شرح الجوهرة الفريدة 1

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 1، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة المنظومة وفضل البدء بالحمد أو البسملة

يبدأ الشيخ حافظ الحكمي منظومته بالحمد لله والصلاة على النبي، ويشرح فضل البدء بالحمد أو البسملة مستدلاً بالقرآن والسنة. يُبين أن كلا الأسلوبين له دليل من السنة وهو اقتداء بكتاب الله وسنة رسوله.

فروق بين الحمد والشكر وأهمية الحمد في الإسلام

يتناول المقطع الفروق بين الحمد والشكر، مشيراً إلى أن الحمد أعم من حيث التعلق وأخص من حيث الآلة، ويبرز أهمية الحمد في الإسلام واستخدامه في مختلف المواضع.

معنى الصلاة على النبي وآله وصحبه واختلاف أهل السنة والروافض

يشرح معنى الصلاة على النبي وآله وصحبه، ويبين اختلاف أهل السنة والروافض في ذلك، حيث يصلون على النبي وآله وصحبه بينما الروافض يغلوا في آل البيت.

خاتمة المقدمة والتوكل على الله في قراءة المنظومة

يختتم المقدمة بالتوكل على الله وذكر أهمية توفيقه في قراءة المنظومة، ويشير إلى أهمية نصر الله وتوفيقه في فهم الرسالة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نقرأ في الجوهرة الفريدة لنظمها الشيخ العلامة حافظ الحكمي، رحمه الله تعالى، وهي منظومة طيبة ومن النفائس، وهي في علم الاعتقاد وفي بعض العلوم الأخرى. قال الناظم، رحمه الله تعالى: الحمد لله لا يحصى له عدد، ولا يحيط به الأقلام والمدد، حمدا لربي كثيرا دائما أبدا، في السر والجهر، في الدارين مسترد، ملأ السماوات والأراضين أجمعها، وملأ ما شاء بعد الواحد الصمد. ثم الصلاة على خير الأنام، رسول الله أحمد، مع صحبه به سعد، وأهل بيت النبي والآل قاطبة، والتابعين الأولى للدين هم عبد، والرسل أجمعهم، والتابعين لهم من دون أن يعدلوا عما إليه هدوا، أزكى صلاة مع التسليم دائمة، ما إن لها أبدا حد ولا أمد. وبعد ذي، في أصول الدين جوهرة فريدة، بسنة توحيد تتقد، بشرح كل عرى الإسلام كافلة، ونقض كل الذي أعداه عقد. وما أبرئ نفسي من لوازمها، وأحمد الله منه العون والرشد، والله أسأل، والله أسأل منه رحمة وهدى، فضلا، وما لي إلا الله مستند. ذكر رحمه الله تعالى في مطلع هذه المنظومة هذه الأبيات التي افتتحها بالحمد لله جل وعلا، والثنى لله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا لا يحصى له عدد، ولا تحيط به الأقلام والمدد. وهذا هو صنيع أهل العلم، اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه كان عليه الصلاة والسلام في خطبه يفتتح بالحمد لله جل وعلا، لخطبة الحاجة كما في حديث جابر وغيره في الصحيح. فلذلك أهل العلم يفتتحون بالحمد لله جل وعلا، منهم من يبدأ ويفتتح بالبسملة، ومنهم من يفتتح بالحمد، ومنهم من يجعل البسملة في التأليف إذا أراد التأليف، ابتدأ تأليفه بالحمد، ويجعل البسملة في الخطب والكلمات وغير ذلك. ومن أهل العلم من يبدأ بهذا أو بهذا، سواء في التأليف أو في الخطب، والأمر في هذا واسع، إن افتتح المؤلف كتابه بالبسملة، وإن افتتح المؤلف كتابه بالحمد لله جل وعلا، فكل ذلك له دليل من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهنا استهل بالحمد لله جل وعلا، وهناك وردت أحاديث في فضل البدء بالحمد، إلا أنه لم يثبت منها شيء، كما في حديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع»، في لفظ: «فهو أبتر»، في لفظ: «فهو أجذم». هذه الأحاديث لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلم يرد حديث في فضل البدء بالحمد أو بالبسملة، لكن يقال: البدء بالحمد أو بالبسملة اقتداء بكتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فكتاب الله مبدوء بالبسملة، وأول سورة وهي الفاتحة ابتدأت بالحمد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. وهكذا رسائل النبي عليه الصلاة والسلام إلى هرقل العظيم، رسالته إلى هرقل العظيم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى هرقل العظيم»، كما في الصحيح. وهكذا في القرآن، رسالة سليمان إلى ملكة سبأ: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾. فالبدء بالحمد أو بالبسملة اقتداء بكتاب الله وبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومعنى الحمد، يقول ابن قيم رحمه الله تعالى عليه، كما في «شفاء العليل»: هو وصف المحمود بصفات الكمال ونعوت الجلال مع حبه وتعظيمه. هذا معنى الحمد: وصف المحمود بالكمال ونعوت الجلال مع حبه وتعظيمه. فهذا هو الحمد، كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. وإذا كرر الحمد صار ثناء، إذا كرر الحمد صار ثناء، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: قسمت الصلاة بين عبدي نصفين، فإذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله جل وعلا: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾، قال الله جل وعلا: أثنى علي عبدي». فلما وصف العبد ربه جل وعلا بالكمال ونعوت الجلال، قال الله جل وعلا: «حمدني عبدي». ولما كرر العبد هذا الوصف، قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾، فقال الله جل وعلا: «أثنى علي عبدي». فقال العلماء: إذا كرر الحمد صار ثناء، استنادا إلى هذا الحديث. وهناك الشكر يقابل الحمد، والحمد والشكر بينهما فروق. فالحمد من حيث التعلق أعم من الشكر، الحمد من حيث التعلق أعم من الشكر، وأخص من حيث الآلة. والحمد أعم والشكر أعم من حيث الآلة، وأخص من حيث التعلق. معنى هذا الكلام: الحمد أعم من حيث التعلق؛ لأنه يتعلق بوصف المحمود، ويتعلق بمحبته وبتعظيمه وبذكر محاسنه اختيارا من العبد. وأما الشكر، فإنما يكون مقابل نعمة من ذلك الذي أنعم على هذا وتسبب في حصول هذه النعمة. فالحمد من حيث التعلق هو أعم من الشكر؛ إذ الشكر لا يتعلق بذكر أوصاف المشكور، ولا بذكر كذلك محاسنه، ولا يتعلق بمحبة وتعظيم. ومن حيث الآلة، فالشكر أعم من الحمد؛ لأن الشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، والحمد يتعلق باللسان والقلب. قال القائل: «أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي ولساني والضمير المحجبة». فالشكر متعلقه القلب واللسان والجوارح، والحمد متعلقه القلب واللسان. فلذلك كان الحمد أعم من حيث التعلق من الشكر، وأخص من حيث الآلة. والحمد أمره عظيم، قال ابن القيم رحمه الله تعالى عليه، كما في «شفاء العليل»: قال الله سبحانه وتعالى: ابتدأ خلقه بالحمد، وختم خلقه بالحمد. ابتدأ خلقه بالحمد، قال جل وعلا: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾. وختم الله جل وعلا خلقه بالحمد، قال سبحانه وتعالى: ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾. وأنزل الله جل وعلا كتابه بالحمد، قال جل وعلا: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا﴾. وهكذا حمِد الله سبحانه وتعالى نفسه سبحانه وتعالى على خلقه وعلى ربوبيته وعلى ألوهيته وعلى أسمائه وصفاته وعلى أموره كلها؛ لأنه جل وعلا له الحمد المطلق من كل الوجوه. فالحمد للاستغراق المحامد، فالله جل وعلا محمود بكل لسان وبكل وصف، ومحمود على كل حال جل وعلا. ولذلك كثر حمد الأنبياء لربهم جل وعلا في كتاب الله جل وعلا، وهكذا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا إبراهيم يقول: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق﴾. وقال: ﴿الحمد لله الذي هداني لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾. وقال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحمد ربه جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا. فكان إذا رفع من ركوعه عليه الصلاة والسلام واعتدل، قال: «ربنا ولك الحمد». ويضيف في بعضها، كما جاء في مسلم وغيره: أنه كان عليه الصلاة والسلام يقول: «حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه». وكان يضيف: «ملأ السماوات وملأ الأرض». وكان يضيف: «ملأ ما بينهما». ويضيف: «وملأ ما شئت من شيء بعد». ويضيف: «أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد». «أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». وكل ذلك من الحمد العظيم من النبي عليه الصلاة والسلام لربه سبحانه وتعالى. ولما سمع النبي عليه الصلاة والسلام رجلا بعد رفعه من ركوعه، قال: «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى». فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته، قال: «من قال هذا آنفا؟» -أي هذا الحمد من ذكر هذا- فقال ذلك الصحابي: «أنا يا رسول الله». قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أولا». وذلك لعظيم ما قيل في هذا الدعاء العظيم الذي فيه حمد الرب سبحانه وتعالى، ووصفه جل وعلا بالكمال ونعوت الجلال. وذكر هنا رحمه الله تعالى في افتتاح هذه المنظومة بعد ذلك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة عظيم. فمن صلى على النبي عليه الصلاة صلى الله عليه بها عشرة. وفضل الصلاة على النبي عليه الصلاة كثير. والأعمال تكون فيها البركة إذا افتتحت بالحمد لله جل وعلا والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بما دل الشرع، ليس الأمر على ما استحسنته العقول. فبعض الناس ربما يصلي على النبي عليه السلام في مواضع ليست تناسب ذكر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فالعبادات توقيفية، الصلاة على النبي عليه السلام أمر توقيفي، فيصلي على النبي عليه السلام في المواضع المشروعة، فلا يخالف في ذلك كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. والصلاة على النبي عليه السلام هي الحنو والعطف، الصلاة بمعنى الحنو والعطف، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. ومن العلماء من يقول: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هو ثناء الرب جل وعلا على نبيه في الملكوت الأعلى. وهذا الذي اشتهر عن أبي العالية الرياحي رحمه الله تعالى عليه. إلا أن ابن القيم ينتقد هذا ويرى فيه قصورا، فقال: الصلاة هي الحنو والعطف؛ لأن فيها زيادة على مجرد الثناء على النبي عليه الصلاة والسلام، بل الصلاة كذلك تتضمن الحنو والعطف والرعاية والكلاءة والحفظ إلى آخر معاني هذا اللفظ الذي جلت عليه لغة العرب. والأمر في هذا واسع إن شاء الله تعالى. ثم مع ذلك ذكر الصلاة على الصحابة، الصلاة على الصحابة، وهذا فيه الدعاء لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الآل وعلى الصحب. أما الروافض والشيعة الذين امتلأت قلوبهم غيظا على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنهم إنما يقولون: «صلى الله عليه وآله»، «صلى الله عليه وآله»، ما يقولون: «وصحبه». وإنما «وآله»، وأنتم تسمعون. يعني هؤلاء الروافض إذا صلوا وأتوا بالصلاة يقولون: «صلى الله عليه وعلى آله». أما على الصحب، فإنهم لا يصلون عليهم، ولا يترضون عليهم، بل يسبونهم ويكفرونهم، ويثبتون لهم الأقوال القبيحة التي هم منها براء، عاقبهم الله جل وعلا بما يستحقون. وهكذا الصلاة على آل البيت، الصلاة على آل البيت من غير غلو، بخلاف الروافض الذين غلوا في آل البيت. فأهل السنة وسط، فإنهم يترضون على الصحابة جميعا، آل البيت وغير آل البيت، الترضي الشرعي والثناء الشرعي الذي ليس معه غلو ولا جفاء. وهكذا كذلك صلى على التابعين ودعا لهم بأن الله جل وعلا يصلي عليهم، الذين هم نصروا هذا الدين وأخذوا الدين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وبلغوه الأمة. وهكذا على الرسل أجمعين. وكذلك أثنى عليهم ثناء عظيما. ثم بعد هذا الثناء وبعد هذه المحامد ذكر ما أراد الشروع فيه من ذكر هذه الجوهرة الفريدة في التوحيد التي احتوت على أمور كثيرة من أمور التوحيد، فهي حافلة بذكر مباحث كثيرة من مباحث التوحيد. ومن تواضعه رحمه الله تعالى، وهذا شأن أهل العلم أنهم يتواضعون ويتبرؤون من الكمال، فيعترفون بالنقص والتقصير والتفريط في تأليفهم وفيما كتبوا وغير ذلك. وهذا الذي يجب على المسلم أن يرى نفسه دائما مقصرا، وأن يرى نفسه دائما مفرطا، لا يتفاخر ولا يتعالى إذا كتب أو إذا تحدث أو إذا خاطب أو إذا حاضر، فيظهر على كلامه شيئا من التقصير والتفريط وأنه لم يأت بما يعني يفي المقام. وهذا ديدن الصالحين ومن سار على نهجهم، وذلك قولهم: «وما أبرئوا نفسي من لوازمها، وأحمدوا الله منه العون والرشد». وفيه طلب العون من الله سبحانه وتعالى والمدد والتوفيق؛ لأن الأمر توفيق من الله جل وعلا. فالإنسان ليس بفصاحته، وليس ببلاغته، وإلا والله الأمر توفيق، وإلا والله لولا توفيق الله جل وعلا ما أخذ الإنسان القلم وما استطاع أن يحركه. ولو كان من أبلغ الناس بلاغة. وهكذا والله لو جلس بين الميكروفون يريد أن يتكلم، فما تحركت لسانه ولا استطاع أن يتكلم لولا توفيق الله جل وعلا الذي يسر له حيث يفتح عليه سبحانه وتعالى من الكلام ومن الآيات ومن الأحاديث التي يذكر بها. فلذلك الإنسان يعترف بنفسه وبتقصيرها، ولا يترفع، فيعلم أن الأمر توفيق من الله سبحانه وتعالى، وعون من الله جل وعلا. ولو لا توفيق الله جل وعلا وعون الرب سبحانه وتعالى لا جلس الإنسان صامتا، ما حرك لسانه بجملة مفيدة ينتبع منها السامع، ولا حرك قلمه بكتابة جملة مفيدة مستقيمة. إلا أنه توفيق الله جل وعلا وعونه، فنصر الله سبحانه وتعالى التوفيق والإعانة على قراءة هذه الرسالة، وسيأتي معنا إن شاء الله ذكر أول المباحث في هذه المنظومة. وصلى الله وسلم وبرك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.