الدرس في شرح كتاب الطهارة 6، ألقاها
الأصل في آنية الكفار الحل ما لم تعلم نجاستها، ويجب غسلها إن علمت نجاستها. استدل العلماء بحديث أبي ثعلبة الخشني وحديث توضؤ النبي من مزادة امرأة مشركة على جواز استعمالها إذا لم تعلم نجاستها.
اختلف العلماء في طهارة جلود الميتة بعد الدباغ، حيث يرى الجمهور أنها تطهر ويجوز استعمالها، بينما يرى الإمام أحمد أنها لا تطهر إلا في اليابسات. الحكم يختلف باختلاف نوع الميتة.
جلد الميتة المباح أكله يطهر بالدباغ، بينما لا يطهر جلد الحيوانات المحرمة الأكل. شعر الميتة المباحة الأكل طاهر ويمكن الانتفاع به. أجزاء الميتة التي تحتوي على دم تعتبر نجسة، بينما الأجزاء التي لا تحتوي على دم فهي طاهرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: المسألة الثالثة، آنية الكفار. قال: الأصل في آنية الكفار الحل، إلا إذا علمت نجاستها، فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد غسلها. لحديث أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب -أهل الكتاب أي اليهود والنصارى- أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها ثم كلوا فيها»، متفق عليه. أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام: إنا بأرض قوم أهل كتاب، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، معلوم أنهم يشربون الخمر ويأكلون الخنزير، فيقول: فسأل النبي: أفنأكل في آنيتهم؟ في أوعيتهم وآنيتهم التي يستخدمونها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها». قال بعض أهل العلم: هذا من باب يعني التنزيه عن استعمالها. ومنهم من قال: بل هذا يحمل على من علم أنه يستعملها في شيء من النجاسات، فإنهم ما يؤكل فيها. فإن لم يوجد غيرها، ليس هناك آنية إلا هذه الآنية، فهنا تغسل ثم تستعمل. قال: «إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها»، هذا يدل على أنه يجوز استعمال آنية الكفار. قال: وأما إذا لم تعلم نجاستها، بأن يكون أهلها غير معروفين بمماشاة النجاسة، فإنه يجوز استعمالها؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أخذوا الماء للوضوء من مزادة امرأة مشركة، والحديث في الصحيحين. والمزادة هي القربة الكبيرة، القربة الكبيرة قد يزاد فيها جلد فتكون عبارة عن قربتين، يقال لها مزادة. وهذه المزادة لامرأة مشركة، ومع ذلك استعملها النبي عليه الصلاة والسلام وتوضأ منها. قال: ولأن الله سبحانه قد أباح لنا طعام أهل الكتاب، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أُوتِيَ الْكِتَابَ حِلٌ لَكُمْ﴾، وطعامكم حل لهم. قال: وقد يقدمونه إلينا في أوانيهم، يعني يأتي لك بطعامه في إناء من آنيتهم أو وعاء من أوعيتهم. قال: كما دعا غلام يهودي النبي صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة، فأكل منها. الإهالة هي الشحم أو الزيت، ومعنى سنخة أي متغيرة. فهذا اليهودي دعا النبي صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة، ولا شك أنه قدمها في إناء من الآنية التي عنده، فأكل منها النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على جواز استعمال آنية الكفار، وأنها كذلك طاهرة يجوز استعمالها. قال: المسألة الرابعة، الطهارة في الآنية المتخذة من جلود الميتة. الميتة: كل ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية، كل ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية، يعني ما مات من غير أن يذكى ذكاة شرعية، يقال له ميتة. جلد الميتة إذا دبغ جاز استعماله عندنا. ميتة، مثلا شاة ماتت، هل يجوز أن نأخذ جلدها فندبغه وننتفع به؟ الجواب: نعم. ما هو الدليل؟ قال: قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، الحديث رواه الترمذي وهو في مسلم بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». أيما إهاب: الإهاب هو الجلد قبل أن يدبغ، فإذا دبغ سمي قربة أو غيره من التسميات. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، أو «إذا دبغ الإهاب يعني الجلد فقد طهر»، يعني صار طاهرا يجوز استعماله. ولأنه صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميتة، فقال صلى الله عليه وسلم: «هل لا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟» فقالوا: إنها ميتة. قال: «فإنما حرم أكلها»، والحديث رواه مسلم من حديث ابن عباس. «إنما حرم أكلها»، يعني حرم من الميتة أكلها، ولم يحرم الانتفاع بجلدها. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هل لا أخذوا إهابها يعني جلدها فدبغوه فانتفعوا به؟» انتفعوا به باتخاذه قربة أو وضع الماء فيه أو اللبن أو بافتراشه أو غير ذلك من أنواع الانتفاعات. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنما الذي حرم من الميتة هو أكلها، وليس الانتفاع بجلدها. قالوا: هذا فيما إذا كانت الميتة مما تحلها الذكاة، وإلا فلا. قالوا: هذا فيما إذا كانت الميتة مما تحلها الذكاة. طيب، أولا القول بأن جلد الميتة يطهر بالدباغ، هذا قول الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. وأما الإمام أحمد، فقد ذهب إلى أنه لا يطهر، وإنما يجوز استعماله في اليابسات، وأما في المائعات، كالماء ونحوه، فلا. وهناك رواية أخرى: أنه يطهر، وهذه الرواية التي اختارها كثير من الحنابلة، ووافق فيها قول الأئمة: أنه يطهر بالدباغ ويجوز استعماله. هنا مسألة أخرى: هل جلد كل ميتة يطهر بالدباغ، أو أن هذا خاص بجلد الميتة التي تحلها الذكاة؟ ما تحلها الذكاة، لو كانت حية وذكيت، ذبحت أو نحرت، صارت حلالا، كبهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، وكذلك الخيل، مما يحل بالذكاة، فإذا مات وصارت ميتة قبل أن تذكى، فهذه يطهر جلدها بالدباغ. والذي لا تحله الذكاة، يعني لو ذكي هو حرام، كالحمار الأهلي والبغل، وما كان مثل ذلك من الحيوانات التي يحرم أكلها، هذه إذا ماتت، هل يجوز الانتفاع بجلدها؟ وهل يطهر الجلد إذا دبغ؟ عندنا حمار ميت، هل ممكن أن تأخذ جلده وتدبغ وتنتفع به؟ يقول المؤلف: وهذا فيما إذا كانت الميتة مما تحلها الذكاة وإلا فلا، يعني إذا كانت الميتة مما لا تحلها الذكاة فإنها لا تطهر بالدباغ. هذا القول هو القول الصحيح في هذه المسألة: أن جلد الميتة الذي يطهر بالدباغ هو الذي تحله الذكاة، للحيوان الذي يباح أكله إذا ذكي. وأما ما لا تحله الذكاة، فإن جلده لا يطهر بالدباغ. طيب، خلافا لما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي، فذهبا إلى أنه يطهر جلد كل حيوان، ولو كان مما لا يؤكل، كالذئب ونحوه. لكن الأظهر -والله أعلم- هو تخصيص ذلك بما تحله الذكاة. ما هو الدليل على هذا؟ الدليل على هذا: نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن افتراش جلود السباع. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع أن تفترش، يعني يفرشها الإنسان ويجلس عليها ويستعملها. قال العلماء: والعلّة في ذلك هي كونها مما لا تحله الذكاة، فلا يحصل لها الطهارة بدبغها. وهذا القول رجحه شيخ الإسلام رحمه الله في إحدى الروايتين عنه، وهو ترجيح العلامة السعدي رحمه الله، وهكذا أيضا العلامة ابن عثيمين رحمه الله. قال: أما شعرها فهو طاهر، أي شعر الميتة المباحة الأكل في حال الحياة. وأما اللحم فإنه نجس ومحرم أكله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. شعر الميتة طاهر، أي الميتة المباحة الأكل في حال الحياة. عندنا شاة ماتت وفيها شعر كثير، هل يجوز الانتفاع بهذا الشعر بأن يجز وينتفع به؟ الجواب: نعم، هو طاهر. الشعر وكل ما لا تحله الحياة، فإنه يكون طاهرا: الشعر والريش والظفر والقرن. وهكذا أيضا العظم، على أحد القولين عند أهل العلم. منهم من يرى أنه نجس، ومنهم من يرى أنه طاهر وأنه يلحق بالظفر. وبعض العلم يقول: لا؛ لأنه يعني فيه شيء من الدم، فيكون ملحقا باللحم. فهذه الأشياء: الشعر والريش كما سمعنا، والصوف ونحوها، يجوز الانتفاع بها وتعتبر طاهرة. أما لحم الميتة، وكل ما يلحق باللحم من أجزاء اللحم، كالكرش والأمعاء ونحوها، فهذه تعتبر نجسة. قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. نعم، فكل ما يلحق باللحم فيأخذ حكمه. والعبرة -يقول أهل العلم- هو بوجود الدم، ما كان من أجزاء الميتة فيه دم، فهذا يعتبر نجسا، وما ليس فيه دم فهو طاهر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.