فضائل مكارم الأخلاق والآداب

الخطبة بعنوان فضائل مكارم الأخلاق والآداب، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 محرم 1445هـ الموافق 11 أغسطس 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الأخلاق في الإسلام وتأصيلها الشرعي

يؤكد الخطيب على أهمية الأخلاق في الإسلام، مشيرًا إلى دور النبي محمد صلى الله عليه وسلم في إتمام مكارم الأخلاق. يشدد على ضرورة التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب.

فضائل الأخلاق الحميدة ومزاياها في الإسلام

يُبين أهمية الأخلاق الحميدة في الإسلام من خلال توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر بعض الفضائل المرتبطة بها مثل كمال الإيمان ودخول الجنة وتثقيل الموازين يوم القيامة.

ثمار حسن الخلق ومكاسبه في الدنيا والآخرة

يُشدد على أهمية حسن الخلق في نيل محبة الله ورسوله، ويُبين أن حسن الخلق يعمر الديار ويزيد الأعمار، وأن خيار الناس عند الله هم أحسنهم أخلاقًا.

خاتمة وتوجيهات عملية ودعاء

يؤكد على أهمية الخلق في الدين ويدعو الله أن ينفع بما قيل ويجعلنا من أهل الخير ويغفر للمؤمنين والمؤمنات، ويُنهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الناس حين ابتعدوا عن تعلم أمور دينهم أداهم ذلك لأن يتركوا ويهملوا الكثير والكثير من مسائل الشرع والدين، وإن من تلكم الأمور والتي أصبحت قليلة الوجود لقلة من يعمل بها ويتصف بها حتى ظن من ظن منا أنه لا يترتب عليها حساب ولا يترتب على تركها عقاب ما يكون من أمر الأخلاق والآداب. أي نعم، عباد الله، إن أمر الأخلاق من أهم أمور ديننا، بل هو من أصول شريعتنا، ومن حرمها فقد حرم الخير كله، فقد حرم الخير كله، بل إن الله جل وعلا لعظمة أمر الأخلاق عنده ما أرسل الرسل وما أنزل الكتب إلا لكي يبينوا للناس الأخلاق الحميدة من الأخلاق الذميمة. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى عناية عظيمة بأمر الأخلاق، وذلك بدءًا بتطبيقها على نفسه قبل أن يلزم بها غيره، حتى أن الله جل وعلا وصفه بحسن خلقه، فقال جل شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وإنك لعلى خلق عظيم، فكفى بشهادة الله شهادة على حسن خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد كان عليه الصلاة والسلام كما قال أنس: «من أحسن الناس خلقًا»، كم ضرب لنا أروع الأمثلة عليه الصلاة والسلام في التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، من التحلي بصدق الحديث والوفاء بالعقود والعهود والكرم والشجاعة والقناعة. حتى أن عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سئلت عن خلق نبينا عليه الصلاة والسلام قالت: «كان خلقه القرآن»، كان خلقه القرآن، أي من شدة تحريه عليه الصلاة والسلام في أن يأخذ بكل أدب وخلق أوجده الله في كتابه حتى تحلى به في نفسه، فكان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام. عباد الله، هذه أخلاقه صلوات ربي وسلامه عليه، فما ترى كيف هي أخلاقنا إن سئلنا عنها؟ فماذا عسانا أن نجيب؟ وقد دب فينا الكثير من الأخلاق الفاسدة والآداب الكاسدة، من الكذب والغش والخديعة، ومن الشحناء والبغضاء والقطيعة، نسأل الله السلامة والعافية. وإن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما التزم الأخلاق في نفسه شرع عليه الصلاة والسلام في أن يأمر بها غيره وألزم بها الناس، حثهم وأرغبهم وأرشدهم وأمرهم بضرورة التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. ففي الصحيح من حديث أبي ذر أنه قال لأخيه قبل إسلامه: «يا أخي اركب إلى ذاك الوادي واسمع من ذاك الرجل بماذا يأمر»، فرجع أخوه فقال: «يا أخي لقد سمعته يأمر بمكارم الأخلاق»، لقد سمعته يأمر بمكارم الأخلاق. بل إن عناية نبينا صلى الله عليه وسلم بأمر الأخلاق وصل إلى حد أنه قرع أبواب السماء ورفع أكف الضراعة والدعاء إلى رب الأرض والسماء، لا لشيء، لا لشيء، وإنما يسأله ويستهديه في أن الله جل وعلا يلهم محاسن الأخلاق. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت». تأمل يا عبد الله في هذا التضرع والالتجاء من نبينا عليه الصلاة والسلام لربه يسأله في أن الله جل وعلا يلهمه مكارم الأخلاق، وثبت أيضًا في مسند الإمام أحمد من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي». وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه لربه أنه كان يسأل ربه جل وعلا ويستعيذ به في أن يجنبه ويبعده من الأخلاق الفاسدة، فكان من دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء». عباد الله، هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم في دعائه لربه، فلينظر كل منا إلى نفسه عند تضرعنا ودعائنا إلى ربنا، من منا يجعل لأمر الأخلاق حظًا من الدعاء؟ إنهم القليل منا، وذلك لجهلنا وعدم تقديرنا لهذا الباب العظيم من أبواب الدين. عباد الله، وإن الشرع الحكيم دفعًا للمسلمين للتحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ذكر وعدد الكثير والكثير من الفضائل والمناقب حتى نشمر عن ساعد الجد في التحلي بها والاتصاف بها. فمن فضائل مكارم الأخلاق أن الشرع الحكيم جعلها أمارة وعلامة في معرفة إيمان العباد، قال عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا»، وفي رواية: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير في الذي لا يألف ولا يؤلف». هكذا الخلق جعله الشرع معيارًا وميزانًا في معرفة إيمان العباد، فلينظر كل منا إلى أخلاقه وإلى آدابه، فإن رأى أن الله جل وعلا وفقه إلى خلق حسن فليحمد الله، ومن رأى خلاف ذلك فعليه أن يعجل في تصحيح أدبه وفي تصحيح مساره لأن ذلك دلالة على ضعف إيمانه. وأيضًا مما ذكر من فضائل مكارم الأخلاق أنها سبب من أعظم الأسباب في دخول الجنان، روى الإمام الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «تقوى الله وحسن الخلق». نعم يا عبد الله، لا تستهين بباب الأخلاق والآداب، فإنها كفيلة بأن تدخلك الجنان متى ما كنت على أخلاق وآداب، وليس الأمر فقط يقتصر على دخولك الجنة، بل إن الله جل وعلا يعطيك الدرجة العليا في جنان الخلد. عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وزعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وزعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». فهنيئًا لك يا صاحب الخلق الحسن أن ترتقي في أعالي الجنة، وذلك بما حباه الله لك من حسن التعاملات، وليكون حسن المعاملة إلا من رجل حاز على مكارم الأخلاق. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. عباد الله، فمما مضى علمنا شيئًا من أهمية الأخلاق في دين الإسلام، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى عناية عظيمة بهذا الباب بدءًا بتطبيقه على نفسه ثم بإلزام غيره به، ثم ما كان من شدة تضرعه لربه سبحانه وتعالى. وأشرنا كيف أن الشرع الحكيم دفع الناس لهذا الباب بذكر العديد والكثير والكثير من الفضائل والمناقب، فهي علامة على كمال الإيمان، وهي سبب من أعظم الأسباب في دخول الجنان. وهكذا مما يذكر من فضائل الخلق الحسن أنك يا عبد الله بحسن خلقك يمكنك اللحوق بأصحاب أمهات العبادات، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن بحسن خلقه ليدرك درجة الصائم والقائم». فبإمكانك يا عبد الله بأخلاقك وآدابك أنك تلتحق بأهل المراتب السامية، وذلك متى ما قصر به عملك من اللحوق بالمراتب العالية، ففي الأخلاق العوض لأن تدرك مراتب الأمور. كذلكم عباد الله، من فضائل الخلق الحسن أنها من أعظم الأسباب في تثقيل الموازين يوم القيامة، فعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن». فيا عبد الله، من الآن سارع في تثقيل موازينك وذلك بالاستزادة والاستكثار من الأخلاق والآداب، فإنه من قلت موازينه فهو في عيشة راضية. وكذلكم من فضائل مكارم الأخلاق أنك بها يا عبد الله تنال محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقًا». فإذا أردت يا عبد الله أن تنال المحبة من رسوله وهكذا القرب منه يوم القيامة، فقد روى الإمام الترمذي من حديث جابر بن عبد الله قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا». تنال الدنيا والقرب من نبيك عليه الصلاة والسلام، أنعم بها من منزلة، وليس الأمر فقط يقتصر على نيل محبة رسول الله، بل بحسن خلقك تنال محبة الله جل في علاه. روى الإمام الحاكم في مستدركه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أحاسنهم أخلاقًا»، فأنت يا عبد الله بأمر يسير وهو بين يديك به تنال محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، وذلك أن تربي نفسك على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والآداب. وهكذا عباد الله، من فضائل هذا الباب وهي من الفضائل المعجلة التي يجعلها الله لك يا من اعتنيت بحسن خلقك وصابرت وثابرت، فعاشرت الصغير والكبير والقريب والبعيد على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، أن الله جل وعلا يعطيك ويمنحك ويحببك من الفضائل ما يكون قرة عين لك في هذه الدار في هذه الدنيا. ومن ذلكم ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزداد في الأعمار». صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار بالخيرات والأرزاق والبركات، وأيضًا يزداد في الأعمار، يعطيك الله جل وعلا عمرًا مديدًا ويفسح لك في دهرك زمنًا طويلًا. تجدانك يا عبد الله لا من خلال العقاقير ولا من الذهاب إلى المستشفيات والسفريات إلى البلاد العظمى كما يفعل الأغنياء والأثرياء في سبيل الإطالة للأعمار، لا يا عبد الله، هي بين يديك، صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزداد في الأعمار. وهكذا عباد الله، وأخيرًا من فضائل حسن الخلق وما يكون من حسن العشرة والأدب ما يكون من إثبات الخيرية لك، فإن خيار الناس عند الله جل وعلا وهو الذي يبتغيهم وهو الذي يرضى عنهم ليسوا من آتاهم الله مالًا ولا نفوذًا أو سلطة أو منصبًا أو مكنهم الله من حظ من حظوظ الدنيا. بل إن خيار الناس عند الله من ربى نفسه على الأخلاق الحميدة وعلى الآداب السديدة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا»، هؤلاء هم خيار الناس عند الله وعند رسوله. وسئل عليه الصلاة والسلام عن خير ما يعطاه الإنسان، فقال عليه الصلاة والسلام: «خلق حسن»، هذه نعمة عظيمة منه جليلة أن الله يصطفيك من دون الناس فيعطيك من مكارم الأخلاق ما يعطيك، خير ما يعطاه الإنسان خلق حسن. وروى الإمام أحمد في مسنده قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخياركم؟» قلنا: «بلى يا رسول الله»، قال: «خياركم أطولكم أعمارًا أحاسنكم أخلاقًا». عباد الله، إن الفضائل في هذا الباب لكثيرة وكثيرة جدًا، وكلها تصب في أن المنازل العليا والمكارم والمناقب جعلها الله جل وعلا في من ربى نفسه في هذه الدنيا على أن يعاشر خلق الله بأحسن الآداب وأحسن الأخلاق. فالله الله يا عبد الله بهذا الباب العظيم في أن تعاشر غيرك، وخاصة من أقرب الناس، من أقرب الناس إليك، أن تعاشرهم بالحسنة، أن تعامل والديك بأحسن الآداب ومكارم الأخلاق، لا تجعلها لأصحابك، لا تجعلها لزملائك، وإنما اجعلها لوالديك، وهكذا كن على خلق حسن مع أهلك وزوجك وأولادك ومع قرابتك وأرحامك ومع عامة الناس. فإن ذلك منحة عظيمة لا يعلم بها إلا من علم بعظيم قدرها عند ربنا، قال ابن القيم رحمه الله: «الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.