الدرس في شرح الشمائل المحمدية 59، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يواصل الدرس شرح باب مزاح النبي صلى الله عليه وسلم في الشمائل المحمدية مستعرضاً أحاديث أنس بن مالك وأبي هريرة في مزاحه مع الصحابة. ويبين تصحيح الألباني والبخاري لهذه الأحاديث الواردة في الباب.
يروي المقطع حديثين يبرزان رحمة النبي ولطفه مع زاهر بن حرام البادي ومع عجوز سألته دخول الجنة. ويبشرها النبي بأنها ستدخلها شابة في ريعان الشباب لا عجوزاً.
يستعرض المقطع هدي النبي في المزاح الحق المعتدل وينقل أقوال الخلفاء الراشدين وعلماء السلف في جواز المزاح المباح. ويشير إلى ضوابط الصدق والاعتدال وعدم الإكثار مع ذكر الغناء المباح والدف في الأعراس.
ينقل المقطع رأي سفيان بن عيينة بأن المزاح سنة بشرط إتقانه ووضعه في مواضعه الصحيحة. ويذكر حال ابن سيرين في المزاح والضحك مع استحضاره آية تذكر بأن الحياة الدنيا لعب ولهو.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد فقد أخذنا فيما مضى في كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وآخر ما أخذنا هو باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان في الباب مجموعة من الأحاديث، منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ذا الأذنين»، وأخذنا شرح هذا الحديث، وهو حديث صحيح قد صححه العلامة الألباني رحمه الله. وهكذا حديثه الآخر حيث قال: «إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير»، وهو حديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وأخذنا شرحه كذلك وما فيه من الفوائد. وهكذا أيضا حديث أبي هريرة في الباب أنهم قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقا»، وهو صحيح أيضا صححه الألباني رحمه الله. وهكذا أيضا حديث أنس بن مالك الآخر أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني حاملك على ولد ناقة»، فقال له: يا رسول الله وما أصنع بولد ناقة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟ الناقة هي التي تلد الإبل، تلد الذكر وتلد الإناث»، وهذا من مزاحه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه. وهكذا أيضا حديث أنس بن مالك الآخر أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر، وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هدية من البادية كلما جاء، ويجهزه النبي عليه الصلاة والسلام كذلك ويعطيه إذا أراد أن يخرج، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه»، وكان عليه الصلاة والسلام يحبه، فأتى ذات يوم، مع أنه كان رجلا دميما كما ورد في الحديث، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أراد مداعبته فاحتضنه من خلفه، وزاهر لا يبصر أي لا يرى من الذي خلفه، فقال: أرسلني، من هذا؟ قال فالتفت فعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يالو أن يلصق ظهره بصدر النبي عليه الصلاة والسلام حين عرفه، فجعل عليه الصلاة والسلام يقول: «من يشتري العبد؟» فقال زاهر: إذا تجدني كاسدا، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لكنك عند الله لست بكاسد». وتقدم شرح هذا الحديث: «لكنك عند الله لست بكاسد» أي لست برخيص ولا غير مرغوب فيه، لأن الكساد بمعنى الرخص وعدم الرغبة في الشيء، فهذا الصحابي الجليل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت عند الله غال، يعني ذو منزلة رفيعة. وهكذا أيضا حديث الحسن وحسنه الألباني رحمه الله تعالى عندما أتت العجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها عليه الصلاة والسلام: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز»، قال فولت تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز»، أي على شكل عجوز كبيرة في السن، وإنما أهل الجنة هم المردان، وهن كذلك عربا أترابا، فهم في السن صغار في الثلاثين أو ثلاثة وثلاثين، أسنانهم تكون كأسنان الشباب، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً ﴾، ﴿ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴾. هذه الأحاديث كلها التي مرت في الباب هي من حسن معاشرته صلى الله عليه وسلم ومزاحه الحق ومداعبته لأصحابه عليه الصلاة والسلام. وهكذا يكون الرجل مع أهله ومع جيرانه ومع أصحابه يمزح ويداعب لكن يكون بحق، ولا يكثر من ذلك حتى لا تسقط هيبته، بل يكون بحسب الحال الذي إذا احتيج إليه احتيج إليه فعلا، يفعل المزاح أحيانا، ولا يكون في المزاح كذب. فأنتم رأيتم هذه الأحاديث وسمعتم الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام لما قيل له: إنك تداعبنا، قال: نعم ولكن لا أقول إلا حقا، يعني ليس في المزاح كذب، وإنما يقول قولا حقا وقولا صدقا. وهكذا ذكرنا كلام الإمام البغوي رحمه الله تعالى وأنه ذكر عن جماعة من السلف أنهم فعلوا ذلك اقتداء به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عمر: «إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، ثم إذا بغي منه وجد رجلا». وقال ثابت بن عبيد: «كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته، فإذا خرج كان رجلا من الرجال». ورؤي عن ابن عباس أنه قال لقوم قعود لديه: «أحمضوا»، أي أفيضوا فيما يؤنسكم من الكلام. وقال علي بن أبي طالب: «أجموا هذه القلوب فإنها تمل كما تمل الأبدان». ودخل الشعبي وليمة فرأى لها سكوتا فقال: «ما لي أراكم كأنكم في جنازة؟ أين الغناء أين الدف؟» والمراد به الغناء المباح في الأعراس والدف الذي تضرب به النساء. وقيل لسفيان بن عيينة: المزاح هجنة، قال: «بل سنة، ولكن الشأن في من يحسنه ويضعه مواضعه». وكان ابن سيرين رحمه الله يمزح ويضحك حتى يسيل لعابه، ثم يقرأ: ﴿ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾، وكان أيضا كثير الضحك بالنهار