كتاب الحج 4

الدرس في كتاب الحج 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أركان الحج وواجباته الأساسية

يتناول هذا الفصل أركان الحج وواجباته، حيث يشرح الأركان الأربعة: الإحرام، الوقوف بعرفة، طواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة. كما يوضح الواجبات مثل الإحرام من الميقات والمبيت بمزدلفة ومنى.

مواقيت الحج والعمرة وشرحها

يشرح هذا الفصل المواقيت المكانية للحج والعمرة، ويعددها، ويبين حكم الإحرام منها، وكيفية التعامل معها في حالة السفر جوا أو بحرا. كما يوضح بعض واجبات الحج مثل الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة.

تفاصيل واجبات الحج ورمي الجمار

يتناول هذا الفصل تفاصيل واجبات الحج مثل المبيت بمنى ورمي الجمار والحلق أو التقصير. كما يوضح كيفية رمي الجمار وأوقاتها وأحكامها، ويفرق بين ترك الركن وترك الواجب في الحج.

أنواع نسك الحج وأحكامها

يشرح هذا الفصل أنواع نسك الحج: الإفراد، القران، والمتمتع. كما يبين الأحكام المتعلقة بكل نوع، مثل الهدي والسعي والطواف، ويوضح أفضل أنواع النسك وهو التمتع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، انتهينا بالأمس من ذكر أو القراءة، قراءة حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام، الذي ذكره المؤلف رحمه الله في كتاب الحج. ومر معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما زاغت الشمس، أي يوم التاسع، أمر بنقتل قصوى، ثم خطب الناس خطبة يوم عرفة، ثم بقي عليه الصلاة والسلام في عرفة بعد أن صلى الظهر والعصر فيها جمع تقديم، بقي في عرفة إلى أن غربت الشمس، ثم دفع إلى مزدلفة، وصلى فيها المغرب والعشاء، ثم بات فيها، ثم صلى فيها الفجر، ثم توجه إلى المشعر الحرام، استقبل القبلة، وجعل يدعو حتى أسفر الفجر، وقبل طلوع الشمس، انطلق إلى منى لرمي جمرة العقبة، فرماها بسبب حصيات، وكبر مع كل حصاة، ثم نحر عليه الصلاة والسلام ثلاثا وستين بيده، وأوكل الباقي إلى علي رضي الله عنه، ثم حلق رأسه، ثم طاف بالبيت طواف الإفاضة. قال المؤلف رحمه الله: قال، فأكمل ما يكون من الحج الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه، وأصحابه رضي الله عنهم، يعني إذا أتى بحج كحج النبي عليه الصلاة والسلام، بالمحافظة على الأركان والواجبات والمستحبات، فهذا هو الأكمل والأفضل، وإلا فلو اقتصر على الأركان مع الواجبات لكان ذلك كافيا. قال: ولو اقتصر الحاج على الأركان الأربعة التي هي الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي، والواجبات التي هي الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت ليلة النحر بمزدلفة، وليالي أيام التشريق بمنى، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، لأجزأه ذلك، يعني لكان حجه صحيحا. فالأركان في الحج أربعة: الإحرام، والمراد بالإحرام أي نية الدخول في النسك، نية الدخول في النسك، يحرم بقوله، إذا كان مثلا أراد عمرة وحج متمتعا: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم عمرة متمتعا بها إلى الحج، أو إذا كان قارنا: لبيك اللهم عمرة وحج، وإذا كان مفردا: لبيك اللهم حجا، أو يحرم بالتلبية إذا قال: لبيك اللهم لبيك، إلى آخر التلبية، يكون بهذا قد أحرم. فالإحرام ركن، لابد أن يحرم، لابد أن يحرم. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وليس الإحرام هو التلفظ بالنية؛ لأن النية محلها القلب، النية محلها القلب، والحاج هو ناوي للحج وهو في بيته، قبل أن يخرج من بيته، وقبل أن يسافر، النية في قلبه. وإنما الإحرام هو كالتكبير للدخول في الصلاة، كالتكبير للدخول في الصلاة، النية موجودة قبل التكبير، لكن متى يدخل في الصلاة؟ إذا كبر تكبيرة الإحرام. كذلك في الحج، متى يدخل في الحج؟ إذا أحرم. فهو منزلة التكبير للصلاة. ولهذا إذا كان غير ناوي للإحرام، قد يأتي إنسان إلى الحرم لأجل إنقاذ مريض، أو إتيان بشيء من الأشياء التي يحتاج إليها الحجاج من طعام أو نحو ذلك، أو يكون سائقا للسيارة، فهذا لا يلزمه الإحرام إذا كان لم ينو الإحرام، ولم يرد أن يحرم. والوقوف بعرفة أيضا من أركان الحج، الوقوف بعرفة، لحديث عبد الرحمن بن يعمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة، الحج عرفة»، هو في أهل السنن. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة»، يعني يكاد أن ينحصر الحج في عرفة. والمقصود أن أعظم أركان الحج هو الوقوف بعرفة، ولهذا من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، ما يستطيع هنا إذن أن يحج، لو جاء في اليوم العاشر بعد طلوع الشمس، أو بعد طلوع فجر يوم العاشر، هنا قد فاته الحج. فهذا دليل على أن أعظم أركان الحج هو الوقوف بعرفة. ويقف بعرفة ولو لحظات، إذا أدرك الوقوف بعرفة ولو لحظات، ولو دقائق أو ثواني، أدرك الحج، لحديث عروة بن مضرس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاتنا هذه، يعني صلاة الفجر بمزدلفة، ووقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه». ولهذا الوقوف بعرفة يبدأ من الزوال، أو يبدأ من طلوع فجر اليوم التاسع. جمهور أهل العلم يقولون: يبدأ من زوال الشمس اليوم التاسع. وقال جماعة من أهل العلم: بل يبدأ من فجر اليوم التاسع، وهذا هو الصحيح لعموم هذا الحديث: «وقف قبل ذلك ساعة من ليل أو نهار». معنى ذلك: لو وقف في النهار اليوم التاسع، يكون أدرك الوقوف بعرفة، وإن كان الواجب هو الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروب الشمس، هذا هو الواجب، لكن من حيث الإجزاء، يجزئ إذا وقف في الصباح اليوم التاسع، يصح أنه وقف بعرفة. والطواف، أي طواف الإفاضة، طواف الحج، طواف الإفاضة، ركن من أركان الحج. قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام لما طاف طواف الإفاضة، أراد الصفية زوجته، أراد منها ما يريد الرجل من أهله، فقالوا: يا رسول الله، إنها حائض. فقال: «أحائض ستُنهى؟». قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت، يعني طواف الإفاضة. قال: «فلتنفر إذن». الشاهد قوله: «أحائض ستُنهى؟»، يعني إذا لم تطف طواف الإفاضة، معنى ذلك: أنه سيتأخرون في السفر حتى تطوف. فطواف الإفاضة ركن. وأجمع العلماء على أنه ركن من أركان الحج، على أن الطواف الإفاضة ركن من أركان الحج. والسعي، أي بين الصفا والمروة، كذلك من أركان الحج، السعي بين الصفا والمروة. والقول بأنه ركن، قول الجمهور من أهل العلم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا». وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته، إذا لم يطف أو يسع بين الصفا والمروة». والله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. طيب، هذه أركان الحج. وأما أركان العمرة، فهي: الطواف، والسعي، والإحرام، الطواف والسعي والإحرام. والواجبات التي هي الإحرام من الميقات، الحج له مواقيت زمانية، ومواقيت مكانية. المواقيت الزمانية هي الأزمان التي يشرع فيها الحج، وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. قال الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. هذه المواقيت الزمانية، يعني ما يشرع للإنسان أن يحج في غير أشهر الحج. لو أن إنسانا أتى بعمرة في رمضان، وقال: أنا سأتمتع بهذه العمرة إلى الحج، وأصير متمتعا، هل يصح هذا؟ الجواب: لا؛ لأن رمضان ليس من أشهر الحج. واضح؟ أو اعتمر في شعبان، وأراد أن يجعلها عمرة الحج، ما يصح، لا، أبدا، لابد أن يأتي بعمرة في أشهر الحج، في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة. نعم، هذه المواقيت الزمانية. والمواقيت المكانية، هناك مواقيت مكانية، لابد أن يحرم منها من أراد الحج أو العمرة، وهي التي وقتها النبي عليه الصلاة والسلام. منها ما جاء في الصحيحين، حيث قال ابن عباس: وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. هذه أربع مواقيت متفق عليها. الميقات الأول: ميقات أهل المدينة، وهو ذو الحليفة، وهو ذو الحليفة، يحرم منه أهل المدينة، ومن جاء من جهتهم، هو أبعد المواقيت عن مكة، أبعد المواقيت عن مكة، ميقات ذو الحليفة، ويسمى الآن بآبار علي. الآن يسمى بآبار علي. والميقات الثاني: الجحفة، وهو ميقات أهل الشام، ومن جاء من جهتهم، أهل الشام، يعني: سوريا، وفلسطين، ولبنان، ونحو هذه البلدان، فميقاتهم الجحفة، وقد خربت الآن، ويحرم الناس من موضع يقال له رابغ، يقال له رابغ، ويبعد عن مكة نحو أربعمائة وثلاثين كيلو، أو مائتين، نعم، مائتين كيلو، يبعد عن مكة مائتين كيلو. وميقات الحليفة يبعد أربعمائة وثلاثين كيلو. وميقات ذو الحليفة يبعد أربعمائة وثلاثين كيلو، والجحفة يبعد عن مكة بنحو مائتين كيلو. والثالث: قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، ميقات أهل نجد، ومن كان من جهتهم، كأهل الكويت، وهو يبعد عن مكة بنحو 180 كيلو، ويسمى اليوم بالسيل الكبير. والرابع: وهو ميقات أهل اليمن، وهو يلملم، وهو يلملم، ويسمى اليوم بالسعدية، يسمى بالسعدية، ويبعد عن مكة نحو 120 كيلو، فهو أقرب المواقيت إلى مكة، وهو يلملم. طيب، هذه المواقيت الأربع متفق عليها. وهناك ميقات خامس مختلف فيه، وهو ميقات أهل العراق، وهو ذات عرق، سمى بذات عرق. اختلف أهل العلم: هل الذي وقته النبي عليه الصلاة والسلام، أو الذي وقته عمر رضي الله عنه؟ صح عن عمر أنه وقته لأهل العراق. ووردت بعض الأحاديث فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم وقته لأهل العراق. وبعض العلماء يحسن هذه الأحاديث، فيكون هذا يعني: ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعمر رضي الله عنه اجتهد، ولم يعلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وافق قوله قول النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في تحديد هذا الميقات لأهل العراق. وجمهور أهل العلم على اعتبار هذا الميقات أنه ميقات لأهل العراق، وهو ذات عرق. والواجب لما أراد الحج والعمرة أن يحرم من الميقات، إذا وصل إلى هذا الميقات فإنه يحرم منه، ولا يجوز له أن يتجاوزه من غير إحرام، وهو ينوي الحج والعمرة. في قول النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر المواقيت: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة»، ممن أراد الحج أو العمرة، يعني: إذا أراد الحج والعمرة، ومر بأحد هذه المواقيت، فإنه يحرم منها، حتى ولو كان غير ميقات أهل بلده، فإنه يحرم منه. طيب، لعموم الحديث. وإذا كان سيمر بميقات، ثم سيمر بميقات آخر، سيمر بميقات آخر، هل يلزمه أن يحرم من الميقات الأول؟ الجواب: لا، يلزمه، مثلا: أهل اليمن إذا ذهبوا إلى الحج أو العمرة، يبدأون بالذهاب إلى المدينة، فإذا رجعوا من المدينة إلى مكة، سيمرون بذي الحليفة، هل يلزمهم أن يحرموا من ذي الحليفة؟ وهم سيمرون مثلا على ميقات يلملم. الجواب: لا، يلزمهم، ما دام أنهم سيمرون على ميقات يلملم، فيحرمون من يلملم، ويمرون على ميقات ذي الحليفة. واضح؟ أما إذا كان ما سيمر بميقاته يلملم، فهنا يلزمه أن يحرم من ميقات ذي الحليفة، يلزمه أن يحرم من ميقات ذي الحليفة. طيب، كيف يفعل من يعني سافر إلى مكة عن طريق الجو، والطائرة؟ قال أهل العلم: يحرم إذا حاذى الميقات، يحرم إذا حاذى الميقات، يعني: إذا تجاوز أو جاء إلى محاذاة الميقات، يخبره أهل الطائرة أنه الآن سيحاذي الميقات الفلاني، فهنا يحرم، يقول: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم حجا، إلى آخره. فهو يكون مستعدا، والذي ينبغي أنه يطلع الطائرة يكون مستعدا، يعني: يلبس مثلا إزارا وقطعة، ويلبس القميص مثلا من غير فنيلة أو شيء، فإذا قالوا: الآن محاذاة الميقات، ينزع القميص، وهذه القطعة تقوم مقام الإزار، ما في إشكال، ويضع القميص على كتفيه، هيئة الرداء، هيئة الرداء، ويصبح بهذا لابسا لثياب الإحرام. واضح؟ فإذا قالوا: الآن سنحاذي الميقات الفلاني، الله، سينزع القميص، ويضع على كتفيه، ويحرم. واضح؟ يعني: من مر على الميقات فيحرم من الميقات، ومن لم يمر على الميقات، لكن سيحاذيه، إما جوا، وإما بحرا، فإذا حاذى الميقات فإنه يحرم بالحج والعمرة. وفي المقصود: أنه لا يتجاوز الميقات من غير إحرام، فإذا تجاوزه من غير أن يحرم، تجاوزه من غير أن يحرم، نقول: يجب عليك أن ترجع وتحرم من الميقات، إن استطعت ذلك. إن لم تستطع، فنقول: عليك دم؛ لأنك تركت واجبا من الواجبات، وهو الإحرام من الميقات، في قول جمهور أهل العلم. والوقوف بعرفة إلى الغروب أيضا من واجبات الحج، الوقوف بعرفة إلى الغروب، كما مر معنا في حديث جابر، وقف النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن غربت الشمس، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». فإذا أفاض إلى مزدلفة قبل غروب الشمس، فيكون قد ترك واجبا من واجبات الحج. والمبيت ليلة النحر بمزدلفة كذلك، المبيت ليلة النحر بمزدلفة من الواجبات. ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص للضعفة وكبار السن أن يدفعوا إلى منى بعد منتصف الليل، وهذا يدل على أنه عزيمة على أن المبيت عزيمة؛ لأن الرخصة لا تأتي إلا من عزيمة، يعني من شيء واجب ملزم. فكونه رخص لهم، دل هذا على أن المبيت واجب، على أن المبيت واجب. وهذا أيضا يجرنا إلى أن نذكر أن المبيت الواجب أن يبيت الحاج إلى أن يطلع الفجر، فيصل للفجر، كما مر معنا، ويتوجه إلى القبلة بعد صلاة الفجر، ويدعو الله عز وجل حتى يسفر الفجر، ثم ينطلق إلى منى قبل طلوع الشمس. لكن للضعفة، كالنساء وكبار السن، أجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا إلى منى بعد منتصف الليل، يجوز أن ينطلقوا إلى منى بعد منتصف الليل، كما في حديث ابن عمر، وحديث أسماء. فيجوز لهم ذلك، فيذهبون إلى منى بعد منتصف الليل، حتى يعني يسلمون من الزحام الذي سيحصل في صباح اليوم العاشر، هذه رخصة. ولهم كذلك أن يرموا قبل طلوع الشمس، الضعفة وكبار السن لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس، فلهم في ذلك رخصة. والمبيت ليالي أيام التشريق بمنى أيضا، المبيت أيام التشريق، يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، المبيت بمنى هذه الليالي، واجب من واجبات الحج. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للسعاة، للرعاة، أن يتركوا المبيت بمنى؛ لأجل رعي الإبل. وهذا أيضا يدل على أن المبيت واجب، أيضا رخص للعباس في الصحيحين، رخص له النبي صلى الله عليه وسلم في ترك المبيت بمنى أيام التشريق. قال أهل العلم: يدل على أن المبيت واجب؛ لأن الرخص لا تأتي إلا من عزيمة، فدل على أن المبيت واجب. فيجب على الحاج أن يبيت أيام التشريق بمنى، أيضا المبيت ليس واجب كل الليل، يعني: أكثر الليل، لو بات يعني إلى نصف الليل، أو أكثر من نصف الليل، له بعد ذلك أن يذهب إلى خيمته، أو إلى فندقه. الواجب أن يبيت معظم الليل، أن يبيت معظم الليل بمنى. ورمي الجمار أيضا، رمي الجمار أيام التشريق، هو اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، لمن لم يتعجل. مر معنا أن جمرة العقبة ترمى في اليوم العاشر، ترمى في اليوم العاشر. طيب، اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، وهي أيام التشريق، ترمى الجمار الثلاث، الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، والجمرة الكبرى، هذه الثلاث ترمى في أيام التشريق، ترمى متى؟ بعد الزوال، ترمى بعد الزوال. طيب، جمرة العقبة ترمى متى؟ في اليوم العاشر، ترمى في الضحى، بعد طلوع الشمس، لكن أيام التشريق ترمى الجمار بعد الزوال، بعد زوال الشمس. ويستمر الرمي إلى الليل، يستمر إلى الليل. النبي صلى الله عليه وسلم لما رمى الجمار، بدأ بالجمرة الصغرى، فرماها بسبع حصيات، ثم توجه إلى القبلة، رفع يديه، ثم توجه إلى الجمرة الوسطى، فرماها بسبع حصيات، ثم انحرف إلى جهة الشمال، وتوجه إلى القبلة، ثم رمى الجمرة الكبرى، وهي جمرة العقبة، ثم انطلق، ولم يدع بعدها. فيكون كيفية الرمي على هذه الكيفية: يرمي الصغرى أولا، ثم يدعو، ثم يرمي الوسطى، ثم يدعو، ثم يرمي الكبرى، وينطلق، ولا يدعو بعدها. والمستحب عند رمي الجمار أن يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، هذا هو المستحب، وإلا يرمها من أي جهة، فهو مجزئ. واضح؟ فرمي الجمار في هذه الأيام، أيام التشريق، هذا واجب من واجبات الحج. وأما من تعجل، يعني رمى في اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، وأراد أن يسافر في اليوم الثاني عشر، بعد رمي الجمار، فلا بأس بذلك، لكن ينطلق قبل غروب الشمس، قبل غروب الشمس. فإذا غربت الشمس وهو موجود، واجب عليه أن يبيت ليلة الثالث عشر من أيام التشريق، إلا إذا كان السبب بسبب الزحام، تأخر حتى غربت الشمس وهو في الطريق، بسبب الزحام، فلا بأس هنا، معذور. فالله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، يعني من أراد أن يتعجل بعد اليوم الثاني عشر، ليس عليه شيء. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾، يعني الأفضل التأخير، يكمل ثلاثة أيام، ثلاثة أيام التشريق، ثم يسافر بعد ذلك. لكن لو أراد أن يتعجل، لا بأس، فينطلق قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر. والحلق أو التقصير، نعم، أيضا من واجبات الحج، الحلق أو التقصير. والأفضل الحلق، الله عز وجل يقول: ﴿وَتَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ وَتَقَصَّرُوا﴾، ﴿لَا تَخَفُونَ﴾، أيضا في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم ارحم المحلقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين ثلاثا»، يدعو للمحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين ثلاثا، والمقصرين مرة». هذا يدعو أن الحلق أفضل، أن الحلق أفضل. فالحلق واجب من واجبات الحج. طيب، من كان أصلع، ليس فيه رأس شعر، بعض أهل العلم قال: يمر الموس مرورا. قال بهذا جماعة من أهل العلم، الأكثر أهل العلم يقولون بهذا: أنه يمر الموس على رأسه. وذهب جماعة من أهل العلم المحققين، كابن القيم رحمه الله، وغيره، إلى أنه لا يفعل ذلك، فائدة منه، الموضوع هو حلق الرأس، وهنا ليس عنده شعر حتى يحلقه، فإمرار الموس في مثل هذه الحال من العبث، الأفعالية منه، فلا يلزمه هذا النسك. والفرق بين ترك الركن في الحج، وترك الواجب: أن تارك الركن لا يصح حجه، حتى يفعله على صفته الشرعية، أي ما ترك ركنا من أركان الحج، فلا يصح حجه. من حج ولم يحرم، لم يصح حجه. طيب، جاء إلى الحج بعد أن فاته الوقوف بعرفة، لم يصح حجه، أو حج ولم يطف طواف الإفاضة، كذلك لم يصح؛ لأن طواف الإفاضة ركن، أو حج ولم يسع، كذلك لم يصح. إذا لابد في صحة الحج من الإتيان بالأركان. وتارك الواجب، حجه صحيح، وعليه إثم، ودم لتركه، عليه إثم؛ لأنه ترك واجبا من الواجبات، كمن أحرم بعد الميقات، مر على الميقات ولم يحرم منه، لكنه ترك واجبا، هل يفسد حجه بهذا؟ الجواب: لا، حجه صحيح، لكن عليه دم، في قول جمهور أهل العلم، لأثر ابن عباس: «من ترك نسكا من الأنساك، فعليه دم، أو فليرق دما». أو كذلك انطلق من مزدلفة قبل غروب الشمس، فنقول: ترك واجبا، فيكون عليه دم، وهو آثم على تركه لهذا الواجب، أو ترك المبيت من أيام التشريق بمنى، من غير عذر، فكذلك يكون ترك واجبا من الواجبات، لكن حجه صحيح، ويلزمه دم. إذن، هذا الفرق: أن تارك الركن لا يصح حجه، إلا بهذا الركن. وأما تارك الواجب، فإنه يصح حجه، وعليه دم لتركه لهذا الواجب. ويخير من يريد الإحرام بين التمتع، وهو أفضل، والقران، والإفراد. الآن مناسك الحج ثلاثة: أنساك الحج ثلاثة، التمتع، والقران، والإفراد. وأفضل هذه الأنساك هو التمتع؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لولا أن معي الهدي لأحللت»، يعني أراد أن يكون متمتعا، كما أمر الصحابة رضي الله عنهم أن يتمتعوا؛ لما لم يسوقوا الهدي. فهو يقول: ولو أنه لم يسق الهدي، لو استدبر من أمري استقبل أمر ما استدبر الأمر ما استقبل، لما ساق الهدي، ولو كان متمتعا مثلهم. هذا يعني أن التمتع أفضل. فهو يعني يأتي بعمرة مستقلة، ثم يأتي بالحج في أيام الحج، فيكون هذا أفضل. والتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه. وعليه دم إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام. أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، المتمتع يأتي بعمرة في أشهر الحج، مثل شوال، أو ذي القعدة، أو في ذي الحجة، يأتي بعمرة مستقلة، عمرة تامة كاملة، ويتحلل منها، ثم يحرم بالحج باليوم الثامن، يحرم بالحج باليوم الثامن، هذا يسمى متمتعا. قال: وعليه دم، يعني هدي عليه هدي، لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. إلا إذا كان من حاضري المسجد الحرام، يعني من سكان الحرم، أو من كان في مسافة ليس فيها قصر، أو مسافة دون القصر من الحرم، فهذا أيضا يعتبر من سكان مسجد الحرام، في قول الإمام الشافعي رحمه الله، واختاره الإمام الجرير رحمه الله. من كان من سكان الحرم المكي، أو كان في مسافة لا تقصر فيها الصلاة، أي مسافة دون القصر، يعتبر من سكان مسجد الحرام، يعتبر من حاضري المسجد الحرام. فهؤلاء ليس عليهم هدي، في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. أما من كان حاضر المسجد الحرام، فليس عليه هدي. والإفراد هو أن يحرم بالحج مفردا. الآن المتمتع إذا أحرم، يقول: لبيك اللهم عمرة، أو يقول: لبيك اللهم عمرة متمتعا بها إلى الحج. طيب، والمفرد يقول: لبيك اللهم حجا، يحرم بالحج. قال: والإفراد هو أن يحرم بالحج مفردا، واضح؟ يقول: لبيك اللهم حجا، ويتبع أعمال الحج. والقران أن يحرم بهما معا، يعني بالعمرة والحج، فيقول: لبيك اللهم عمرة وحجا، لبيك اللهم عمرة وحجا، أو حجا وعمرة. ولا بد أن يسوق معه الهدي، القارن لا بد أن يسوق معه الهدي. وإذا لم يسق الهدي، فالصحيح أنه يجب عليه أن يفسخ الحج، وأن يجعلها عمرة، ويصير متمتعا؛ لأمر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي أن يتحللوا، وأمرهم أن يأتوا بعمرة. ولما قال سلقة بن مالك: يا رسول الله، لعامنا هذا، أو للأبد؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل للأبد»، دخلت العمرة في الحج للأبد. فذلك دليل على أنه يجب على من لم يسق الهدي أن يتمتع، وأن يأتي بعمرة متمتعا بها إلى الحج. أو يحرم بالعمرة، يعني هنا يذكر القران، إما يحرم بهما معا، لبيك اللهم عمرة وحجة، وحجة وعمرة، أو يحرم بالعمرة، لبيك اللهم عمرة، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، قبل الشروع في طواف العمرة. هذا الذي حصل لعائشة رضي الله عنها، كما سيأتي. ويضطر المتمتع إلى هذه الصفة إذا خاف فوات الوقوف بعرفة، إذا اشتغل بعمرته، يعني هو أحرم بالعمرة، لكن وصل إلى عرفة، وصل إلى عرفة قبل انتهاء وقت الوقوف بساعة أو ساعتين، هذا الوقت ما يسعه أن يأتي بعمرة، ثم يقف بعرفة، فهنا يدخل الحج على العمرة، ويصير قارنا، فيقف بعرفة، ثم يأتي بأعمال الحج. أو إذا حاضت المرأة، أو نفست، وعرفت أنها لا تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة، يعني كذلك تصير قارنة، كما حصل لعائشة رضي الله عنها لما حاضت، أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل الحج على العمرة. نعم، على أن إذا كان لم يسوق الهدي، فالواجب هو أن يتحلل، يعني أن لا يجعلها قرانا، ولما يكون متمتعا، يكون متمتعا. لك قد يضطر كما سمعنا إلى مثل هذه الصورة، إذا ضاق الوقت عن الإتيان بعمرة، وقد أحرم بعمرة، فحينئذ يسعه الوقت أن يأتي بعمرة، فيدخل الحج على العمرة، ويصير قارنا. وهذه تكون حالة اضطرار، تكون حالة اضطرار، فيأتي بها، يقف بعرفة، ويأتي بأعمال الحج. ثم إن أراد أن يعتمر بعد ذلك عمرة مستقلة، وإلا قد دخلت العمرة في الحج، وأجزأت، يجزئه أعمال الحج عن العمرة، كما قال مسلم لعائشة: «طوافك في البيت، وسعيك بين الصفا والمرة، يجزئك عن حجك وعمرتك». لكن عائشة ما طابت نفسها، يعني أن ترجع بحج، ويرجع الناس بحج وعمرة، فأرادت أن تأتي بعمرة مستقلة، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يذهب بها إلى التنعيم، وكان أقرب الحل، وتحرم بعمرة. فالمقصود: أن إذا أدخل الحاج العمرة على الحج، وصار قارنا، أجزاه أعمال الحج عن الحج والعمرة. قال: والمفرد والقارن، فعلهما واحد، يعني من حيث أعمال الحج. وعلى القارن هدي دون المفرد، المفرد ليس عليه هدي. وأما القارن فعليه هدي؛ لعموم الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. والقارن يأتي بعمرة وحج، فعليه هدي. وكذلك أيضا القارن يرجع بحج وعمرة. وأما المفرد فإنه يرجع بحج فقط، يرجع بحج فقط. وكذلك أيضا أن القارن والمفرد لا يلزمهما إلا سعي واحد، وطواف واحد، وهو سعي إذا سعى العمرة، أو سعي الحج، إذا طاف القارن، إذا طاف طواف القدوم، ثم سعى بعده، أجزأ هذا السعي عن العمرة والحج. فإذا طاف طواف الإفاضة، لا يلزمه أن يسعى، إذا كان قد سعى بعد طواف القدوم. وأما إذا لم يسع بعد طواف القدوم، فيلزمه أن يسعى بعد طواف الإفاضة. هذا بالنسبة للقارن. كذلك المفرد، هو أن إذا جاء ولم يطف طواف القدوم، المفرد جاء مباشرة إلى الوقوف بعرفة، سيأتي بأعمال الحج. وإذا طاف طواف الإفاضة، عليه أن يسعى، سعي الحج، عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة. واضح؟ لكن لو أنه سعى قبل ذلك، يعني جاء المفرد قبل الوقوف بعرفة، وطاف طواف القدوم، وسعى بعد هذا الطواف، أجزأ هذا السعي عن سعي الحج، كالقارن. واضح؟ فالقارن والمفرد، فعلهما سواء، كما ذكر، يعني عليهما سعي واحد فقط، وطواف واحد. وطواف الإفاضة والسعي، إذا سعى بعد طواف القدوم، أجزأهما عن سعي الحج. وإذا لم يسع بعد طواف القدوم، يلزمه السعي بعد طواف الإفاضة. بخلاف المتمتع، فعليه طوافان وسعيان، المتمتع يأتي بالعمرة، يطوف بالبيت، ويسعى، ثم اليوم العاشر يطوف طواف الإفاضة، ويسعى سعي الحج. طيب، بقية المحظورات الإحرام، نتركها إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. وتأتي مسألة هنا، وهي: إذا أحرم، إذا أتى المتمتع بعمرة، أتى المتمتع بعمرة، مثلا اعتمر في ذي القعدة، عمرة الحج، ثم سافر إلى المدينة، وما سيأتي إلا في