الزلازل آيات وعبر

الزلازل آيات وعبر

الخطبة بعنوان الزلازل آيات وعبر، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 1 ربيع الأول 1448هـ الموافق 14 أغسطس 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الزلازل آية من آيات الله ودليل على قدرته

توضح الخطبة أن الزلازل ليست ظواهر عشوائية بل آيات يرسلها الله لتذكير العباد بقدرته المطلقة وضعفهم. وتدعو إلى الاتعاظ والتوبة مع التأكيد على أن الله وحده مالك الكون ومدبر أمره.

الزلازل آية وعبرة وعلامة من علامات الساعة

يشرح الخطيب أن الزلازل تُخوف العباد وتكون عظة ودليلاً على غضب الله عند انتشار المعاصي، مستشهداً بآيات قرآنية وأقوال الصحابة. كما يشير إلى أن كثرة الزلازل وتتابعها من علامات قرب الساعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

الزلازل آيات وعبرة وتذكير بيوم القيامة

تتناول الخطبة الزلازل الأخيرة كآيات إلهية تذكر المسلمين بزلزلة الساعة، مبينة أنها عذاب للكافرين ورحمة وتكفير للمؤمنين. وتحث على الاعتبار والتوبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدرء العقوبة العامة عن المجتمع.

دعاء الختام والصلاة على النبي

يختم المتحدث بدعاء يطلب فيه رحمة الله وعفوه، ويستعيذ برضاه من سخطه، ويسأل الحسنة في الدنيا والآخرة والوقاية من النار. ثم يصلي على النبي محمد وآله وصحبه ويدعو الحاضرين للقيام إلى الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن في خلق السماوات والأرض لآيات ودلائل عظيمة على وحدانية الله سبحانه وتعالى، وعلى عظيم قوته وقدرته. خلق الله عز وجل السماء ورفعها بلا عمد، وجعل الأرض قرارا ومهادا، وثبتها بالجبال الرواسي حتى لا تضطرب على أهلها. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. الذي خلق هذه الأرض وجعلها ساكنة مستقرة قادر على أن يجعلها تتحرك وأن تضطرب على أهلها. فبينما الناس في سكون وأمان، وفي ركون في مشاغلهم واطمئنان، فإذا بالأرض تتحرك من تحتهم، وإذا بالسقف تسقط على رؤوسهم، فإذا بهم يهرولون ويهربون ويركضون، حالهم كما قال الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. فالله جل وعلا يري العباد آية من آياته العظيمة الدالة على عظيم قدرته، وعلى عظيم قوته سبحانه وتعالى، فيحصل لهم من ذلك الاتعاظ والاعتبار، والتوبة والاستبصار، وإفاقة القلوب من غفلتها، وكذلك أن تلين القلوب من قسوتها. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. هذه الزلازل عباد الله آية من آيات الله، وجند من جنود الله، يرسلها الله على من شاء من عباده. ليس المحدث لها الطبيعة كما يقول من يقول من الكفار والجهلة: "الطبيعة غضبت، والطبيعة فعلت"، بل إن فاعلها هو خالق الطبيعة وخالق الخلق سبحانه وتعالى. وإن كان لوقوع هذه الزلازل أسبابا معلومة من تحرك صفائح قشرة الأرض، فإن الله عز وجل هو خالق الأسباب وهو مدبرها سبحانه وتعالى. إن وقوع هذه الآية العظيمة تدلنا على عظيم قدرة الله، وعلى عظيم قوة الله سبحانه وتعالى، وأن الناس في ضعف وعجز وخور. فإن الله عز وجل مالك هذا الكون وخالقه، والمتصرف فيه، والمدبر له، الذي لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى في السماوات ولا في الأرض. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وهذا الإنسان الضعيف، مهما بلغت قوته، ومهما بلغ علمه وتطوره، ومثلما بلغ في الصناعات والتكنولوجيا، فإنه لا يستطيع أن يسكن هذه الأرض إذا تحركت واضطربت، لأن المحرك لها هو الله الخالق لها سبحانه وتعالى. الزلازل عباد الله آية من آيات الله، يخوف الله عز وجل بها العباد. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. وإنما كانت آية يخوف ويخوف بها العباد لأن الله عز وجل قد أهلك أقواما بها، فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. نعم عباد الله، وتكون هذه الآية عظة وعبرة، وكذلك دلالة على غضب الله سبحانه وتعالى على الخلق إذا تظاهر... إذا جاهر الناس بالمعاصي وبالمنكرات والفواحش، وكثر الخبث في المجتمعات من ارتكاب الزنا، وشرب المسكرات والخمور، وأتيان الذكور، وأكل الربا، وغير ذلك من كبائر الذنوب. فحينئذ يغضب الجبار سبحانه وتعالى فينتقم من العباد. ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. وقال عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. فطراب الأرض وتحركها وتزلزلها علامة على غضب الله سبحانه وتعالى. رجفت الأرض في المدينة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: "يا أيها الناس، ما أسرع ما أسرع ما غيرتم! والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم"، أي: لا أبقى معكم فيصيبني ما يصيبكم من عذاب الله. وفي الكوفة في زمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رجفت الأرض، فقام عبد الله بن مسعود خطيبا في الناس فقال: "يا أيها الناس، إن الله يستعتبكم فاعتبوه، إن الله يستعتبكم فاعتبوه"، أن يطالبكم بالتوبة والرجوع إليه، فتوبوا إلى الله وأقلعوا عن الذنوب والمعاصي قبل أن يهلككم، فلا يبالي بكم في أي واد هلكتم. إن كثرة الزلازل عباد الله وتتابعها دليل على قرب الساعة، وعلى صدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن من علامات الساعة كثرة الزلازل. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويتقارب الزمان، وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: «القتل، القتل». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من علامات الساعة كثرة الزلازل، والمراد بكثرتها شمولها ومداومتها واستمرارها، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بين يدي الساعة موتان شديد، وبعده سنوات الزلازل»، أي: كلما مرّت السنة من السنوات وقع زلزال من الزلازل، فيكون وقوعها متتابعا، ويكون وقوعها مستمرا ولا ينقطع حتى تقوم الساعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لعل كثيرا منكم قد سمع أو شاهد بعض تلك الزلازل التي وقعت في الأيام الماضية، من اضطرابات في مصر، وفي اليابان، ومن زلازل مدمرة في فنزويلا وكولومبيا من بلاد أمريكا الجنوبية، التي ذهبت حيتها المئات بل الآلاف، حين وقعت تلك الزلازل الشديدة التي تساقطت على إثرها العمارات الضخمة فوق رؤوس أهلها، فكان في ذلك آية عظيمة، وعبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. هذه الزلازل عباد الله تذكر المسلم بزلزلة الساعة العظمى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. إذا كان زلازل الدنيا لا يتحملها الإنسان، ويقع في قلبه من الهلع والخوف والفزع ما لا يعلمه إلا الله، فكيف بزلزلة الساعة العظمى؟ هذه الزلازل عباد الله تكون عقوبة وهلاكا واستئصالا للكافرين، وهي في المقابل قد تكون رحمة وتكفيرا للخطايا والسيئات للمؤمنين. فقد جاء في الصحيحين من سنن... عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أمتِ هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن، والزلازل، والقتل». أي: ما قد يقع من ذلك فقد يصيب بعض أهل الإيمان ما يصيب الكافرين من الموت والهلاك، فإنه يكون رحمة له، ويكون كذلك تكفيرا لذنوبه وسيئاته، وذلك أن الهدم شهادة لصاحبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وصاحب الهدم شهيد». وهي عظة وعبرة لأهل الإيمان أن يتعظوا وأن يعتبروا بهذه الآيات، إذ أن الكافرين لا يتعظون ولا يعتبرون: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. ولكن المؤمن يتعظ ويعتبر إذا رأى تلك الآيات العظيمة، وعظيم قوة الله وقدرته، وما يفعله الله سبحانه وتعالى بالكافرين من إرسال هذه الزلازل المدمرة المهلكة، فإنه يقف مع نفسه ويتعظ ويعتبر بذلك، ويتوب إلى ربه وخالقه، ويحرص على أن يلزم أسباب رضا الله، وأن يجتنب أسباب سخطه وعقابه. وكذلك أيضا أن يقوم الناصحون في المجتمع بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يأخذ بيد الظالم فيمنع من الظلم، حتى يسلم هذا المجتمع من إصابته بالعقوبات العامة التي تصيب الجميع. إن سكت الكل فلم ينصح الناصحون ولم ينكر المنكرون، قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، بمعنى أنها تصيب الجميع، ولا تكون خاصة بأهل الظلم. قال زينب رضي الله عنها: "يا رسول الله، أنا نهلك وفينا الصالحون؟ أنا نهلك وفينا الصالحون؟" أي: بين أظهرنا المصلون والصائمون والتالون لكتاب الله. قال: «نعم، إذا كثر الخبث». قال: «نعم، إذا كثرت الفواحش، وكثرت المنكرات، وكثرت وقوع الكبائر في المجتمعات، ولم يوجد من ينصح ومن ينكر، فإن العقوبة تعم الجميع». ولذلك قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. ما قال: "وأهلها صالحون"، فصلاح النفس لا يكفي حتى تكون مصلحا لغيرك، حتى تكون ساعيا في المجتمع بالدعوة إلى الخير، والدعوة إلى الصلاح، وإلى الإيمان، وإلى التقوى، وإلى التوبة، وإلى ترك الذنوب والمعاصي. فبذلك يسلم المجتمع كله من عقاب عقوبة الله، ومن سخط الله سبحانه وتعالى. أسأل الله جل وعلا أن يرحمنا برحمته، وأن لا يؤاخذنا جل وعلا بما فعل السفهاء منا. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم أتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم.