شرح الجوهرة الفريدة 11

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 11، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

غربة الدين وخطورة بيعه بالدنيا

يتحدث الناظم عن غربة الدين وكيف يباع بعرض من الدنيا، مستشهداً بحديث النبي عن فتن الدنيا. يُبين أن هذا البيع يؤدي إلى صغار البائعين عند الله.

أهمية التمسك بدين الله رغم الغربة

يُنصح بالتمسك بدين الله والابتعاد عن الاغترار بكثرة المخالفين، ويُشجع على الصبر رغم قلة السالكين. يُذكر أن أهل الحق قلة ولكنهم على الحق.

الثبات على الدين في زمن الفتن وأجره

يوصي النبي بالصبر والثبات على الدين في زمن الفتن، ويبين أن العامل في ذلك الوقت له أجر خمسين من أصحاب النبي. يشدد على أهمية التمسك بالدين والاستقامة.

خاتمة الدروس والصلاة على النبي

أعرب عن اعتماده على الله في نظم العقد، وأشار إلى البدء في قراءة النظم في الدروس القادمة. ختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الناظم رحمه الله تعالى في منظومته الجوهرة الفريدة: باعوا بها الدين طوعا عن تراض وما بالوا بذا حيث عند الله قد كسدوا يا غربة الدين والمستمسكين به كقابض الجمر صبرا وهو يتقدوا المقبلين عليه عند غربته والمصلحين إذا ما غيرهم فسدوا إن أعرض الناس عن تبيانه نطقوا به وإن أحجموا عن نصره نهدوا هذا وقد آن نظم العقد معتصما بالله حسبي عليه جل أعتمدوا ذكر رحمه الله تعالى في هذه الأبيات تبعا لما ذكر رحمه الله تعالى في الأبيات السابقة من آثار وثمار الدعوات الباطلة والدعوات الفاسدة، وهكذا الوسائل الهدامة، وهكذا الصحف والمجلات ما أثمرت من ثمرات سيئة في مجتمعات أهل الإسلام. ومن أعظم هذه الثمار السيئة التي حصلت بسبب ذلك ما ذكر هنا رحمه الله تعالى أن أناسا صاروا يبيعون دينهم طوعا، عياذا بالله، عن تراض. وهذا مصداق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وارضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «بادر بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يمسي الرجل مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». فصار طوائف من الناس يبيعون دينهم بعرض من الدنيا. لماذا؟ أسباب كانت أسبابا لحصول هذا. فمن الناس من تنصر والعياذ بالله وباع دينه لأجل الدينار والدرهم، وآخر كذلك صار والعياذ بالله علمانيا، وآخر وآخر وآخر اتبعوا الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة. مصداق ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «تعيس عبد الدينار، تعيس عبد الدرهم، تعيس عبد الخميصة، تعيس عبد الخميصة، عبد الخميلة». وهذا فيه ذم لهؤلاء الذين صاروا عبيدا للدينار والدرهم، لأجله يوالون ولأجله يعادون ولأجله تحابوا ولأجله تقاطعوا، فصار همهم الدينار والدرهم. فكل ذلك مما أثر على الناس، يعني من تلك الدعوات ومن تلك الوسائل الفاسدة التي أفسدت المسلمين، فصاروا يبيعون دينهم عن تراض منهم. وما بالوا بذا حيث عند الله قد كسدوا، يعني صاروا صغارا وصاروا كذلك على ضعف وعلى نقص وعلى غير قيمة عند الله جل وعلى، فصاروا صغارا كالبضاعة الكاسدة التي تركت بضاعة كاسدة رخيصة، فصاروا رخيصين عند الله جل وعلى. لماذا؟ لأنهم لم يعظموا دينه ولم يعظموا شرعه ولم يعلموا قيمة هذا الدين ومكانة هذا الدين. فلما صار الدين عندهم رخيصا، شرع الله جل وعلى رخيصا، كانوا رخيصين عند الله جل وعلى كاسدين كالبضاعة التي كسدت. وهذا من العقاب العاجل في الدنيا، وعقاب الآخرة أشد إن لم يتوبوا. وكذلك يتولاهم الله جل وعلى بلطفه الخاص وعنايته الخاصة. فذلك يدلنا على عظيم مفاسد وآثار هذه الدعوات وهذه المجلات وهذه الصحف وهذه القنوات وهذه الشاشات وهذه الدشوش وهذه كذلك الإذاعات، كم اليوم ممن يخدم الشيطان من الوسائل سخرة الوسائل خدمة للشيطان ومحاربة لدين رب العالمين جل وعلى، إلا من رحم الله وقليل ما هم. فلذلك كما أخبر هنا رحمه الله تعالى أن هذا من غربة هذا الدين، من غربة هذا الدين أن هذا الدين يصير غريبا بين أهله، والمتمسكون به يكونون غرباء، مصداق ما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، وجاء من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء». هذا لفظ أبي هريرة عند مسلم رحمه الله تعالى. «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء». جاء خارج الصحيح، صحيح العلامة الألباني وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قيل له: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون ما أفسد الناس، أو يصلحون إذا فسد الناس». وجاءت ألفاظ، لكن هذا اللفظ هو صحيح، تلك الألفاظ التي صححها أهل العلم. فكن عبد الله من هؤلاء الغرباء، ولا تستوحش من قلة السالكين في هذا الطريق، ولا تغتر بكثرة الهالكين. فكثرة الهالكين لا تغتر به، وهكذا لا تستوحش من قلة السالكين. فإن أهل الحق على قلة، وأهل الحق ماذا؟ هم طائفة من الناس، ليسوا طوائف، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية رضي الله عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فكن من أتباعي ومن أفراد هذه الطائفة المنصورة، وإن كانت قليلة، لكن معها الحق، الحق معها بالبرهان والدليل الذي لا يفارقهم، وإن كانوا في بعض الأحيان قد تفارقهم القوة. وكذلك القوة والاستمساك بشيء من هذه الأمور في الأرض، لكن الحجة بالبرهان هذا هو دائم معهم، فهم على حق لأن معهم الدليل من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وفي هذا يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. فالله جل وعلا يثني على هؤلاء القلة الذين هم في القرون، قرون تتابعت، وفيهم قلة كانوا ينهون عن الفساد، كانوا يأمرون بالمعروف، ينهون عن المنكر، ينشرون دين الله جل وعلا، يدعون إلى الحق، يصبرون عليه. ولذلك أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم بما قاموا بذلك. فنحن عباد الله في مثل هذا الزمن في شيء من الغربة، في شيء من الغربة لكثرة الفتن ولكثرة المخالفين، ولظهور الفرق المخالفة الكثيرة لدين الله جل وعلا وللصراط المستقيم. فما عليك يا عبد الله، امسك هذه الطريق وسر عليها، فمهما تنقصت ومهما كذلك صار لك شيء من أمثالها، ولا فلا يضرك. ولذلك قال القائل: «البين جرعني نقيع الحمضلي، والبين أثكلني وإن لم أثكل». «نقل فؤادك حيث شئت من الهوى، ما الحب إلا للحبيب الأول». «كم منزل للمرء ألفه الفتاة، وحنينه أبدا لأول منزل». وقال: وهذا من أبيات لأبي تمام. وهكذا قال المخيم رحمه الله تعالى في كتابه، وفي بعض كتبه منها المدارج وغيرها، قال رحمه الله تعالى: «فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى، وفيها المخيم، ولكننا سبي العدو، فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم؟». «قد زعموا أن الغريب إذا نأى مشطط به أوطانه فهو مغرم، وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم». فلا تبالي عبد الله، كن من الغرباء، كن من المتمسكين بدين الله جل وعلا، أدعينا إليه، ولو رأيت أن الناس قلة معك على هذه الطريق، فأنت أنظر في الثمار التي ترتب على هذه الغربة. قد سبقك أنبياء في هذه الغربة، قد سبقك كذلك صالحون، أهل الكهف، فتية أهل الكهف كانوا غرباء في قومهم، وصلت بهم الغربة إلى أن تركوا البلاد وذهبوا إلى ذلك الكهف لشدة غربتهم. مر بالغربة الأنبياء وأتباع الأنبياء، في طريق الأنبياء، سنة كونية قضاها الله جل وعلا، وهي سنة شرعية أمر الله جل وعلا بها، بما يوافق دينه وشرعه سبحانه وتعالى. وكفاك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عتبة بن غزوان، وجاء عن غيره رضي الله تعالى عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة وغيرها، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من ورائكم أيام الصبر، للعامل فيهن أجر خمسين». قال عليه الصلاة والسلام: «القابض على دينه فيها كالقابض على الجمر». قال: يا رسول الله، منا أو منهم؟ قال: «بل منكم». أي له أجر خمسين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا لا يستلزم ولا يقتضي الفضل على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما كثرت الأجر لشقة العمل والتمسك في هذه الفتن العظيمة التي تحدث آخر الزمان. فكل من هؤلاء يا عبد الله، فهي وصية النبي عليه الصلاة والسلام لابن عمر ولهذه الأمة، قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بمنكبيه وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. فكن يا عبد الله ممن يحرص على حصول هذه الأجور، ولن تتحصل إلا بالجد والاجتهاد، ولن تتحصل إلا بالصبر والمصابرة، الدعوة بالثبات على دين الله جل وعلا، مهما تكاثرت الفتن ومهما كذلك تشعبت. فأنت استقم على دين الله جل وعلا، كن متذكرا دائما لمثل هذه النصوص، خاصة في أيام الفتن، في أيام كذلك المروج واختلاط الأمور. فإذا كنت دائما جاعلا لكتاب الله جل وعلا اعتبارا ومرجعا، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام منها تنطلق، فأنت تنجو بإذن الله جل وعلا، ولو كانت هذه الفتن أمثال الجبال، ولو كانت هذه الفتن أمثال البحار والأنهار، ما دمت ثابتا على كتاب الله وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسائرا على ذلك، داعي إلى ذلك، عاملا بذلك، فأبشر بوعد الله جل وعلا لك بأنك تكون من الناجين الذين ينجون من هذه الفتن، ومن الإعراض ومن الانصراف عنه، خلافا لهؤلاء الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا، وكذلك تزلفوا وهكذا جاملوا وهكذا تلونوا وهكذا كذلك والوا وعادوا لغير الله. فكل ذلك لا ينفعهم ولا يجدي لهم شيئا إلا الحسرة والندامة والويلة والعار. كل من هؤلاء الذين قال فيهم المؤلف رحمه الله تعالى: «المقبلين عليه عند غربته والمصلحين إذا ما غيرهم فسدوا، إن أعرض الناس عن تبيانه نطقوا». قاموا ودعوا وبينوا الحق، بالحكمة والموعظة الحسنة، دراسة وتأليفا وحاضرة، وبكل وسائل الدعوة إلى دين الله جل وعلا، وإلى بيانه بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة، فهم الناصرون لدين الله جل وعلا، الذين نهدوا، أي نصروا دين الله جل وعلا، حين تكاسل الكثير وحين أحجم الكثير. فهي نعمة من الله جل وعلا، عبد الله، أن تكون ممن وفقك الله جل وعلا وجعلك ممن ينصر دينه وينصر سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، تأليفا كان ذلك أو دعوة أو عملا أو تدريسا أو مدارسة أو غير ذلك. فهذا والله من النعمة العظيمة التي حرمها كثير من الناس، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أن هذا أوان نظم العقد الذي لأجله أراد هذه الرسالة، لكن قدم بهذه المقدمة العظيمة وهذه الأبيات الطيبة الجميلة التي هي مستنبطة من نصوص الكتاب والسنة. فيا له من عالم جهبذ، ويا له كذلك من عالم نحرير، فاهم فهما عظيما لكتاب ربه، سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ولا نزكي على الله أحدا. فقال: هذا وقد آن نظم العقد معتصما بالله حسبي عليه جل أعتمد. وإن شاء الله تعالى نبدأ القراءة في النظم في دروسنا اللاحقة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.