التعليقات على كتاب الأدب المفرد 219

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 219، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء النبي وشرح معانيه

دعا النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض"، ويُفسر معنى الحمد وكمال الله. يُبرز أهمية تقديم "لك" لإفادة الحصر.

طلب التطهير من الذنوب

النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه للتطهير من الذنوب بالبرد والثلج والماء البارد، ويطلب التطهير كما ينقى الثوب الأبيض.

توضيح معنى التطهير ومغفرة الذنوب

دعاء "اللهم طهرني من الذنوب" يدل على طلب كمال العبودية والتواضع، ولا يتعارض مع مغفرة الله لذنوب النبي.

تعليم الأمة كيفية الدعاء

النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أمته كيفية الدعاء لمغفرة الذنوب، رغم كونه معصومًا، ليعلمهم طلب المغفرة من الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا آدم، وهو من أبي إياس العسقلاني، ثقة عابد، قال: حدثنا شعبة، ومن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثنا رجل من أسلم، يقال له مجزأة، وهو مجزأة ابن زاهر ابن الأسود السلمي، ثقة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: «اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب، ونقني كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وهذا الحديث كما سمعنا فيه دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام التي كان يدعو بها: «اللهم لك الحمد» من السماوات ومن الأرض، والحمد والثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم، وألف «الحمد» للإستغراق، أي كل المحامد وجميع المحامد فهي لله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يحمد لكماله، وكذلك لإنعامه، فهو جل وعلا الكامل في ذاته، في أسمائه وصفاته، وفي أفعاله، في ألوهيته وربوبيته، وهو جل وعلا كذلك يحمد لفضل إنعامه. وهنا قدم الجار والمجرور «لك» ما أن حقه التأخير، والأصل «اللهم الحمد لك»، لكن قدم ما حقه التأخير لإفادة الحصر والاختصاص، فكأنه يقول: لا يستحق الحمد إلا أنت، وليس لأحد الحمد إلا أنت. «اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد». «اللهم طهرني بالبرد والثلج والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب، ونقني كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس». يدعو عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا أن يطهره بالبرد والثلج والماء البارد، وهذه ثلاث مطهرات، الواحدة منها تكفي في التطهير. البرد بنفسه مطهر، والبرد هو ما ينزل من السماء من ثلج، إلا أنه يكون قويا، وهكذا الثلج كذلك بنفسه مطهر، والماء كذلك بنفسه مطهر، فجمعت هذه الأمور الثلاثة حتى يحصل كمال التطهير. فالشيء إذا طهر بأكثر من مطهر كان ذلك أنقى في تطهيره وأقوى، وهكذا كذلك المراد المبالغة في حصول كمال التطهير في حصول كمال الطهارة، كما إذا اجتمعت هذه الثلاثة: البرد والثلج والماء. «اللهم طهرني من الذنوب ونقني كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، كذلك دعاء يدعو الله عز وجل أن يطهره من الذنوب. والإنسان مهما بلغه رتبة في الإيمان والتقوى فهو معرض للخطأ ومعرض للذنب، فلذلك فهو لا يسلم من ارتكاب الذنوب. والواجب عليه أن يتوب إذا حصل منه خطأ أو حصل منه زلة أو ذنب أن يبادر بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه غير معصوم. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، هذا وصف الله عز وجل لأهل التقوى والإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم». فالذنب لا بد منه، لكن الواجب هو المبادرة بالتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. فأنت تدعو الله عز وجل أن يطهرك من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وذكر الثوب الأبيض؛ لأن الثوب الأبيض يظهر فيه الوسخ أكثر من غيره، سرعان ما يظهر فيه الدرن والوسخ، فإذا طهر أزيل ما فيه من أوساخ ودرن. وهكذا أنت تدعو الله عز وجل أن ينقيك من الذنوب ويطهرك منها كما يطهر الثوب الأبيض إذا وقع فيه الوسخ ووقع فيه الدرن، وبذلك يحصل كمال النقاء والطهارة. وهذا الحديث عندنا بهذا اللفظ مطلق لم يقيد، ذكره بموضع معين. وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله إذا رفع رأسه من الركوع: «إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد». لكن ذكر «اللهم طهرني بالبرد والثلج» لم يأت في لفظ الحديث في ذكر هذا الدعاء بعد الرفع من الركوع. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم طهرني من الذنوب ونقني كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، هل يعارضه ما علم في الأحاديث الكثيرة من أن الله عز وجل قد غفر للنبي عليه الصلاة والسلام ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فكيف يقول: «اللهم طهرني من الذنوب ونقني كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»؟ قد مر معنا الجواب على ذلك: الزيادة في الخير، وكذلك أن يرضى الله سبحانه وتعالى عنه، يعني كمال يريد بلوغ الكمال في العبودية. وقيل كذلك: من باب التواضع من تواضعه عليه الصلاة والسلام. وقيل كذلك: من باب تعليم أمته، يعلمهم أن يدعو بهذا الدعاء؛ لأن وقوع الذنب منهم ليس كوقوعه منه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه معصوم، لكن يعلم أمته أن يدعو بهذا الدعاء الذي به يغفر الله سبحانه وتعالى لهم وينقيهم من الذنوب والخطايا. والله تعالى أعلم.