الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 96، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
المباح هو ما سكت عنه الشرع ولم يأمر به أو ينه عنه، ويعتبر حكمًا شرعيًا على الصحيح من أقوال أهل العلم. المباح في اللغة هو المعلن والمأذون فيه.
حكم المباح قد يتغير باعتبار الوسيلة إليه، فقد يصبح واجبًا أو مندوبًا إذا كان وسيلة لفعل واجب أو مندوب. بعض الأفعال المباحة قد تصبح محرمة إذا كانت وسيلة لفعل محرم.
المقطع يقدم أمثلة على الأفعال المباحة التي تصبح محرمة باعتبار الوسيلة، مثل بيع السلاح في وقت الفتنة أو تأجير السيارات لنقل أهل الباطل. الحكم يتغير بناءً على الغاية من الفعل.
المقطع يبدأ بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وهي عبارة تعبر عن التبريك والتسليم على رسول الله. تعتبر الصلاة على النبي من العبارات الشائعة في بداية الكثير من الكتابات والمحاضرات الدينية.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، قال الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في منظومته الجوهرة الفريدة: «ومستوي الطرفين ادعوا المباحة، فلا يلام في فعله أو تركه أحد». ذكر رحمه الله تعالى في هذا البيت من الأحكام المباح، بعد أن ذكر فيما سبق الأمر. إنه ذكر هنا المباح، والمباح تنازع فيه أهل العلم: هل هو حكم شرعي أو ليس بحكم شرعي؟ فمنهم من قال: إن المباح ليس بحكم شرعي، وإنما ذكر من باب التغليب، من باب القسم الخماسي مع الأمر والمندوب والمحرم والمكروه. ومنهم من قال: بل المباح حكم شرعي. الذين قالوا: إن المباح ليس بحكم شرعي، قالوا: لأنه لا أمر يتعلق به بفعله، ولا نهي يتعلق به عن تركه، فكيف يكون حكمًا شرعيًا؟ والذين قالوا: إن المباح حكم شرعي، قالوا: لأنه مسكوت عنه، وهو مخير في فعله أو عدم فعله، العبد مخير في فعل هذا المباح أو عدم فعل هذا المباح؛ لأن الشرع سكت عنه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها». هذا الحديث به ذكر الأحكام الخمسة: فرض فرائض، منها الواجبات ومنها المندوبات، وحد حدودًا فلا تعتدوها، منها المحرمات والمكروهات، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها. إذن الأمور التي سكت عنها الشرع، مخير الإنسان بين فعلها وعدم فعلها، ومتعبد لله جل وعلا بفعلها أو عدم فعلها. أي أنه يتعبد لله جل وعلا بأنه حلال له أن يفعل أو أن لا يفعل، حلال له أن لا يفعل المباح أو أن يفعله. إذا فعله فهو يعتقد حله، وإذا تركه فهو يعتقد كذلك حل تركه. هذا الاعتقاد منه تعبد لله جل وعلا في الأمور المسكوت عنها. لأن هناك من الأمور ما نص على إباحتها، المباح المذكور في الشرع على نوعين: مباح نص على إباحته، وحلت لكم بهيمة الأنعام، وحل لكم صيد البحر، طعامه متاعًا لكم وللسيارة، وحل لكم كذا... منصوص عليها أمور أحلها الشرع نصًا عليها. هذه يقال فيها أمور مباحة منصوص عليها، فلا شك أن العبد يعتقد حلها وإباحتها. من أهل العلم من جعل هذا حكمًا شرعيًا، أي المباح الذي نص على إباحته هو حكم شرعي خامس تكليفي كالأحكام الأخرى. وأما ما لم ينص على إباحته، مسكوت عنه، أمر مسكوت عنه لا ذكر فيه نهي، لا ذكر فيه أمر بفعله ولا نهي عن فعله. والمسكوت عنه مباح، لكن لم ينص عليه. فمن أهل العلم من جعل المباح المنصوص على إباحته من الأحكام الشرعية، والمباح المسكوت عليه الذي لم ينص على إباحته ليس من الأحكام الشرعية. والصحيح أن المباح حكم شرعي، نص على إباحته أو لم ينص على إباحته، ما دام سكت عنه، فدل على أنه مباح للحديث السابق. وسكت عن أشياء بعد أن ذكر الواجبات وذكر المنهيات، ذكر أنه سكت عن أشياء، فهذه المباحة. فإذن الواجب التعبد لله جل وعلا بحل هذه المباحات، وأنها مباحة. فهو من هذا الوجه حكم شرعي. فهذه الأحكام خمسة: الأمر والنهي والمحرم والمكروه والمباح، واجب ومندوب ومحرم ومكروه ومباح، قسم خامس على الصحيح من أقوال أهل العلم. ومن هذا العلم من يقول: ليس بحكم شرعي، لكن الراجح والله أعلم أنه حكم شرعي؛ لأن العبد متعبد لله جل وعلا بأنه حلال، وأن كذا حلال. أن الخبز حلال، نعم، والماء حلال، والسمك حلال، واللحم حلال، لحم الغنم ولحم الإبل إلى آخر ذلك، يتعبد الله عز وجل بحل هذه الأشياء. فإذن هو حكم متعبد لله جل وعلا به، فإذن هو حكم شرعي. ما هو المباح في اللغة؟ المباح لغة هو المعلن والمأذون فيه. هذا المباح في اللغة هو المعلن، كما جاء في مختار الصحاح: «أباح بوحًا، أباح بسره أي أعلنه». فمعنى المباح لغة المعلن والمأذون فيه، أباح فلان ما له أي أعلن حله وأنه حلال لمن أراد أن يأخذ منه. فالمباح لغة هو المعلن، من أباح الشخص بسره إذا أعلنه. والمباح في الاصطلاح هو ما لا يتعلق به أمر بفعله أو نهي لتركه، ما لا يتعلق به أمر بفعله ولا نهي لذاته. هذا هو تعريف المباح في الاصطلاح. خرج بقولهم: ما لا يتعلق به أمر، ما تعلق به أمر وهو الواجب والمندوب. فقولهم: ما لا يتعلق به أمر في المباح لإخراج الواجب والمندوب؛ لأنه تعلق به أمر، فالواجب تعلق به أمر إلزام بفعله، والمندوب تعلق به أمر على غير الإلزام؛ لأنه مندوب. وقولهم: ولا نهي لإخراج ما تعلق به نهي وهو المحرم والمكروه، فالمحرم تعلق به نهي لتركه، والمكروه كذلك تعلق به نهي لتركه، ليس على سبيل الإلزام، فإذا تركه أجر، وإذا لم يتركه لا شيء عليه. وقولهم: لذاته يخرج ما تعلق به أمر بفعله باعتبار ما كان وسيلة، باعتبار ما كان وسيلة. وهكذا في النهي، قولهم: لذاته لإخراج ما تعلق به نهي باعتبار ما كان وسيلة. بالمثال يتضح المقال، كما يقولون. طيب الأكل والشرب ليالي رمضان مباح، فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل. إذا أراد شخص أن يأكل في ليالي رمضان وأن يشرب، ما حكم ذلك؟ مباح، حلال، كل واشرب من غير إسراف ولا تبذير، مباح هذا طيب لذاته. هو مباح، لكن لما كان وسيلة إليه فحكمه حكم تلك الوسيلة. إنسان إذا لم يأكل ليالي رمضان ولم يشرب، إنما يأكل ويشرب وقت السحر فقط، يصوم بعد طلوع الفجر، ثم يأتي المغرب ويمسك، يواصل إلى السحر، والمواصل إلى السحر مباح، وهو خلاف الأولى. المواصل إلى السحر جائز، الإنسان لا يأكل إلا وقت السحر هذا جائز، خلاف الأولى، مباح. لكن إذا كان الإنسان لم يأكل ولم يشرب إلا وقت السحر، لكن يؤثر عليه في النهار، يصبح كسلانًا، يصبح به تعب، ربما لا يستطيع أن يواصل الصيام، نقول في حق هذا: الأكل والشرب واجب أن يأكل أو يشرب، ليس إلى وقت السحر، لا يأكل المغرب يفطر أو بعد ذلك. أما أن يواصل إلى السحر فلا، مباح نعم، مباح، لكن هذا كان مواصلته إلى السحر لها الأثر على صيامه، فالمواصل إلى السحر مباح، لكن باعتبار ما كان وسيلة إليه، إذا كان سببًا لضعف الصيام وعدم المواصلة في الصيام في النهار، فهذا يكون واجبًا في حقه أن يشرب، الأكل والشرب مباح. إذا لم يأكل الإنسان ويشرب، مات، يكون الأكل والشرب في حقه واجبًا. إنسان في صحراء، عنده ميتة، عنده ميتة في صحراء، إذا لم يأكل من الميتة مات، هلك، واجب أن يأكل ميتة. وهكذا فما كان وسيلة إليه فحكم ذلك الوسيلة. هذا فيما يتعلق بالواجب، مثال فيما يتعلق بالمندوب، طيب أو حتى في الواجب كذلك. إنسان يريد أن يصلي وليس عنده ماء يتوضأ به، وهناك شخص يبيع الماء، طيب شراء الماء مباح، شراء الماء مباح. لكن إذا كان سيشتري الماء لأجل الصلاة، دخل وقت الصلاة ولا ماء، وهناك شخص يبيع الماء، نقول: واجب عليك أن تشتري، صار حكم الماء بدلًا من أن كان مباحًا في الأصل لذاته، صار واجبًا؛ لماذا؟ باعتبار ما كان وسيلة إليه. مثال في المندوب، مثلًا وأصله مباح، السواك مثلًا أو نجعله في الماء، السواك مستحب في الأصل. طيب شراء الماء مباح، لكن شراء الماء لأجل صلاة نافلة، سنراد أن يصلي صلاة نافلة ليست صلاة فريضة، وشخص يبيع ماء، شراء الماء مباح في أصله لذاته، لكن إذا كان سيشتري الماء لأجل صلاة نافلة يكون ماذا؟ شراء الماء مندوبًا يكون مندوبًا؛ لأنه سيصلي بصلاة نافلة أو سيحافظ على الوضوء. إنسان يحافظ على الوضوء لأنه سمع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، فأراد أن يحافظ على وضوءه، كان على وضوء فانتقض وضوءه، يريد ماء فلم يجد ماء، وجد شخصًا يبيع ماء، قال: اشتري ماء لأتوضأ لأبقى على وضوء، وحافظ، فيكون شراء الماء للمحافظة على الوضوء مباحًا، مع أنه في أصله مباح. مثال فيما هو مباح في أصله مباح لذاته، لكن هو باعتبار ما كان وسيلة إليه محرم، مثلًا بيع السلاح مباح، بيع السلاح مباح، يبيع لإنسان السلاح مباح لذاته، بيع السلاح وقت الفتنة محرم، بيع السلاح مباح لذاته، مباح، لكن في وقت الفتنة محرم، فكان مباحًا لذاته، صار محرمًا؛ لأنه وسيلة للقتل أيام الفتنة، فهذا محرم. إنسان يبيع الطماطم يبيع الطماطم والبطاطس نعم والخضروات، يبيع للناس الطماطم والبطاطس والخضروات، ما حكم هذا؟ مباح. طيب شخص جاي يشتري منه الطماطم والخضروات والبطاطس، وهو من يعصرها خمرًا يعصرها خمرًا، فلا... المعروف لا تبيع له، حرام عليك بيع الطماطم والبطاطس والخضروات لمن يتخذها خمرًا. أجل سلمنا عن بيع العصير لمن يتخذه خمرًا، مع أنه في الأصل مباحًا، تبيع الخضروات والطماطم والبطاطس، لكن لمن يعصرها خمرًا لا يجوز. تأجير السيارات، شخص عنده سيارات يؤجرها للناس، يؤجر السيارات، عنده سيارة يؤجرها للناس، جاء جماعة وقال له: نريد سيارتك للإيجار، لماذا؟ قال: عندنا زيارة الحول، زيارة الحول في حضرموت، نعم، أو زيارة المشهد أو زيارة كذا أو زيارة سيدي سلمان أو زيارة الشيخ فضل، نريد السيارة ننقل الناس، ننقل الطبالين الذين سيطبلون في هذه الزيارة، وننقل كذلك المغنين والراقصين. تأجير السيارة مباح بالأصل، لكن تأجير السيارة لمن سينقل أهل الباطل ولإقامة زيارات البدعية أو الشركية، تأجير السيارة حرام، مع أنه في الأصل مباح، لكن باعتبار ما كان وسيلة إليه صارت حرام. تأجير المحلات، شخص عنده محلات يؤجرها للناس، جاء شخص وقال: عندي محل، عندي محل أريد أن أستأجره، ما حكم تأجير المحل؟ نقول: مباح، تأجير المحل. لحلاق يحلق اللحى، جاء شخص حلاق يحلق، قال: فلان أريد المحل أستأجر منك المحل، ايش تفعل؟ قال: أنا حلاق، ايش تحلق؟ قال: أحلق كل شيء، أحلق الشعر وال... نعم واللحية، نقول: حرام، ما يجوز تأجير المحل لحلاق يحلق اللحى، ولا لحلاق يحلق القصات. حلاق قال: لا أنا محلق اللحى استغفر الله، ما شاء الله، طيب والقصات كيف؟ قصت فلان، قصت فلان، قصت ما أدري فلان، قال: لا هذه لا، والشباب ما يزالوا لي بالقصات، فأنا على اللافتة سأكتب: حلاق لجميع القصات، نعم، نقول: ما يجوز، حرام تأجير المحل لحلاق سيحلق لأنواع القصات الفرنسية والغربية والأمريكية وإلى آخر ذلك. إنسان عنده السيارة، جاء صاحب قات وقال: أريد السيارة أجيرها لنقل القات، ما يجوز، حرام. وهكذا عنده محل وأجره للدعارة، ما يجوز. هذه أمثلة لما كان في أصله مباحًا، لكن صار محرمًا باعتبار ما كان وسيلة إليه. وانتهى الوقت، وهناك بقية الأمثلة على ما يتعلق بالمكروه الذي هو في أصل مباح، لكن صار مكروهًا باعتبار ما كان وسيلة، وما يتعلق بهذا المبحث من ذكر صيغه إلى آخر ذلك، إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.