شرح الشمائل المحمدية 75

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 75، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

قيام الليل شكراً لله: عبادة النبي صلى الله عليه وسلم

يشرح المقطع حديث المغيرة بن شعبة عن قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه وقوله: «أفلا أكون عبداً شكوراً»، مبيناً أن العبادة ليست فقط خوفاً من العقاب بل شكراً لله على نعمه. ويوضح أن تهجد النبي كان لزيادة الدرجات لا لتكفير السيئات، مع تفصيل لهديه في صلاة الليل من النوم أوله ثم القيام وآخره.

المبادرة إلى الصلاة عند الأذان وهدي النبي في العبادة

يحذر المقطع من التهاون في الاستجابة للأذان والتأخر عن صلاة الجماعة، مبيناً أن المبادرة علامة على قوة الإيمان بينما التأخر دليل ضعفه. ويستعرض هدي النبي في قيام الليل من استيقاظ وقراءة خواتيم آل عمران وإحسان الوضوء كما روي عن ابن عباس.

حديث ابن عباس في قيام الليل: هدي النبي وفوائده

يستعرض المقطع كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الليل كما رواها ابن عباس، مبيناً أنه صلى اثنتي عشرة ركعة مثنى مثنى ثم أوتر، وصلى ركعتين خفيفتين عند الفجر. ويستخلص المتحدث عشرين فائدة من هذا الحديث تشمل الملاطفة بالصغار، حسن المعاشرة، جواز مبيت الصغير عند محرمه، وغيرها من الأحكام والآداب.

أحكام المؤذن الراتب والإمامة والاقتداء

يوضح المقطع مشروعية تعيين مؤذن راتب يتقاضى أجراً للالتزام بالأذان، ووجوب إعلامه الإمام بدخول الوقت دون استعجال بالإقامة إذا وجد إمام راتب. كما يبيح صلاة النافلة جماعة، ويقرر صحة اقتداء المأموم بمن لم ينوِ الإمامة، وحكم المسبوق إذا صار إماماً لغيره، وينفي مشروعية لمس الكتف للاقتداء.

  • 14 جمادى الأولى 1440هـ - 20/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. بعد، نأخذ باباً من أبواب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى. وتوقفنا في باب ما جاء في عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحببنا أن نكمل ما تبقى من أبواب هذا الكتاب العظيم، كتاب الشمائل النبوية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وهو أبواب وأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلابد أن نعيد باب ما جاء في عبادة النبي عليه الصلاة والسلام لأجل الفائدة. قال الإمام الترمذي رحمه الله: «باب ما جاء في عبادة النبي صلى الله عليه وسلم». يعني: كيف كانت عبادته عليه الصلاة والسلام لربه؟ سيذكر تحت هذا الباب مجموعة من الأحاديث. قال: «حدثنا قتيبة بن سعيد» وهو أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة، «وبشر بن معاذ» أيضاً ثقة، «قال: حدثنا أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، قال: عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة». قال: طبعاً بعض الأسانيد قد تكون في الصحيحين، في أحد الصحيحين أو في الصحيحين. يعني الحديث الذي سيذكره ربما يكون في البخاري وفي مسلم، فنحن نذكره بإسناده. قد يكون نفس الإسناد موجود في أحد الصحيحين، وقد يكون بإسناد آخر بنفس المثال، الصحابي إلى الصحابي، حسب ما رواه ذلك الإمام. ثم نعلق على صحة هذا الحديث بتعليق الإمام الألباني رحمه الله تعالى، فقد صحح وضعف في هذا الكتاب. له «الشمائل المحمدية»، خرج هذا الكتاب الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. قال: «عن المغيرة بن شعبة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً». وهذا الحديث قد صححه الألباني رحمه الله برقم مائتين وواحد وعشرين كما في مختصر الشمائل، وأيضاً هو متفق عليه، رواه البخاري ومسلم. لكن نتكلم عن الإسناد الذي في الترمذي، بأن الشيخ الألباني صححه في هذا الحديث. بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم من الليل حتى تنتفخ قدماه، فلما يسأل عن ذلك يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً». وفي الصحيح: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً». قال الحافظ في الفتح: والفاء في قوله «أفلا أكون» للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي فلا أكون عبداً شكوراً؟ والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكراً، فكيف أتركه؟ قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك، فضلاً عن من لم يأمن أنه استحق النار؟ يعني يقول ابن بطال في شرح هذا الحديث: لا بأس أن الإنسان يأخذ على نفسه بالشدة في العبادة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقوم حتى تنتفخ قدماه وهو يعلم أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف ممن لا يعلم؟ لا يعلم أنه قد غفر له ذنبه، وكيف أيضاً بمن لا يعلم أنه ماذا؟ هل استحق النار أم لم يستحق النار؟ لهذا قال: لا بأس بالأخذ بالشدة. قال الحافظ معقباً على كلام ابن بطال: ومحل ذلك ما إذا لم يفضِ إلى الملال، لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه. بل صح أنه قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، أخرجه النسائي من حديث أنس. وأما غيره، فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يكره نفسه، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا». يعني يقول: محل هذا الأخذ بالشدة، هل نأخذ بالشدة أم لا نأخذ بالشدة؟ يقول الحافظ: محله ما لم يخشَ الملل، ما لم يخشَ الملل. لأن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام أكمل العبادات، وأكمل الأحوال، أحواله أكمل الأحوال، بخلافنا فإننا نمل. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمل، وهو الذي يقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». أن يحب العبادة، فكان يكثر من العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، وليس كحالنا نحن الذين ماذا؟ إذا أطلنا في العبادة ربما يصيبنا الملل، يصيبنا الملل، وهذا واقع ومشاهد من حالنا، لأننا ضعفاء إيمان، ولسنا كهيئة النبي عليه الصلاة والسلام. فهو يقوم من الليل حتى تنتفخ قدماه وتتورم قدماه، فيقول: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟». قال الحافظ أيضاً في فوائد هذا الحديث: وفيه مشروعية الصلاة للشكر، لأنه يقوم من الليل شكراً لربه، يتهجد لربه شكراً لربه. إذن فيه مشروعية الصلاة للشكر. وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. اعمل شكراً. فيكون الشكر باللسان بأن تشكر ربك بلسانك، أيضاً الشكر يكون بالعمل بأن تصلي لربك، هذا شكر غير المفروضة، يعني من نوافل، تصلي شكراً لله عز وجل على ما أنعم عليك، فإن نعم الله لا تعد ولا تحصى علينا، لهذا من باب الشكر أن يقوم يتهجد لله سبحانه وتعالى. قال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفاً من الذنوب وطلباً للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك. النبي متحقق أنه ماذا؟ غفر له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. ولما يقال له: قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، هو يعلم ذلك عليه الصلاة والسلام، فيجيب: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟». فظن بعضهم أنه إنما يعبد الله سبحانه وتعالى خوفاً من ذنوبه، كيف يعبد الله خوفاً من ذنوبه وعليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ذنوبه المتقدمة والمتأخرة؟ هذا إن كانت له ذنوب، هذا إن كانت ماذا؟ له ذنوب. فيقول له: أنه لا يحتاج إلى ذلك عليه الصلاة والسلام. فأفادهم أن هناك طريقاً آخر للعبادة، ليس فقط أنك تعبد الله عندما تصلي طلباً للمغفرة والرحمة، هناك طريق آخر للعبادة وهو طريق الشكر، وهذا يغفل عنه كثير من الناس. هب أن ما لك ذنوب، ما أذنبت، متيقن من نفسك أنك ما أذنبت، صلي لله شكراً على أنه أنعم عليك بترك الذنوب والمعاصي، هذا أيضاً من باب... باب آخر، العبادة تكون لها أبواب متفرعة: تعبد الله سبحانه وتعالى خوفاً من عقابه، تعبد الله سبحانه وتعالى طلباً لمغفرته، تعبد الله عز وجل كذلك طلباً لرحمته، وتعبد الله عز وجل شكراً له على ما أنعم عليه. قال: فأفادهم أن هناك طريقاً آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة وإسبال النعمة. إذن الله عز وجل قالوا: ذنبك مغفور. طيب، إذا ذنبي مغفور، إذن لابد أن أشكر الله عز وجل على هذه النعمة، نعمة من الله أنه غفر لي، وليست نعمة أن الله غفر لك نعمة، إذن هذه من النعم، فالنعمة تحتاج إلى شكر. فقام صلى الله عليه وسلم بشكرها بالتهجد لربه، فكان يطيل القيام حتى تتفطر قدماه. قال: وهو الشكر على المغفرة وإسبال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئاً، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكوراً. ومن ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. قليل من عبادي الشكور. وهذا العبد يعلم من حال نفسه هل هو شاكر أم ليس بشاكر؟ كم من ذنوب ترتكب، وهكذا ربما يقصر العبد في الاستغفار منها وطلب المغفرة والرحمة من الله سبحانه وتعالى، وقد لا يكون لك ذلك بأن تكون عابداً شاكراً لله سبحانه وتعالى. فطريق الشكر أنك تعبد الله سبحانه وتعالى. هنا فائدة أخرى، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم. وهذا كلام حسن من هؤلاء العلماء الذين ذكرهم الحافظ رحمه الله في الفتح. يقول العلماء: يقول الأنبياء ألزموا أنفسهم بشدة... يعني بشدة العبادة، ما أحد يستطيع أن يقوم بما يقوم به أنبياء الله من كثرة العبادة والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأنهم علموا عظيم نعمة ربهم عليهم، لما علموا عظيم هذه، وأنهم من دون أن يطلبوها ابتداءً أعطاهم الله النبوة. النبوة هذه فضل من الله سبحانه وتعالى واختيار واصطفاء واجتباء، فاجتبى فلاناً وفلاناً وفلاناً بأن يكون رسولاً ونبياً، نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه وتعالى. فإذا هذه النعمة تحتاج إلى شكر، فألزم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنفسهم شكر هذه النعم بشدة العبادة لله سبحانه وتعالى، لأنهم خصهم بنعمة ما أعطاها أحداً من العالمين، وهي النبوة والرسالة. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. هذا ما يتعلق بحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي من الليل حتى تنتفخ قدماه، فيسأل فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟». قال الترمذي رحمه الله: «حدثنا أبو عمار الحسين بن الحريث، قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني، قال: عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، قال: فقيل له: تفعل هذا وقد جاء أن الله تعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً». قال الألباني: حسن صحيح، وهو في مختصر الشمائل برقم مائتين واثنين وعشرين. يقول ابن القيم فائدة في زاد المعاد: يقول النافلة في تهجد النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في درجاته، عندما يتهجد زيادة في درجاته وفي أجره، ولهذا خصه بها، فإن قيام الليل في حق غيره مباح ومكفر للسيئات، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلو المراتب، وغيره يعمل في التكفير. غيره، أي غير النبي عليه الصلاة والسلام، إذا ازداد من النوافل فإنما يعمل في التكفير، وأيضاً قد يقال أنه يعمل في زيادة درجاته إذا لم تكن له ذنوب، على فرض أنه محيت له ذنوب وسيئات وبقيت أعمال صالحة، فالمؤمن أيضاً يرفع... ماذا يعمل في رفع درجاته وزيادة حسناته. لكن النبي عليه الصلاة والسلام هذا متيقن أنه يعمل في زيادة الدرجات، وفي كثرة الأجور، وعلو المراتب، وقد خصه الله عز وجل بذلك. هذه فائدة عن ابن القيم رحمه الله. قال الترمذي رحمه الله: «حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي، قال: حدثني عمي يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً». وهذا الحديث أيضاً إسناده صحيح. ثم قال: «وحدثنا محمد بن بشار» وهو بندار الإمام الثقة، «قال: حدثنا محمد بن جعفر» وهو غندر المعروف، ربيب شعبة، وهو ثقة أيضاً، «قال: حدثنا شعبة» أبو بسطام، شعبة بن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، هو أول من فتش عن الرجال في العراق، «قال: عن أبي إسحاق» وهو السبيعي، «عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالت»: يعني كيف صلاة بالليل؟ «قالت: كان ينام أول الليل ثم يقوم، فإذا كان من السحر أو تر، ثم أتى فراشه، فإذا كان له حاجة ألم بأهله، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبا أفاض عليه من الماء، وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة». وهذا الحديث صححه الألباني برقم مائتين وثلاثة وعشرين، وهو متفق عليه من حديث عائشة. حديث في الصحيحين: كيف كان تهجده عليه الصلاة والسلام؟ كان ينام أول الليل، أول الليل وهو ما بعد صلاة العشاء، ثم بعد ذلك يقوم إما في وسطه وإما في السحر. قال: «فإذا كان من السحر» أي بقي من السحر أو تر حتى لا يطلع ماذا؟ الفجر. ثم يأتي بعد ذلك إلى فراشه، فإذا كان له حاجة إلى أهله يريد أهله ألم بأهله. فإذا سمع الأذان وثب. إذا سمع المنادي ينادي لصلاة الفجر قام عليه الصلاة والسلام، فإن كان جنبا وقد ألم بأهله اغتسل، وإن لم يكن جنبا توضأ ثم خرج إلى الصلاة. قال النووي رحمه الله: أي قام بسرعة، لأنها قالت ماذا؟ «وثب». ما معنى الوثوب؟ وثب معناه قام بسرعة. ففيه الاهتمام بالعبادة. لاحظ: ما في كسل، ما في تراخي، ما في تواني. يعني إذا سمع المنادي وثب، تقول ماذا؟ وثب، قام بسرعة. خلاص هنا المنادي يقول الله أكبر، ما في تراخي. نحن عندنا تراخي، عندنا وهذا لا أحد ينكره، عندنا تراخي، ربما الشخص يكون مشغولا بأشياء حتى ربما لا يبالي بماذا؟ بالمنادي وهو ينادي، ولا يردد مع المعذن، والله المستعان. فيقول: خلها بالسهالة، باغ نص ساعة لإقامة الصلاة. وكم من شخص يسمع المنادي ثم يضيع الركعة الأولى مع الإمام، يضيع الركعة الأولى، وبيته قريب من المسجد، وبيته قريب، وقد سمع النداء، بل علم أن الآن وقت الصلاة، ساعة كذا وكذا، ثم يتأخر. يا أخي لماذا ما تأتي عندما تسمع النداء تثب كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقفز ويقوم؟ خلاص تهيئ للصلاة. فإن المنادي قال الله أكبر، ثم قال حي على الصلاة، ثم قال حي على الفلاح، ثم قال الله أكبر، يعني يرددها في البداية والنهاية، ثم بعد ذلك التراخي والأمور طيبة. فإذا أقيمت الصلاة جاءوا يهرولون، جاءوا يهرولون، وكم نسمع الأرجل والأقدام عند ركوع الإمام، والله المستعان. هذا يدل على ماذا؟ على عدم الحرص، الحرص ما هو موجود عندنا إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. فالمفروض على المسلم أنه يستجيب لداعي الله سبحانه وتعالى، إذا دعاك المؤذن تتهيأ للصلاة، تصلي السنن الرواتب، القبلية، وبعض ما يصلي البعدية. فكيف هذا الأمر؟ تريد جنة، تريد رحمة، تريد مغفرة، وأنت متهاون بأمور أنت تستطيع أن تفعلها، فتجعل الشيطان عليك سبيلاً، يدخل إليك إلى هذه المداخل، إلى هذه الدرجة، بلغ بك الكسل عن العبادة حتى الفرائض، فكيف بالنوافل؟ فمن باب أولاً: إذا كنت تراخي عن فرائض الله المفروضة عليك، المفروضة على كثير منه ما يؤديها بالشكل المطلوب الذي يلزم عليه من أدائها بشروطها وأركانها حتى تقبل منه. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، وغير ذلك، ينشغل الناس عنها. تقول عائشة: فإذا سمع المنادي وثب، أو الأذان وثب. قال النووي: أي قام بسرعة، ففيه الاهتمام بالعبادة والإقبال عليها بنشاط، وهو بعض معنى الحديث الصحيح: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». تأمل هذا الحديث الذي خرجه مسلم: المؤمن القوي الذي يثب هو مؤمن قوي، يريد أن يؤدي الصلاة شروطها وأركانها وآدابها وسننها في وقتها، فيبادر إلى المسجد، يبادر إليها، هذا مؤمن قوي، إيمانه قوي، لأن الإيمان دعاه إلى أن ماذا؟ يترك كل أمور الدنيا ويقبل على الصلاة، يقبل على الصلاة، فيكون أول من يأتي إلى المسجد. فالمؤمن الضعيف تراخي، عنده ضعف إيمان، هذا هو المشاهد، عنده كثير من الناس عنده ضعف إيمان، الذي ما يقبل على الصلاة ولا يتهيأ لها إلا إذا قامت، قام يتوضأ أو غير ذلك، هذا عنده ضعف، ضعف إيمان، إلا من كان معذوراً. العذر، العذر موجود، عنده من كان معذوراً. من سمع النداء يقول عليه الصلاة والسلام: «فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر». لا صلاة له إلا من عذر، ما أجاب النداء وسمع النداء، لا صلاة له مقبول عند الله إلا إذا كان معذوراً، كالمريض، المريض هذا معذور، وهكذا أيضاً المسافر، المسافر يعتبر من أصحاب الأعذار الذين له أن يقدم أو يؤخر تلك الصلاة حسب سيره في السفر، لأن السفر مشقة، فرخص له وخفف عنه. وغير المسافر، صحيح سليم، ما عندك شيء، لماذا تجعل الصلاة ليست في اهتماماتك؟ فالله الله في ماذا؟ في الصلاة. فانظر كيف حال النبي عليه الصلاة والسلام في العبادة، مع أهله، مع أهله، ومع ذلك إذا سمع الأذان تقول عائشة: وثب. انظر إلى كلمة وثب، قام مسرعاً، حتى في بعض الروايات تقول عائشة: فكأنه لا يعرفنا، ما يعرف أهله، ما يعرف أهله. هذا حال النبي عليه الصلاة والسلام، كأنه ما يعرف هؤلاء. خلاص هنا جاءت عبادة الله، لكل مقام مقال، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام يكون مع أهله: «خيركم خيركم لأهله»، يفلي ثوبه، ويخدم أهله، ويحلب شاته، ويخصف نعله، كأنه عايش بينهم، ماذا؟ عليه الصلاة والسلام، بالمودة والمحبة والملاطفة والمؤانسة. هكذا يكون الرجل مع أهله في غير أوقات التي فيها تكون طاعة الله سبحانه وتعالى. إذا جاء المؤذن، خلاص هنا وقت أذان، وقت صلاة، الآن عبادة الله سبحانه وتعالى، لا نشتغل بأمور، ماذا؟ بأمور الأهل أو الدنيا ونحو ذلك. هكذا يكون المؤمن في عمله، مجداً، مخلصاً، مثابراً، عند عمله جاء وقت الصلاة، خلاص انتهى هذا الأمر، أقبلنا على أمر آخر، عبادة الله، تقدم على هذه الأمور كلها، طالب الرضا والمغفرة والرحمة، فيقبل على العبادة، يسكر دكانه، يوقف عمله الذي يعمل في البناء أو نحو ذلك، يوقف، خلاص انتهى، الله أكبر، أتهيأ لماذا؟ للصلاة، لأنها لو ضاعت عليه أضعته خيراً كثيراً، أضعته متابعة، ترجع هذه، انتهى هذا الأمر، انتهى، وغطيت ماذا؟ الصحيفة، أنك لم تصلي جماعة. تخيل أنك لم تصلي ماذا؟ مع الجماعة، أنك أضعت ركعة، أنك أضعت ركعتين، هذا كله ماذا يكتب؟ أدركت ركعتين، أدركت ركعة مع الإمام، أدركت التشهد، ما أدركت الصلاة، في صحيفة ماذا؟ الأعمال. هل سيعاد؟ ما سيعاد، خلاص، استقبل عمل جديد، الآن تستقبل ماذا؟ عمل جديد. لكن هذا عمل الدنيا مدرك، هذا تدركه، إن فاتك اليوم بكرة ماذا يعني؟ تعمله وتكمله. لكن الخير إن فاتك صلاة، إن فاتك صيام، إن فاتك أي شيء، عمل صالح فاتك، فلا يرجع إلى يوم القيامة، ولهذا يتمنى الإنسان أنه لو رجع إلى الدنيا فيعمل من العمل الصالح. هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حديث عائشة: فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبا فاض عليه من الماء. لتعلم كيف حال العبادة عند النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف محبته لها. ثم قال الترمذي رحمه الله: «حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس» وهو إمام دار الهجرة، «قال: حاء» وهو تحويل السند، «وحدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، عن مالك، عن مخرم بن سليمان». إذن مخرج الحديث هو من مالك بن أنس، عنه راويان، من هما؟ قتيبة بن سعيد ومعن، كلاهما عن مالك، «قال: عن مخرم بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخبر». لاحظ هذا الحديث العظيم الذي فيه ابن عباس، بات عند خالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف رأى من أحواله عليه الصلاة والسلام الشيء العجيب، رأى من أحواله، وانظر إلى فطنة وذكاء بن عباس رضي الله عنهما وهو غلام، كيف لاحظ العبادة من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «أنه أخبره أنه بات عند ميمونة، وهي خالته، ميمونة بنت الحارث، قال: فاتجعت في عرض الوسادة، واتجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل»، يعني واحد نام كذا، واحد نام كذا، واحد في العرض، واحد في الطول، «قال: حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل»، يعني نصف الليل، «قال: فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران». أول ما أفاق صلى الله عليه وسلم، أفاق على ذكر الله، فقرأ القرآن، قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، «ثم قام». ما هي العشر الخواتيم من سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إلى نهاية السورة. «ثم قام إلى شن معلق، وهي قربة ماء، فتوضأ منها، فأحسن الوضوء». ابن عباس راقب، ابن عباس رضي الله عنهما يراقب، فعلاً النبي عليه الصلاة والسلام قام إلى القربة، يقول: «فتوضأ فأحسن الوضوء». المسلم ينبغي عليه إحسان الوضوء، لا يتعجل في الوضوء. قال: «ثم قام يصلي». قال عبد الله بن عباس: «فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي، قام إلى جنبه، قال: ثم أخذ بأذني اليمنى ففتلها». يعني هذا يقول: بهكذا النبي عليه الصلاة والسلام أخذ برأسه، ثم أخذ بأذني ابن عباس ففتلها، وذلك لغرض التنبيه، لغرض ماذا؟ أنه ينبه الغلام. إلا أن هذه الأمور أمور طيبة، أمور ينبغي للشخص أن يهتم لها وينتبه لها، وهو من الملاطفة أيضاً، عندما يأخذ بأذني الصبي يفتلها. قال: «ثم أخذ بأذني اليمنى ففتلها، فصل ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين». قال: من ست مرات، اثنين في ستة، المجموع اثنتي عشرة ركعة، «ثم أوتر، ثم جاءه المؤذن، فقام فصل ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصل الصبح». طبعاً هذه صلاة الليل، صلاة الليل فيها حديث ابن عباس الذي ورد، والحديث أصلاً في الصحيحين، في البخاري ومسلم، الحديث بهذا الإسناد صحيح، صححه الألباني رحمه الله في مختصر الشمائل. هذه كيفية من كيفيات رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، كم مرات؟ من ثنتين، ست مرات، ثنتين ثنتين ثنتين ثنتين ثنتين ثنتين، هذه اثنتي عشرة ركعة. طبعاً بعد ذلك أوتر بواحدة عليه الصلاة والسلام. هما جاء في الروايات، وجاء في الروايات أيضاً أنه صلى ركعتين خفيفتين، عن الأولى تكون ركعتين خفيفتين، ليطابق حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غير رمضان، كان يصلي إحدى عشرة ركعة، والركعتين التي قبل في حديث ابن عباس، حديث ابن عباس إثبات ثلاثة عشر ركعة، فيكون المجموع ثلاثة عشر ركعة بالركعتين. ما هي فوائد هذا الحديث العظيم، حديث ابن عباس؟ طبعاً له فوائد كثيرة، ذكرها الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح، نذكر عشرين فائدة عند هذا الحديث، حديث ابن عباس: الأول: فيه الملاطفة بالصغير والقريب والضيف. فيه الملاطفة، من أين أخذ الملاطفة؟ من قول ابن عباس: قال: فأخذ النبي... ووضع يده على رأس، ملاطفة لابن عباس، وأيضاً ماذا؟ قام وأخذ بأذنه اليمنى ففتلها، هذا فيه ملاطفة للصغير، فالصغير ملاطف هكذا بأن تضع يدك على رأسه وتمسح رأسه، وأيضاً لك أن تفتل أذنه من باب شد الانتباه. الثاني: حسن المعاشرة للأهل، والرد على من يؤثر الانقباض. حسن المعاشرة للأهل، لأنه سمر معهم مع خالته ميمونة، جلسوا، تعشوا، وسمروا، ثم نام عليه الصلاة والسلام، ففي هذا حسن العشرة مع ماذا؟ مع الأهل. الثالث: مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها، الصغير يبيت عند محرمه، لأن ميمونة من محارم ابن عباس، لأنها خالته، أخت أمه. الرابع: جواز الاتكاء مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزاً، بل مراهقاً. أيضاً في هذا نأخذ جواز الاتكاء مع المرأة الحائض، لأن النبي عليه الصلاة والسلام اتكأ جنب أهله، وابن عباس عندهم في الوسادة، فاتكأوا جميعاً، ولا بأس بذلك، ليس فيه شيء أنه يتكأ وهذا يتكأ وهذا يتكأ، كل واحد ممدد في مكانه، وهذا الغلام ابن عباس كان مراهقاً، كان مراهقاً، قال: وإن كان مميزاً أيضاً، ابن عباس كان مميزاً، لأنه وصف الحال، وصف عبادة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف صلى، كيف توضأ، فهذا يدل على أنه كان مميزاً، فهذا من المحارم الذي يجوز أن يبيت في بيت... محارمه. الخامس: صحة صلاة الصبي، أيضاً ابن عباس قام وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم مأموماً، فكان النبي الإمام، وكان ابن عباس مأموماً، لأنه قام بجانبه. السادسة: جواز فتل أذنه لتأنيسه وإيقاظه، وقد قيل: إن المتعلم إذا تعهد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه. هذه فائدة أخرى، جواز فتل الأذن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك بابن عباس لإيقاظ همته، لانتباهه، والمتعلم إذا دائماً تعمل معه هكذا يكون ذكياً وفاهماً. السابعة: في حمل أفعاله صلى الله عليه وسلم على الاقتداء به، لأن ابن عباس اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم. الثامنة: مشروعية التنفل بين المغرب والعشاء. مشروعية التنفل، هذا على فرض أنه كان بين المغرب والعشاء. التاسعة: فضل صلاة الليل، ولا سيما في النصف الثاني. أيضاً في فضيلة صلاة الليل، وخاصة ماذا؟ عندما يكون في نصف الليل الثاني. العاشرة: البداءة بالسواك واستحبابه عند كل وضوء وعند كل صلاة، لأنه ذكرت في الروايات الأخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قام بدأ بالسواك. الحادية عشرة: تلاوة آخر آل عمران عند قيامه إلى صلاة الليل، يشرع أيضاً أن يقرأ العشر الآيات من آخر سورة آل عمران. الثانية عشرة: استحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو محدث، ولعله المراد بالوضوء للجنب، يعني إذا أراد الشخص أن ينام، فما على ماذا ينام؟ ينام على وضوء وعلى طهارة، هذا هو الأكمل وهذا هو الأفضل، ولو نام على غير ذلك فجائز، لكن الأكمل والأفضل أن ينام على وضوء من الحدث الأصغر، وكذلك يشرع له من الحدث الأكبر أن ينام على وضوء، يعني يتوضأ، أحد الوضوءين، فإما أن يغتسل، فإذا رأى مثلاً أنه لا يريد الاغتسال، فلعله يعود إلى أهله مثلاً، فإنه يتوضأ فينام على إحدى الطهارتين، مع أن الحدث هذا الوضوء لا يرفع الحدث الأكبر، لكنه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. الثالثة عشرة: استحباب التقليل من الماء في التطهير مع حصول الإصباغ، لأن ابن عباس يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام قام فأحسن الوضوء، فالمسلم يقلل من الماء، لا يكثر من الماء عند الوضوء، وإنما بقدر الحاجة، لا كما نراه من بعض الصبيان هداهم الله، فإنهم يفتحون الحنفيات والبزازيز يفتحونها إلى آخرها، وكأنه سيغتسل، وكأنه سيغتسل، وهذا خطأ، ينبغي أن ينبه، وأيضاً رأى أخاه يسرف في الماء ينبهه: يا أخي بارك الله فيك، الماء نعمة، ولا ينبغي الإسراف، فلو كنت على نهر جار، إذا كان الإسراف غير مطلوب حتى على نهر جار، كما قال أهل العلم، فما بالك بماذا؟ بغير ذلك، ونحن نحتاج إلى الماء، والماء قليل وشحيح، فمن نعم الله عز وجل علينا هذا الماء، فعند الوضوء يؤخذ بقدر الحاجة، ولا يسرف في ذلك، فإن الله لا يحب المسرفين. الرابعة عشرة: بيان فضل بن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأتيه في ذلك، وهذا ظاهر من فعل بن عباس. الخامسة عشرة: فيه اتخاذ مؤذن راتب للمسجد، فيه اتخاذ مؤذن راتب للمسجد، أخذ هذا من قوله في الحديث: «ثم جاء المؤذن». من كان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم؟ بلال، كان مؤذنه بلال، وهو الذي يقول له: الصلاة يا رسول الله، فكان يؤذنه بالصلاة، فكان بلال هو المؤذن، لا بأس أن يتخذ مؤذن راتب للمسجد. مؤذن الراتب يعني المقيم في المسجد، والذي يحافظ على أوقات الأذان، وقد يصرف له إعانة شهرية من الإمام أو من ينوب عن الإمام، فهذا لا بأس أن يأخذ عليه أجراً، أن يأخذ عليه أجراً إذا كان من باب أنه سيشغل وسيلتزم بماذا؟ بالأذان، فاتخاذ المؤذن من الراتب صار أمراً مطلوباً للحفاظ على أوقات الصلاة، لأنه يؤذن المسلمين بماذا؟ بالصلاة، وأيضاً للمرأة الحائض لها أحكام في ذلك، فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام اتخذ مؤذناً راتباً لمسجده. السادسة عشرة: إعلام المؤذن الإمام بالحضور وقت الصلاة واستدعاؤه لها، أيضاً هذا من وظائف المؤذن، بعض المؤذنين يستعجلون، إذا كان للمسجد إمام، لا تستعجل، لا تستعجل أيها المؤذن، إذا كان للمسجد ماذا؟ إمام، أما مسجد ليس له إمام، من جاء صلى، هذا لك أن تقيم أي وقت جئت مع من حضر من المسجد، لكن إذا كان للمسجد إمام، وقد علم هذا الإمام أنه هو الذي يصلي بالناس، كالإمام الراتب أو نحوه، فإنك تؤذنه بالصلاة إذا تأخر، كما كان بلال يؤذن رسول الله، ما عهد أن بلال أقام الصلاة من تلقاء نفسه إلا أن يؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في حادثة واحدة، وهي عندما تأخر النبي عليه الصلاة والسلام في بني عمرو بن عوف للإصلاح بينهم، فإنه أتى إلى أبي بكر، خليفة رسول الله، وقال له: أقم الصلاة، وماذا؟ أن النبي صلى الله تأخر، قال: إن شئت فأقام الصلاة، فصلى أبو بكر، ثم جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ما قضى الأمر بين بني عمرو بن عوف، والحادثة مشهورة. نقول للمؤذن: انتظر، ما دام هناك إمام يصلي بالناس، ومعلوم هذا الإمام، كالإمام الراتب أو إمام المسجد المتفق عليه بين المصلين، فإنه يؤذنه بالصلاة، فقد كان بلال يؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: «ثم جاء المؤذن»، فكان يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لعل الإمام يكون مشغولا أحياناً بشيء مع أهله، أو مع أضيافه، أو مع المسلمين في قضاء حاجة ونحو ذلك، فلهذا أنت تشعره بماذا؟ بالصلاة. والآن وسائل كثيرة موجودة، ولله الحمد، تستطيع من خلالها ماذا؟ أن ترتب مع الإمام أو تتفق مع الإمام، إلا إذا غاب الإمام وعلمت ماذا؟ غيابه عن البلدة أو عن المسجد، ولن يحضر في الوقت المناسب، وعلى الإمام كذلك أن يرفق بالمصلين فيشعر المؤذن أنه لن يحضر، مثلاً إذا لم يحضر في ذلك في تلك الصلاة. السابعة عشرة: فيه الاستعانة باليد في الصلاة وتكرار ذلك، لا بأس الاستعانة باليد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام وضع يده على رأس ابن عباس. الثامنة عشرة: فيه مشروعية الجماعة في النافلة، النافلة يجوز أن تصلى جماعة، لأنها صلاة ليل، صلاة ليل، لك أن تجمع أهلك، تقوم تصلي الليل أنت وأهلك، «رحم الله امرأ قام من الليل فصلى، ثم أيقظ أهله»، لك أن تجمع أهلك معك، تصلي معك أهلك، وتصلي معك بنيك، وتصلي غيرهم، فتجمعهم جماعة، وتصلي بهم صلاة نافلة. التاسعة عشرة: اقتداء بمن لم ينوي الإمامة، هل النبي نوى الإمامة؟ لا، ما نوى الإمامة، قام فصلى، ثم تبعه ابن عباس ودخل معه في الصلاة، فصار النبي إماماً، وصار ابن عباس مأموماً. وهكذا أنت إذا كنت مسبوقاً ثم صليت مع الإمام، والإمام قضى صلاته، وبقيت لك ركعة أو ركعتان أو ثلاث أو غيرها، جاء بمن يأتم بك، فماذا تفعل؟ تصير إماماً، تصير إماماً، تقول في نفسك: أنت، أنا إمام الآن، لا، خلاص بالنية، بماذا؟ بالنية، فتقرأ، إن كانت الصلاة ماذا؟ جهرية، تقرأ جهراً، وتكمل تلك الصلاة، تكمل على هيئتها، إن كانت بقي لك ثلاث ركعات مثلاً من الجهرية، أو بقي لك ركعتان، فإن كانت سرية سكت، قلت الله أكبر، تصير إماماً، وتصير بمن اقتدى بك ماذا؟ مأموماً، وهذا يسمى المسبوق، هذا يسمى المسبوق. العشرون: بيان موقف الإمام والمأموم. لكن فيه تنبيه آخر، وهو أن بعضهم يلمس كذا، يلمس الكتف، يلمس ماذا؟ الكتف، هل هذا ثبت أو هذا مشروع؟ الجواب: هذا ما ثبت فيه شيء، ما ثبت فيه شيء، بل أن ابن عباس مباشرة دخل مع النبي عليه الصلاة والسلام واقتدى به، فأنت مثلاً إذا جئت، هو شخص يصلي، تريده أن يكون لك إمام، ماذا تفعل؟ تقول له كذا، تلمسه في ظهره على أنك تريد الاقتداء به