجمادات من الأصنام والأحجار والأشجار، لا تسمعوا دعاءكم. ما يسمعون. والصحيح أن الميت لا يسمع إلا فيما خصه الدليل، إلا فيما خصه الدليل. ومما خصه الدليل: سماع قرع الميت لنعال المشيعين، كما جاء في الحديث: «وإنه ليسمع قرع نعالهم». هذا مما خصه الدليل. أما غير ذلك فلا يوجد دليل على أن الميت يسمع. بل الميت لا يسمع. فالذي لا يسمع كيف يستجيب، وكيف يقضي حاجة من دعاه؟ لا شك أنه لا ينفعه بشيء. ولو سمعوا على فرضية أنهم سمعوا هذا الدعاء، ما استجابوا لكم؛ لأنهم عاجزون، في عداد الموتى، لا حركة لهم ولا قوة لهم ولا استطاعة لهم. فهم في عداد الموتى ما يقدرون على الإجابة؛ لأنهم فقراء لا يملكون شيئًا. هذا لو سمعوا، وإلا فهم لا يسمعون. قال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: 22]. فكيف يدعون مع الله سبحانه وتعالى؟ بل كيف يترك دعاء الله، ويصرف الدعاء لغير الله من هؤلاء الأموات والأحجار والأشجار والغائبين؟ أين عقول بني آدم؟ تدعو ناسًا لا يسمعون، ولو أنهم سمعوا لم يقدروا على الإجابة؛ لأنهم لا يملكون شيئًا. فإذن الخلاصة: أن من أعظم العبادات الدعاء. ولذلك من أعظم ما يشرك به سبحانه وتعالى من قبل هؤلاء عباد القبور هو في مسألة الدعاء، في مسألة الدعاء. انظر إلى هؤلاء في زياراتهم الشركية، وفي أناشيدهم، وفي كذلك مواشحهم، وفي موالدهم، تجد أن دعاء غير الله ظاهر في أقوالهم، نثرهم، وفي شعرهم. فمنهم من يقول: «المدد يا آل باعلوي». ما معنى المدد؟ المدد: معنى أمدون. وآل باعلوي هم في القبور، أولياء الأولياء الذين قد ماتوا. وإن قصدوا الأحياء فهم غائبون، فبماذا يمدونهم؟ فبماذا يمدونهم؟ ومنهم من قام يدعو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا أكرم الخلق، ما لمن ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العميم». فهم يستغيثون بالنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا لا يجوز، لا يجوز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك لما كان هذا الأمر من أعظم العبادات، ذكره المؤلف أولًا. وإذا نظرت في حال المشركين عباد القبور، تجد أنهم أكثر شركهم في هذا الأمر العظيم، ألا وهو دعاء غير الله سبحانه وتعالى. فينبغي من كان عابدًا لله عز وجل وحده أن يصرف هذه العبادة له سبحانه وتعالى وحده، ولا يشرك في دعائه أحدًا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى لا يشرك في دعائه.