الدرس في شرح كتاب الطهارة 22، ألقاها
يستحب الوضوء عند ذكر الله تعالى وقراءة القرآن، وعند كل صلاة، وللجنب إذا أراد العودة للجماع أو النوم أو الأكل أو الشرب. هذه الأفعال يستحب معها الوضوء لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك.
يستحب الوضوء قبل النوم، وقبل الأكل إذا كان الشخص جنبًا، وقبل الغسل من الجنابة، والحفاظ على الوضوء في سائر الأحوال. الوضوء في هذه المواضع مستحب وليس بواجب.
المسح على الخفين والجوارب جائز باتفاق أهل السنة والجماعة، وقد دل على جوازه السنة والإجماع. وتواترت الأحاديث الصحيحة على ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أجمع العلماء على مشروعيته في السفر والحضر.
قال المؤلف وفقه الله: المسألة الثامنة: ما يستحب له الوضوء؟ قال: يستحبه الوضوء، ويندب في الأحوال التالية. أولاً: عند ذكر الله تعالى وقراءة القرآن، عند ذكر الله تعالى وقراءة القرآن المراد قراءة القرآن؛ يعني من غير مس المصحف، لأن مر معنا أن قراءة القرآن مع مس المصحف مباشرة بلا حائل لابد فيه من الوضوء، لابد فيه من الوضوء للأدلة التي ذكرنا، وإن كان الدليل الذي يستدل به هو الحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، مع ما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم، كعبد الله بن عمر، سلمان، من وجوب الوضوء لمس المصحف، ولا يعرف لهما مخالف، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكن إذا أراد أن يقرأ القرآن من غير ماذا؟ من غير المصحف، له أن يقرأ وإن كان على غير طهارة، له أن يقرأ وإن كان على غير طهارة. أو كذلك ذكر الله: تكبير، تهليل، تحميد، تسبيح، استغفار، فذكر الله لا يشترط له الطهارة، والدليل حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه». والحديث الصحيح: «كان يذكر الله على كل أحيانه»، فهذا يدل على أنه يذكر الله في حال طهارته، وفي غير طهارته، وهو قائم، وهو قاعد، وهو مضطجع، فيدل هذا على جواز ذكر الله على غير طهارة، لكن الأفضل هو أن يتوضأ، الأفضل أن يتوضأ ثم يذكر الله، سواء يقرأ قرآنًا، أو يسبح، أو يستغفر، أو غير ذلك من أنواع الذكر. قال: ثانيًا: عند كل صلاة؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة»، أخرجه البخاري. هذا أيضًا من الأعمال التي يستحب لها الوضوء؛ أنك تتوضأ لكل صلاة؛ يعني إذا جاء وقت الصلاة وأنت على طهارة، مثلاً صليت المغرب، وجلست تذكر الله، أو في مجلس علم كهذا المجلس، ثم جاء وقت صلاة العشاء وأنت على طهارة، يستحب لك أن تعيد الوضوء، يستحب لك أن تعيد الوضوء؛ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، ومواظبته على ذلك. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد إلا مرة واحدة؛ أنه صلى في يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد، فعل ذلك لبيان الجواز؛ لبيان الجواز، فصلىها بوضوء واحد كما ثبت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام. فالأفضل والأكمل أن الإنسان يتوضأ لكل صلاة؛ ينال أجر الوضوء الوارد في السنة، وكذلك أيضًا ينال أجر متابعة النبي عليه الصلاة والسلام في هذه السنة. قال: ثالثًا: يستحب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود للجماع، أو أراد النوم، أو الأكل، أو الشرب؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ». والحديث في مسلم. هذا فيما يتعلق في الجماع؛ يعني إذا جامع الرجل أهله، ثم أراد أن يعود مرة أخرى، فإنه يعيد الوضوء، يتوضأ بين ذلك بين الجماعين، يتوضأ، وهذا كما ورد في بعض الآثار والأحاديث: أنه أنشط وأطيب، لكن هذا على سبيل استحباب، على سبيل استحباب، فقوله: «فليتوضأ»، هذا الأمر هذا الأمر للاستحباب، وصارف له فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ أنه طاف على نسائه بغسل واحد. قال: ولحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام». والحديث كذلك في مسلم. هذا أيضًا فيما يتعلق في النوم؛ أحيانًا الإنسان يأتي أهله، ثم يكسل أن يقوم ويغتسل، ويريد أن ينام، ويريد أن ينام من غير غسل، فالأفضل والمستحب له أن يتوضأ ثم ينام، والنبي عليه الصلاة والسلام سئل: أن يرقد، أن ينام الرجل وهو جنب؟ قال: «يتوضأ أحدكم فليرقد»، إذا توضأ أحدكم فليرقد، فهذا من حيث الأفضل؛ أنه يتوضأ ثم ينام، هو في الحقيقة ما زال جنبًا؛ يعني الوضوء ما يرفع الجنابة، هو جنب، لكن الوضوء يخفف الجنابة، يخفف الجنابة، فيستحب له أن يتوضأ ثم ينام، وإن نام من غير وضوء فليس عليه شيء، ليس عليه شيء، لكن ترك الأفضل، ترك الأكمل هو أن يتوضأ ثم ينام. قال: وفي رواية لها: «فأراد أن يأكل أو ينام»، هذه الرواية فيها أنه كذلك يتوضأ إذا أراد أن يأكل وهو جنب؛ إذا كان جنبًا وأراد أن يأكل، فإنه ماذا؟ يتوضأ ثم يأكل، هكذا يقال أيضًا لمن كان عزبًا؛ العازب كذلك قد تصيبه جنابة، ربما يحتلم مثلاً فيكون جنبًا، فيكسل أن يغتسل في الليل، وقال له: توضأ ثم نم، توضأ ثم نم، وهكذا إذا أراد أن يأكل وما زال على جنابته، يستحب له أن يتوضأ ثم يأكل. قال: الوضوء قبل الغسل؛ يعني رابعًا مما يستحب له الوضوء الوضوء قبل الغسل. قال: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة». الحديث هذا والشاهد من الحديث في غسل النبي صلى الله عليه وسلم للجنابة؛ أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة، فهذا الغسل طبعًا في هذه الصفة صفة غسل الجنابة هي الصفة الأكمل والمستحبة كما سيأتي ذلك في موضع إن شاء الله. قالت: «يتوضأ وضوءه للصلاة»؛ يعني في أثناء الغسل وقبل أن يغسل؛ بعد أن يغسل فرجه يتوضأ وضوءه للصلاة، هذا الوضوء في غسل الجنابة مستحب، هذا الوضوء في غسل الجنابة مستحب وليس بواجب، بداية لو أنه اغتسل مباشرة؛ يعني عمم جسده بالماء وأتى بالغسل المجزئ، فغسله صحيح، الجنابة ترتفع، لكن هذه الصفة ومنها الوضوء في أثناء الغسل، هذا الوضوء مستحب وليس بواجب. قال: خامسًا: عند النوم؛ لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن». الحديث هذا أيضًا مما يستحب له الوضوء؛ الوضوء عند النوم، ولو كان على غير جنابة، ولو كان على غير جنابة؛ يأتي الإنسان يريد أن ينام، يتوضأ قبل النوم ثم ينام، هذا الوضوء قبل النوم مستحب وليس بواجب. هذه مواضع يستحب فيها الوضوء، وقد يضاف أيضًا مما يستحب له الوضوء: الوضوء إذا أحدث؛ الوضوء إذا أحدث ولم يوجد مثلاً سبب له الوضوء؛ يعني لا يريد مثلاً قراءة قرآن أو صلاة أو نحو ذلك، لكن من باب أن يكون على طهارة في سائر أحواله، هذا أيضًا مستحب؛ أن يحافظ على الوضوء في سائر أحواله، والدليل حديث الثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن؛ فالوضوء إذا أحدث الإنسان في سائر أوقاته وأحواله، هذا أيضًا مما يستحب لهذا الحديث. قال: الباب السادس في المسح على الخفين والعمامة والجبيرة، وفيه مسائل. قال: الخف هو ما يلبس على الرجل من جلد ونحوه، وجمعه خفاف، ويلحق بالخفين كل ما يلبس على الرجلين من صوف ونحوه. الخف ما يلبس على الرجل من جلد؛ هذا الأصل في الخف أنه يكون من جلد، مثل نعال العساكر، ترون نعال العساكر هذه السوداء، هذه تعتبر في حكم الخفاف؛ لأنها من جلد وتغطي الكعبين، فالخف ما يغطي الكعبين ويلبس على الرجل من الجلد ونحوه؛ أي ما كان مثله من غير الجلد، فيأخذ حكم الخف كالصوف، كلباس الجوارب والشرابات ونحوها، هذه تأخذ حكم الخفين. قال: المسألة الأولى: حكم المسح على الخفين ودليله. قال: المسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة والجماعة، باتفاق أهل السنة والجماعة على أنه يشرع المسح على الخفين، وخالف أهل السنة والجماعة من؟ من الرافضة، الرافضة خالف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وقالوا ببدعة المسح على الخفين، ولهذا ذكر العلماء هذه المسألة في كتب العقائد؛ ذكروا في كتب العقائد ماذا؟ أنه يشرع المسح على الخفين، ويرد على الرافضة في هذه المسألة، والعجب من سخافة عقولهم؛ أنهم يرون عدم مشروعية المسح على الخفين، ويرون مشروعية المسح على القدمين، يرون مشروعية المسح على القدمين وهي مكشوفة، ولا يرون مشروعية المسح على الخفين وهي ماذا؟ ساترة للقدمين. قال: وهو رخصة من الله عز وجل تخفيفًا منه على عباده، ودفعًا للحرج والمشقة عنهم، وقد دل على جوازه السنة والإجماع، بل ويقال: والكتاب، ودليل الكتاب قراءة الجر في قوله جل وعلا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فإن قراءة الجر كما مر معنا تحمل على أحد المعنيين على جواز المسح على الخفين؛ المراد بها المسح على الخفين. قال: أما السنة فقد تواترت الأحاديث الصحيحة على ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وأمره بذلك وتقريره فيه. ففي أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد بلغت حد التواتر، ومما تواتر حديث: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، وحديث: «من بنى لله بيتًا»، ورواية: «شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم»، ورواية: «حوض النبي صلى الله عليه وسلم»، ومسح الخفين، وهذه بعض نعم فيها حديث كثيرة متواتر؛ حديث المغيرة، وحديث ثوبان، وحديث صفوان بن عسال، وحديث جرير، وغيرها كثير في مشروعية المسح على الخفين. قال: إمام أحمد رحمه الله: «ليس في قلبي من المسح شيء»؛ يعني في مشروعيته وفي جوازه. قال: «فيه أربعون حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم»، والمراد بقوله: «ليس في قلبي»، أدنى شك في جوازه. وقال الحسن البصري: «حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين». ومن هذه الأحاديث حديث جرير بن عبد الله قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه». قال الأعمش عن إبراهيم: «كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة»؛ يعني آية الوضوء، يعجبهم حديث جرير؛ لأن إسلامه متأخر بعد نزول آية الوضوء، وهي الآمرة بغسل القدمين، فيكون ذلك دليل على أن مسح الخفين ماذا؟ لم ينسخ، بل هو مشروع، والحكم فيه مستمر. قال: وقد أجمع العلماء من أهل السنة والجماعة على مشروعيته في السفر والحضر؛ لحاجة أو لغيرها؛ يعني الإنسان أن يلبس الخفين ويمسح عليهما، سواء كان لحاجة أو لغير حاجة؛ لحاجة مثلاً للبرد، إذا كان الجو باردًا، أو في قدمه شيء من الجروح، ولغير حاجة؛ لغير سبب من هذه الأسباب، يريد أن يلبس الخفين ويصلي فيهما ويمسح عليهما، فله ذلك؛ يعني ليس مشروعية لبس الخفين مقيدة بسبب، لا له أن يلبسها ولو لم يكن هناك سبب. قال: وكذلك يجوز المسح على الجوارب، وهي ما يلبس على الرجل من غير الجلد كالخرق ونحوها، وهما يسمى الآن بالشراب؛ لأنهما كالخف في حاجة الرجل إليهما، والعلل فيهما واحدة؛ يعني في غطائها القدمين وسترها، أو تسخين القدمين من البرد مثلاً في وقت البرودة. قال: وقد انتشر لبسها أكثر من الخف؛ فيجوز المسح عليها إذا كانت ساترة؛ نعم، صار استعمال الجوارب هذه والشرابات أكثر ربما من لبس الخفاف، فلذلك تلحق بالخف في الحكم؛ فيجوز المسح عليها بالشروط التي دلت عليها الأدلة، وسيأتي إن شاء الله ذكرها بإذن الله في الدرس القادم. صلى الله وسلم على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.