الدرس في كتاب الحدود 11، ألقاها
يشترط لإقامة حد السرقة أن يكون السارق مكلفًا ومختارًا وعالمًا بتحريم السرقة، وأن يكون أخذ المال على وجه الخُفية. يُشدد على أن يكون المسروق مالًا محترمًا يُنتفع به من الحلال.
يُوضح أن الحد لا يُطبق على الصغير والمجنون والنائم والمكره، بينما يُطبق على من هو مكلف ومختار. يُشترط في السارق أن يكون عالمًا بتحريم السرقة.
مال الكافر الحربي لا يعتبر مالًا محترمًا، وبالتالي لا يُطبق حد السرقة عليه. يتم التأكيد على أن الكافر الحربي لا يملك مالًا محترمًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثانية من الباب الخامس في حد سرقة: المسألة الثانية شروط وجوب حد السرقة، أي ما هي الشروط التي بتوفرها يحد السارق على سرقته؟ وما هي السرقة المعتبرة شرعًا؟ يُشترط لإقامة حد السرقة وقطع السارق الشروط التالية. أولًا: أن يكون أخذ المال على وجه الخُفية، فإن لم يكن كذلك فلا قطع. فالمنتهب على وجه الغلبة، والمغتصب، والمُختطف لا قطع عليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مُختلِس قطع». هذا هو الشرط الأول من شروط السرقة التي يحد صاحبها حد السرقة. أولًا: أن يكون أخذ المال على وجه الخُفية. ومعنى هذا أنه إذا أخذ المال جهرةً أمام الناس، على مسمع ومرأى من الناس دون خُفية، فإن هذا لا يُقال فيه بأنه سارق، ولكن يكون بحسبه: قد يكون منتهبًا، وقد يكون مُغتصبًا، وقد يكون مُختلِسًا، كلٌّ بحسبه. فشرعًا لا يُسمَّى سارقًا؛ لأن السارق من شرطه أن يكون سرق خُفيةً، وهذا ليس كذلك. فالمنتهب، كما مرَّ معنا، أن يأخذ الأموال على وجه القوة والغلبة. ينتهب كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَلَا يَنْتَهِبُوا نَهْبَةً» أو «نُهْبَةً» حين ينتهبها، وفي بعض الروايات: «وَلَا يَنْتَهِبُوا نُهْبَةً تُرْفَعُ إِلَيْهَا أَنْظَارُ النَّاسِ» وهو مؤمن. فأشهد أن النُّهْبَة هو أخذ مال الغير بغير حق، لكن على وجه الغلبة والظهور. المغتصب: المغتصب هو كذلك يأخذ حق غيره عنوةً وقوةً، على سبيل الظهور. وكذلك المختلس: المختلس كذلك ليس بسارق، لكن ليس لأنه لم يأخذ الشيء خفية. المختلس، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، إما أن يأخذ مال الغير خفيةً من غير حرز، وإما أن يكون أخذ مال الغير على سبيل الأخذ الذي فيه معنى السرقة والهرب، يعني فيه معنى أخذ ذلك المال مع الهرب به. مثاله: لو أن إنسانًا يمشي في الطريق، أو امرأة تمشي في طريق، فمر رجل بدراجة نارية فأخذ منها حقيبتها، وكان فيها مال لها، هذا يسمى مختلسًا. وقد يسمى مغتصبًا أيضًا. وكذلك المختلس من أخذ مال غيرهم على سبيل الخفية، لكن لا من مكان محرز. مثاله أيضًا: أن يذهب الرجل مثلًا عند صاحب دكان، فيقول له: تلك البضاعة التي في طرف المحل ائتني بها، فيذهب فيأخذ شيئًا مما هو قريب منه، هذا يسمى مختلسًا، وليس يسمى سارقًا؛ لماذا؟ لأنه ما أخذ شيئًا من مكان محرز، ليس بحرز. فالحاصل أن المختلس قد يكون أخذ خفيةً، وقد يكون أخذ جهرةً، ويكون في هذا المعنى بمعنى المختطف، أو معنى المغتصب، أخذ حق غيره غصبًا؛ لأن لفظ الغصب أعم. قد يكون أخذ حق الغير على سبيل الغصب، فيجامع الانتهاب، وقد يكون أخذ حق الغير غصبًا، فيكون كذلك بمعنى الاختلاس وما شابه ذلك. فالحاصل أن المنتهب، وكذلك المغتصب، ويدخل فيه كذلك المختطف، لم يأخذ المال خفيةً، وإنما أخذها جهرةً، فهو ليس بسارق شرعًا. وكما جاء في الحديث: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع». والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وهذا فيه بيان منه صلى الله عليه وسلم على التفريق، بيان للتفريق بين السارق الذي يستحق الحد، وبين غيرهم ممن أخذ أموال الغير، فهو لا يستحق الحد، لكن يعزر ويؤدب ويحبس بحسب ما يراه الحاكم، وبحسب ما يكون رادعًا له ولأمثاله. الشرط الثاني: أن يكون السارق مكلفًا، مكلفًا بالغًا عاقلًا. أن يكون مكلفًا بالغًا عاقلًا، فلا قطع على الصغير والمجنون؛ لأنه مرفوع عنهما التكليف كما مر. ولكن يؤدب الصغير إذا سرق. معنى هذا، كما مر معنا مرارًا، أن الطفل الصغير، وكذلك المجنون، غير مكلفين. فلو وقع منهم شيء من هذه الأمور، فإنهم لا يحدون؛ لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ». فهم غير مؤاخذين. وفي قول، وفي قول في هذا الشرط: أن يكون السارق مكلفًا، كما هو ظاهر، يدخل فيه كل مكلف، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم. يدخل فيه كل مكلف، مسلمًا كان أو غير مسلم. يعني لو سرق ذمي أو معاهد أو مستأمن، هل يقام عليه الحد أم لا؟ الجواب: نعم، بل من باب أولى؛ لأن حرمة المؤمن أشد من حرمة هؤلاء. فإذا قيم الحد على المسلم إذا سرق، فغيره من باب أولى، ولا سيما ممن دخل تحت حكم أهل الإسلام. الأمر الثالث: أن يكون السارق مختارًا، فلا قطع على مكره؛ لأنه معذور، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وهذا يدلنا على أن المكره معذور في سرقته؛ لأنه لم يعزم على السرقة أصلا، وإنما فعل إكراهًا. مثل ماذا؟ مثلًا: يأخذ ولده أو يهدد هو بالقتل: إما أن تسرق مال فلان وإلا قتلناك، أو وإلا قتلنا ولده، أو ما شابه ذلك من أنواع الإكراه التي يُعذر صاحبها بسببها إذا فعل شيئًا من المحظورات دون ما هو عليه من الإكراه. ومنها هذا الأمر، فإذن لابد أن يكون مختارًا، فلا قطع على المكره للحديث المذكور والمعنى المذكور. الأمر الرابع: أن يكون عالما بالتحريم، فلا قطع على جاهل بتحريم السرقة. وهذا كذلك يدخل تحت الحديث السابق، القاعدة السابقة: «إذْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ». لو أن إنسانًا مثلا حديث عهد بإسلام، وما كان يعلم أن السرقة حرام، فسرق مالًا للغير، فأتي به إلى الحاكم، وشهد عليه الشهود بأنه سرق، وهو يقول: ما لكم؟ ماذا صنعت؟ ماذا صنعت؟ يقولون: كيف ماذا صنعت؟ سرقت. ما معنى سرقت؟ أنا أخذت مالًا. فيقول: سرقت، والسرقة حرام. أما علمت هذا؟ فيقول: ما علمت. وكان يظهر عليه ذلك أنه ما يعلم أن السرقة حرام، فمثل هذا لا يؤاخذ؛ لأنه لا يعلم أصلًا الحرمة. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وهذا من العذاب. لو قطعت يده؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾. فإذا لم يعلم أصل الحرمة، فإنه لا يقطع، لا تقطع يده؛ لماذا؟ لأن أقل أحواله أن يكون في الحد شبهة، والشبهات تدرأ الحدود في هذه الأبواب، أبواب الحدود. الشبهة تدرأ الحد، وهذا من هذا الباب. لكن كما قد ذكرنا فيما مضى: يكتفى بالعلم في هذا الباب، ورفع الجهل في هذا الباب، بأن يعلم أن السرقة حرام، ولو لم يعلم بأنها تستوجب الحد. واضح يا أخوة؟ يعني لو أن إنسانًا كان يعلم أن السرقة حرام، فلما أخذ إلى الحاكم وشهد عليه الشهود، قيل له: نقطع يدك. قال: لماذا تقطعون يدي؟ فقال له: هذا الحد، هذا الفعل، هذا الجرم ما تستحقه، أو جعل الله جل وعلا لها حدًا في كتابه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. فيقول: والله ما علمت هذا الحكم أبدًا. أقرأ القرآن، يقول: لما أقرأه أحفظ سورة، سورتي من الصغار، أقرأ بها في صلاتي، أعلم بأن السرقة حرام. يقول: نعم، أعلم أن السرقة حرام، ولكن لا أعلم أن من سرق أن يده تقطع. فمثل هذا: هل تقطع يده أم لا؟ الجواب: تقطع يده؛ لماذا؟ لأنه عالم بالحكم، وإن لم يعلم الجزاء. واضح يا أخوة؟ أم لا؟ يُكتفى في مثل هذا بمعرفة الحكم، ولو لم يعلم تفصيل أو تفاصيل الجزاء. إذن قولهم في هذا الأمر: أن يكون عالما بالتحريم، أي عالما بحكم التحريم، ولو لم يكن عالما بأنه يستوجب حد القطع. فإن كان يعلم حد القطع أنه يستوجب حد القطع، فهذا من باب أولى. الخامس: الشرط الخامس أن يكون المسروق مالا محترمًا، مالا ومحترمًا. إذن عندنا وصفان: الوصف الأول أن يكون مالا، فخرج ما ليس بمال. الوصف الثاني أن يكون محترمًا، فخرج ما كان مالا ولكن ليس بمحترم. قالوا: أن يكون مالا محترمًا. فما ليس بمال لا حرمة له، كآلات الله، والخمر، والخنزير، والميتة. طيب قد يقول قائل: آلات الله والخمر والخنزير والميتة ربما لها أثمان وتباع وتشترى، فكيف لا نقول بأنها مال؟ واضح هذا يا جماعة أم لا؟ يعني الآن الخنزير في بعض البلاد يباع ويشترى أم لا؟ والخمر يباع ويشترى أم لا؟ في بلاد المسلمين يباع ويشترى، وإن الله وإن إليه راجعون، وهذا حرام وجريمة والعياذ بالله. الحاصل من هذا: إذا قال لنا قائل: الخمر مثلا أو ما ذكر: آلات الله، الخمر، الخنزير، الميتة، هذه مال، هذه أموال. كيف تقول بأنها ليست بأموال؟ فما هو الجواب؟ الجواب: أن المال شرعًا هو ما ينتفع به من الحلال، هذا هو ضابط المال الشرعي المعتبر. ما ينتفع به من الحلال. فما كان ينتفع به من غير الحلال فليس بمال. وما كان مالا ينتفع به، فمن باب أولى بأنه ليس بمال. إذا ضابط المال لابد أن يجتمع فيه أمران: الأمر الأول أن يكون مما ينتفع به، الأمر الثاني أن يكون مباحًا. فإذا اختل أحد الشرطين فليس بمال. والأمر ها هنا كذلك. فآلات الله لا ينتفع بها، ولا حلال. الخمر لا ينتفع به، ولا حلال. الخنزير لا ينتفع به، ولا حلال. والميتة لا ينتفع بها، ولا حلال. بل هي ماذا؟ فهي ماذا؟ ليس بمال. واضح هذا يا أخوة أم لا؟ طيب وكذا ما كان مالا، لكنه غير محترم، هو مال ولكنه غير محترم، كمال الكافر الحربي. فإن الكافر الحربي حلال الدم والمال، لا قطع فيه. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.