الخطبة بعنوان وصايا في استقبال العام الدراسي، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 صفر 1445هـ الموافق 25 أغسطس 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الخطيب بالتأكيد على أهمية تقوى الله والقول السديد، ثم ينتقل إلى الحديث عن بداية العام الدراسي الجديد وضرورة اجتهاد الطلاب في طلب العلم. يشير إلى أن أشرف العلوم هو علم الشريعة.
يوصي الخطيب الطلاب بضرورة استحضار النية الحسنة في تعلمهم، وأن يكون علمهم محفوفًا بالأدب. كما يوصي المعلمين بتقوى الله في أمانة التدريس وبذل الجهد في تفهيم الطلاب.
ينبغي الحرص في المرافق التعليمية على إقامة الصلوات وبناء المصليات، ومراقبة الطلاب والمعلمين لضمان عدم انتشار الفساد والرذائل. يجب اختيار المعلمين على أساس العقيدة الصحيحة والفهم السليم للإسلام.
المقطع يتضمن دعاءً للمسلمين والمسلمات بالمغفرة والرحمة، ويختم بالصلاة على النبي محمد عليه السلام. يُطلب من الله النفع بما قيل ويسأل الله أن يجيب الدعوات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها نحن على مشارف العام الدراسي الجديد، حيث يستعد أبناؤنا ذكورًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا، للتوجه إلى قاعات الدراسة، إلى المدارس والكليات، وإلى المعاهد والجامعات، كل ذلك في سبيل تلقي العلوم والمعارف، ومعرفة القراءة والكتابة. وقد أشارت السنة النبوية إلى هذا المعلم الحضاري من قيام الدول والحكومات على محاربة الجهل والأمية في كافة المستويات، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أشراط الساعة أن يفيض المال وتفشو التجارة وتظهر الفتن ويظهر العلم»، وجاء في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة وقطع الأرحام... إلى أن قال: وظهور القلم»، قال شراح الحديث: ومعنى ذلك أي ظهور علم الكتابة. وإن مما ينبغي أن يعلم، رعاكم الله، أن أشرف العلوم على الإطلاق هو علم الشريعة القائم على الكتاب والسنة في فهم مسائل الدين والشريعة والملة، فهذا العلم ما هناك علم يدانيه ولا يوازيه ولا يساويه، بل فضائل العلم في القرآن والسنة إنما تتنزل بخصوص هذا العلم، وما سواه من العلوم فهي على قدر نية ومقصد صاحبها. عباد الله، وإن مما أحب في هذا المقام أن أوصي به الطلاب، وهم في بداية العام الدراسي الجديد، ما ينبغي ويكون من الحرص على الجد والاجتهاد، وعلى المواظبة والانتظام، فإنه من كانت له بداية مخرقة كانت له نهاية مشرقة، ومن جد وجد، ومن سار على الدرب وصل. وإن الإنسان بمذاكرته للعلوم باستمرار أدى ذلك إلى زيادة قدراته الاستيعابية وقدراته العقلية، ونمت عنده المدارك الذهنية، فازداد ذكاءً وفهما، وازداد نبوغًا وحفظًا، بخلاف الذي ألف الكسل والخمول والتقاعس والفتور، فما حرك عقله لأي مجهود، فإنه سرعان ما يسرع إليه الغباء والبلادة وجمود الفكر وقلة النباهة. فاحرص يا طالب، فاحرص يا أيها الطالب على كثرة المذاكرة، وأيضًا مما يوصى به الطلاب وهو في مقتبل تدريسهم بضرورة استحضار النية الحسنة، فهو ينوي في تعلمه أن يرفع الجهل عن نفسه وعن أمته، وأن يكون نافعًا لمجتمعه، وأن يكون رافعًا لمجتمعات المسلمين، فيستغنون عن التبعية والتقليد لأعداء الدين، فمن حرص على هذه النية فقد جمع بين خيري الدنيا والآخرة. أما من أقبل على التعليم وما همه إلا الشهادة، فلا أجر له ولا ثواب، لأن الأجر إنما يكون على قدر الاحتساب. وأيضًا مما ينبغي أن يوصى به الطلاب وهم في قاعات الدراسة أن يكون علمهم محفوفًا بالأدب، إذ أن التربية قبل التعليم، قال عبد الله بن المبارك: «تعلمت الأدب عشرين سنة، ثم تعلمت العلم»، وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم. وأدب الطالب يكون أولًا في نفسه بأن يتحلى بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، ثم ما يكون من أدب الطالب مع إخوانه من زملائه وأقرانه بأن يكون قدوة حسنة لهم، وهكذا ما يكون من أدب الطالب مع معلميه ومدرسيه من ضرورة إجلالهم واحترامهم، وما يكون من توقيرهم وتقديرهم، فإن ذلك من أعظم حقوقهم. ومما أوصي به أهل الدراسة من المدرسين والمعلمين بأن يتقوا الله في هذه الأمانة، أمانة التدريس التي أوليت عليهم وفي أعناقهم، وذلك بدءًا بحمل الكفاءة العلمية والأهلية لهذه المسؤولية، لأنه توصل إليها بمحسوبية أو بطرق ملتوية، فإن التدريس إذا وصد إلى غير أهله كان أثر ذلك السيئة على سلوك الطالب وعلى فهمه. وعلى المدرس والمعلم أيضًا أن لا يقتصر في وظيفته على الحرص على جمع المال، بل ينبغي أن يبذل قصارى جهده في مسألة الاستيعاب والإفهام، وذلك بأن يحرص كل الحرص على تفهيم الطلاب، وذلك بالتسهيل والتبسيط للمسائل والدروس والأحكام، وأن يصبر ويثابر على ذلك قدر الإمكان. فاحرص يا أيها المعلم على الطلاب، وأيضًا مما يوصى به من كان مدرسًا أو معلمًا بأن يؤدي الأمانة على أكمل وأحسن وجوهها، فإنها أمانة وسيسأله الله عنها يوم القيامة. وإن من أعظم من يخص بالوصية في سلك التعليم من كان من أهل الإدارة الذين بأيديهم زمام الأمور والمبادرة، وخلاصة النصيحة لهم بأن يبعدوا مقام التعليم عن المخالفات الشرعية في جميع المرافق والنواحي الدراسية، فإن العلم إذا كان محفوفًا بالطاعة بعيدًا عن المخالفة كان أبرك وأنفع لصاحبه. قال الله: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾، وما تقوى الله إلا بفعل الطاعة وترك المخالفة، فمن هنا ما هناك داع للاختلاط بين الذكور والإناث، وقد وسع الله على البلاد، ما هناك داع، فإن الاختلاط من أعظم عوامل الفساد والسبب الأعظم في انهيار الأخلاق والآداب. وهكذا ينبغي الحرص في المرافق التعليمية على إقامة الصلوات وبناء المصليات والحث والترغيب على أداء الصلاة في الجماعات، والحكم بثار المفعول على الجميع على الطلاب وعلى المدرسين والمعلمين، فلا خير فينا إذا ما أقمنا الصلاة. وهكذا ينبغي سن القوانين وسن القرارات الصارمة في حق من عرف تمرده وتنمره، كمن سمع منه السب للدين أو للرب، أو من ضبط بفعل الفواحش والرذائل، أو من عرف عنه التعاطي للحبوب المخدرة، من حبوب أو من شاب، وأمثال هؤلاء من أهل الجرائر والجرائم ينبغي المسارعة إلى علاجه وإصلاحه وإلى تقويم اعوجاجه، فإن يؤس من حاله فلا سبيل حينها إلا من فصله وبتره وإخراجه، وإلا بإبقائه فإنه سيفسد من حوله من إخوانه وزملائه. وأيضًا كما أن المعلم ينبغي أن يختار لحمله للكفاءة العلمية، ينبغي كذلك أن لا يمكن من التدريس إلا من كان على عقيدة صحيحة وعلى فهم سليم للإسلام وشرائعه، فليمكن على التدريس أهل السنة والجماعة، ولا يمكّن أهل التجهم ولا أهل الرفض والاعتزال، أو من تشرب شيئًا من شوائب أهل المروق والإلحاد، كمن يشكك في آي القرآن، أو من يتبجح برد أحاديث رسول الأنام عليه الصلاة والسلام، أو من أنكر شيئًا من قضايا البعث والمعاد، كمن يشكك وينكر أحوال البرزخ وما يقع فيه من حساب وعقاب وعذاب، فإن مثل هذه الآراء وأشباهها لتعود إلى التشكيك في معالم الدين والإسلام، فكيف يمكن من هؤلاء على تدريس الأجيال. وهكذا مما ينبغي على الإدارة التعليمية التفعيل لنظام المراقبة في مراقبة الطلاب، حتى ما يكون في مراقبتهم فيما يصحبونه من أدوات ولوازم مدرسية، إذ أننا ابتلينا في مثل هذه الأزمان بفشو وانتشار شعارات ورموز تنافي دين الإسلام، كشعارات المثلية والشذوذ التي انتشرت في هذه الأيام، وشعاراتها بهذه الألوان المتعددة، أو ما يعبر عنه بقوس قزح، وأحيانًا بتصوير صور شخص مع أحد من بني جنسه في علاقة مشبوهة، كل ذلك إشاعة للفاحشة، فإن مثل هذه الرموز وما كان من أشباهها لا تمكن بحال تحت أي مبرر كان. وأنه من قام باستقدام مثل هذه الأدوات عمدًا وقصدًا وأراد الترويج لها في بلاد المسلمين وفي أسواقها، فلا بارك الله في ماله ولا في تجارته ولا في كسبه. وعلى أولياء الأمور أن يتفقدوا لهذه اللوازم الطلابية قبل البدء بشرائها، فإن ذلك من التعاون على البر والتقوى. وأخيرًا، عباد الله، ومن باب لا يشكر الله من لا يشكر الناس، فشكرنا بعد شكر الله لكافة المرافق التعليمية بكافة صورها وأطقمها، بما يقومون به من جهد عظيم في سبيل التوجيه والتعليم وتذليل الصعاب أمام أبناء المسلمين حتى ينتشر العلم لدى الكافة. فنسأل الله جل وعلا أن يكلل مساعيهم بالتوفيق والسداد، وأن يجعلهم لنا عونًا وذخرًا للبلاد والعباد. أقول قولي هذا، وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.