شرح لمعة الإعتقاد 26

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 26، ألقاها

عقيدة أهل السنة في الكبائر والتكفير

يشرح المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة فيمن يرتكب الكبائر، حيث لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يكن كفرا. يستدلون بآيات قرآنية على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإسلام.

أثر الذنوب على الإيمان ووجوب الحذر من التكفير

يؤكد المقطع على أن الإيمان ينقص بفعل الذنوب، ويشدد على أهمية توفر الشروط وانتفاء الموانع في التكفير. كما يبين موقف أهل السنة من استمرار الحج والجهاد مع كل إمام.

منهج أهل السنة في طاعة ولي الأمر والصلاة خلف الأئمة

يشرح المقطع منهج أهل السنة في طاعة ولي الأمر وعدم نزع اليد من الطاعة رغم فسقه أو فجوره. يؤكد على جواز صلاة الجمعة خلف الأئمة الفاسقين وعدم جواز تركها.

خاتمة وبيان حقوق الصحابة

يشير المقطع إلى خاتمة الحديث عن موضوع معين ثم الإشارة إلى حقوق الصحابة. يتم اختتام الكلام بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويُظهر أهمية حقوق الصحابة.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المقدسي رحمه الله في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، ونرى الحج والجهاد ماضيا مع طاعة كل إمام، برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة". قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار". رواه أبو داود. هذا الموضع ذكر فيه رحمه الله عقيدة أهل السنة والجماعة في صاحب الكبيرة، فقال: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة" يريد من أهل القبلة، أي من المسلمين الذين يصلون ويستقبلون قبلة المسلمين، أن يتجهوا إلى جهة الكعبة ويصلون. قال: "بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل" يريد بذنب، أي من كبائر الذنوب، وليس مراده مطلق الذنب، لأن من الذنوب ما هي كفر. من الذنوب ما يكون بالقول، ومنها ما يكون بالعمل، ومنها ما يكون بالاعتقاد. فمن الذنوب الذي تخالف أصل الإيمان بالقول، مثلا سب الله ورسوله، سب الدين والاستهزاء بشيء من الدين، هذا كفر. وبالعمل كالسجود لغير الله، والذبح لغير الله، تطربا إليه المذبوح له، أو تمزيق المصحف أو دوسه، أن يدوس المصحف بقدمه. والاعتقاد كاعتقاد أن هناك إله غير الله جل وعلا، أو اعتقاد أن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس برسول من عند الله، هذا كفر. لكن مراده بذنب "لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب" أي بذنب لا يجب الكفر، ككبائر الذنوب كالقتل والسرقة والزنا ونحوها من كبائر الذنوب. ورد بهذا الرجل الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالمعاصي وكبائر الذنوب. فبين رحمه الله أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم بكل ذنب أو بالذنوب التي هي كبائر الذنوب، فإنها لا توجب التكفير. ومن الأدلة على ذلك قول الله جل وعلا في القتل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فأطلق الله عز وجل عليهم نعت الإيمان مع وجود القتل، وهو كبير من كبائر الذنوب. ولو كان القتل كفرا لما سماهم الله جل وعلا بمؤمنين. وهكذا أيضا في قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، سماه أخا مع وجود القتل. وهكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يقل فاقطعوا رؤوسهما. ولو كان فعله للسارقة كفرا لأمر بقطع رأسه وبقتله. وهناك أدلة كثيرة، منها ما مر معنا في أحاديث الشفاعة في إخراج أهل الكبائر وعصاة الموحدين ممن يدخل النار بشفاعة الشافعين. فهذه الأدلة تدل على أن فاعل ومرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإسلام، وإن كان إيمانه ينقص. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" إلى آخر الحديث، يعني وهو كامل الإيمان. هو لا يرتكب هذه الذنوب إلا عند نقص إيمانه، لكنه ليس معنى أنه كافر، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته. فلا نثبت له الإيمان المطلق، ولا ننفي عنه مطلق الإيمان. الإيمان المطلق أي الإيمان الكامل، هو ليس بمؤمن كامل الإيمان، بل الإيمان هو ناقص. وكذلك أيضا لا يسلب عنه مطلق الإيمان، أي أصل الإيمان، أصل الإيمان موجود، لكنه ضعيف وناقص بسبب ارتكابه لهذه الذنوب، خلافا للخوارج والمعتزلة. قال: "ولا نخرجه عن الإسلام بعمل" يعني بعمل لا يوجب الخروج من الإسلام. أما إذا أتى بعمل يوجب الخروج من الإسلام، فإنه يخرج من الإسلام. وقد ذكر أهل العلم في كتب الردة الأشياء التي يقع فيها العبد في الردة. وهكذا ذكروا نواقض الإسلام التي إذا ارتكبها الإنسان وكان مسلما، فإنه ينتقض إسلامه. إذا ليس كل عمل وذنب يفعله العبد والمسلم يكون به كافرا. كما أن هناك أعمالا وهناك أيضا ذنوبا إذا فعلها، فإنه يكفر بفعل هذا الذنب، لكن لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع. وأمر التكفير يعني أمر عظيم، ليس بالأمر السهل أن تخرج المسلم من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، وتحكم عليه بأنه كافر. وإذا كان كافرا فهو حلال الدم والمال، وفي الآخرة من أهل النار والجحيم. فالأمر يعني أمر عظيم، ولهذا جاءت الشريعة بوضع ضوابط وقيود في مسألة التكفير، وأنه لا بد فيها من توفر الشروط وانتفاء الموانع، وإقامة الحجة على العبد في تكفيره. وقوله: "ونرى الحج والجهاد ماضيا مع طاعة كل إمام، برا كان أو فاجرا" هذه أيضا من عقيدة أهل السنة والجماعة، أنهم يرون الحج والجهاد مستمرا وباقيا مع طاعة كل إمام، سواء كان الإمام أي الحاكم والأمير كان برا من أهل البر والطاعة، أو كان فاجرا من أهل الفسق والفجور، فإن الحج معه والجهاد معه ماض وباق. وهذا خلافا للمعتزلة والرافضة والخوارج. فالرافضة لا يرون الجهاد إلا مع إمامهم الذي في السرداب، محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب ولم يخرج منه، فلا يرون جهادا إلا معه، وينتظرونه حتى يخرج فيجاهدون معه. ويجاهدون أهل السنة، ويرون إباحة دماء أهل السنة. وكذلك أيضا الخوارج الذين لا يرون طاعة إمام، ويكفرون الحكام والأمراء بأدنى شبهة، وهم كذلك أيضا لا يرون الجهاد إلا مع أتباعهم وقادتهم. وأيضا جهادهم ضد المسلمين، فيستحلون دماء المسلمين وأموالهم، ويرون أن هذا جهادا. وهذا لا شك أنه من أعظم الفساد والضلال. لكن هذا دابهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان". أما أهل السنة والجماعة، فإنهم يرون الطاعة لولي أمرهم، وإن كان عندهم من فسق ومن فجور، ففسق وفجور على نفسه، أما المسلم فهو مأمور بالطاعة له، كما سيأتي في الفصل الخاص بذلك. ومن ذلك أيضا أنه يحج معه، وكانوا في السابق إذا أرادوا الحج حجوا مع أميرهم ووليه. وهكذا أيضا في الجهاد يخرجون مع وليهم وحاكمهم، فيجاهدون معه وتحت رايته، فيرون ذلك أمرا لازما، وإن كان عنده شيء من الفسق والفجور، ففسق وفجوره على نفسه، أما بقية الرعية، فإنهم يخرجون معه ويطيعونه، ولا ينزعون يد الطاعة. قال: "وصلاة الجمعة خلفهم جائزة"، كذلك صلاة الجمعة خلف أئمة الجور جائزة ومجزئة. بل ذكر أهل العلم أنه إذا لم يكن هناك جمعة أخرى، فلا يجوز له أن يترك الجمعة خلفه. ومن ترك الجمعة خلفه فهو مبتدع. في هذا معنى قول السلف: "من ترك الجمعة خلف المبتدع فهو مبتدع"، يعني إذا كان ليس هناك ثم جمعة أخرى، ما في إلا هذه الجمعة التي يقيم هذا الإمام، وهو عنده من الفجور أو الضلالات، فإنه يصلى خلفه. وإن تركها ولم يصل الجمعة فهو مبتدع. لأن السلف والصحابة رضوان الله عليهم صلوا خلف أئمة الجور، من كان عنده ظلم وعنده فسق، صلوا خلفهم، ما تركوا الصلاة خلفهم. فأنس وابن عمر وغيرهم من الصحابة صلوا خلف الحجاج، مع ما كان عليه من الظلم، ما تركوا الصلاة خلفه. وهذه هي السنة أن يصلى خلف كل بر وفاجر. والنبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث قال: "صلوا معهم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم عليهم". وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، قالوا: يا رسول الله فما نصنع؟ قال: "صلوا". عليه الصلاة والسلام قال: "إن أدركتهم الصلاة معهم فصلوا"، وأخبر أن الإثم عليهم. فالمقصود أن السنة دلت على أنه يصلى خلف أئمة الجور، ولا يترك الصلاة خلفهم. أما الصلوات العادية كصلوات الخمس، إن كان هناك غير هذا المبتدع، فيصلى خلف غيره. وأما إن لم يكن إلا هو، فإنه يصلى خلفه، ولا تترك الصلاة، صلاة الجماعة من أجل كونه ماذا عنده شيء من البدع أو من الفسق أو الفجور. هذه هي طريقة السلف رحمهم الله، وهو كذلك ما دلت عليه السنة في أحاديث كثيرة. وما ذكره حيث أنس "ثلاث من أصل الإيمان" هذا الحديث ضعيف، رواه أبو داود، وفيه يزيد بن أبي نشبه، وهو مجهول. ثم ذكر بعد ذلك شيئا مما يتعلق بحقوق الصحابة رضوان الله عليهم. ونكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على