الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 40، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث ابن عمر في أذكار الاستفتاح واستحسان النبي ﷺ لها، مع بيان معانيها وأهميتها في تعظيم الله وتسبيحه. يوضح المقطع أهمية هذه الأذكار في بداية الصلاة.
يشرح حديثا نبويا يصف فيه الرسول ﷺ فضل ذكر معين، حيث فتحت له أبواب السماء، ويوضح أن هذا الذكر طيب ومستحب. كما يتناول حكم ابتداع العبادات بعد وفاة النبي ﷺ.
يؤكد على أن العبادات لا تقبل إلا إذا كانت موافقة للسنة النبوية، ويحذر من ابتداع عبادات جديدة لم يشرعها النبي ﷺ. يشير إلى أهمية العمل بالعلم والحرص على تطبيق ما تعلمه المسلم.
يعدد أدعية لقيام الليل وردت عن النبي ﷺ، مع التركيز على أصحها وهو حديث أبي هريرة المتفق عليه، وأحاديث أخرى رواها مسلم عن أنس وابن عمر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم: حدثنا الحجاج بن المنهال، أبو الحسين، أن يسابور القشيري رحمه الله، قال: حدثنا زهير بن حرب، وأبو خيثمة، قالا: حدثنا إسماعيل بن علي، وهو إسماعيل بن إبراهيم، عن مقسم، وعن علي، أمه، وكان ينسى بليغًا، واشتهر بذلك، رحمه الله، مع أنه كان يكره ذلك، لكن بسبب شهرته بذلك نسب إليها، وله أولاد، من أحدهم إبراهيم بن إسماعيل بن علي، وهو من الجهمية، من أهل البدع والأهواء. قال: أخبرني الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، قال: عن عون بن عبد الله بن عتبة، وهو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من عباد أهل الكوفة، وهو أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ، إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا. فقال رسول الله ﷺ: من القائل كلمة كذا وكذا؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. فقال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. هذا الحديث حديث عن عمر، رضي الله تعالى عنه، يخبر أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ، فقال رجل من القوم، أي ممن كان حاضرًا في الصلاة: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا. والمراد أنه قال ذلك في استفتاح الصلاة، يعني بعد تكبيرة الإحرام. ولهذا أورده الإمام مسلم رحمه الله عند ذكره لأذكار أدعية الاستفتاح، أتى بهذا الدعاء، وهذا الذكر: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا. فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، الله أكبر، أي أكبر من كل شيء، فلا شيء أكبر من الله جل وعلا، وهو خالق هذه المخلوقات كلها، وأعظم المخلوقات العرش الذي استوى عليه الرحمن جل وعلا استواء يليق بجلاله. والله عز وجل يقول: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، والكرسي كما يقول ابن عباس: موضع القدمين. إذا كان هذا الكرسي وسع السماوات والأرض، فكيف بالعرش الذي هو أعظم من الكرسي، وأعظم من السماوات والأرض؟ فهذا يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى. فالله عز وجل أكبر كبيرًا. قال: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، يعني أحمد الله وأثن عليه حمدًا كثيرًا، لا عدد له ولا نهاية له. قال: وسبحان الله بكرة وأصيلًا. سبحان الله: مصدر، أي أنزه الله، أنزه الله من كل نقص ونعيب، فهو الكامل جل وعلا في ذاته، وفي ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته. فسبحان الله، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، بكرة: أول النهار، وأصيلًا: آخر النهار، يعني أسبح الله في كل وقت، في أول النهار وفي آخره، وأنا أنزه الله جل وعلا عن النقائص والعيوب. فاجتمعت هذه الجملة على التخلية والتحلية، التخلية بقولك: سبحان الله، فأنت تنزه الله عز وجل عن كل نقص ونعيب، والتحلية في قوله: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، فأنت تصف الله عز وجل بصفات الكمال، وصفات الجلال، وصفات العظمة. وكذلك أيضًا أنه المستحق جل وعلا للحمد والثناء، لكماله جل وعلا في ذاته وأسمائه وربوبيته وألوهيته، ولكمال فضله وإنعامه على العباد بما أنعم عليهم من النعم. فكان في هذه الجملة، كما سمعنا: حمد وثناء وإجلال وتعظيم، وأيضًا كذلك تنزيه لله جل وعلا من النقائص والعيوب. فلما قال رجل هذه الجملة من الدعاء، قال النبي ﷺ: من القائل كلمة كذا وكذا؟ من أتى بهذه الكلمات؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. فقال النبي ﷺ: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. فتحت لها أبواب السماء، يعني أنها صعدت إلى السماء. فالله عز وجل يقول: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾، دل هذا على أن هذه الكلمات طيبة، وعمل صالح يرفع إلى الله جل وعلا. وقول عليه الصلاة والسلام: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء، لعله يعني رأى الملائكة ترفع هذا الذكر وهذا الدعاء، كما في الحديث الذي قبله، بحديث أنس، لما قال النبي ﷺ في الرجل الذي قال أو سفتح الصلاة بقول: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فقال النبي ﷺ: قد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها. لكن هنا ما ذكره أنه رأى الملائكة ترفعها، واقتصر على ذكر فتح أبواب السماء لها. وعلى كل، فالمقصود أن هذا الذكر ذكر طيب، وأيضًا ذكر مستحب، يستحب التقرب به إلى الله جل وعلا، وذلك بإقرار النبي ﷺ لهذا الرجل بما قال من هذا الدعاء، وذكرنا في درس الماضي أن بعض أهل الأهواء يستدلون بمثل هذه الأحاديث على جواز فعل البدع والمحدثات، والتقرب إلى الله عز وجل بأنواع الطاعات التي لم يفعلها النبي ﷺ، إذا كانت من فعل الخير. فهذا الذكر وهذا الدعاء خير، فعله هذا الرجل، وما أنكر عليه النبي ﷺ. فقالوا: إذن لا بأس أن يتقرب الإنسان إلى الله جل وعلا بعبادة أو طاعة أو بذكر هو من الخير الذي يتقرب به إلى الله، وأن هذا يعني أمر مشروع. فكيف الجواب عن هذا؟ نعم، نقول: إن هذا الحديث، وما كان مثله، هو في زمن الوحي، في زمن نزول الوحي ونزول التشريع. وأما بعد موت النبي ﷺ، فالوحي قد انقطع، الوحي قد انقطع. وكذلك أيضًا نعم، أن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، فلا نتقرب إلى الله عز وجل بعبادة وطاعة إلا ما أذن لنا بذلك مما شرعه النبي ﷺ. وهذا الذكر لم يكن مشروعًا بمجرد قول الرجل له، إلا بإقرار النبي ﷺ وإخباره أن هذا الذكر ذكر طيب، وأنه مما يحبه الله ويرضاه. وإلا لم يكن مشروعًا، لو لم يقره النبي ﷺ لم يكن مشروعًا، فهو صار مشروعًا ومستحبًا بإقراره عليه الصلاة والسلام، وبقوله: أنه عجب لها، تفتح لها أبواب السماء. والزمن زمن النبي ﷺ، زمن تشريع، يعني وقابل للزيادة والنقصان، وللنسخ. أما بعد موت النبي ﷺ، فقد كمل الدين، قد كمل الدين. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا. إذن لا يتقرب إلى الله عز وجل بعد موت النبي ﷺ إلا بعبادة وطاعة وقربة فعلها النبي ﷺ. وإلا لو قلنا بجواز مثل ذلك لفتح باب البدع والمحدثات، كل يأتي بعبادة وبطاعة وبقربة وبذكر ويقول: هذا خير، ويفتح يعني باب البدع بلا خطام ولا زمام. ولا شك أن هذا مما نهى عنه النبي ﷺ، محذرًا منه. ولذلك كان عليه الصلاة والسلام في خطبته، خطبة الحاجة، يقول: إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة. نعم، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. دل هذا على أنه لا يتقرب إلى الله جل وعلا بعبادة وبطاعة إلا بما شرعه عليه الصلاة والسلام. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. وهذا فيه حرص الصحابة رضي الله عنهم على العمل بالعلم، والتقرب إلى الله جل وعلا بما علموا من الطاعات والقربات التي يحبها الله سبحانه وتعالى. فلما سمع قول النبي ﷺ: عجبت لها، تفتح لها أبواب السماء، قال: ما تركتها، ما تركتهن، أي هذه الكلمات وهذا الدعاء، منذ سمعت رسول الله ﷺ، أي أصبح مواظبًا على قوله والإتيان به. وهكذا ينبغي للمسلم، مطالب العلم، أن يكون حريصًا على العلم، إذا علم شيئًا من الطاعات والقربات التي يحبها الله سبحانه وتعالى، يحرص على ملازمتها، ويحرص على فعلها والإتيان بها والمواظبة عليها، حتى يكون عاملًا بعلمه. وأيضًا يكون مسابقًا، منافسًا في فعل الطاعات والقربات. وهذا أيضًا مما يعينه على حفظ العلم، فإن العلم يحفظ بالعمل به، يحفظ بالعمل به. كما قال وكيع رحمه الله: كنا نستعين على طلب العلم بالصوم، وعلى حفظه بالعمل به. أنت الآن حفظت هذا الحديث، وهذه الكلمات: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله بكرة وأصيلًا. إذا أتيت بها في الصلاة، ما ستنساها، ما تنسى هذا الدعاء. فتحرص على مثل ذلك. وهذا الدعاء مما يستحب الإتيان به في استفتاح الصلاة، في استفتاح الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، وقبل الشروع في القراءة. فذكر الإمام مسلم رحمه الله في هذا الموضع ثلاثة أحاديث، الحديث عن أبي هريرة، الذي هو أصح ما ورد وثبت في هذا الباب في أدعية الاستفتاح: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، إلى آخره. ثم ذكر حديث أنس: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. ثم ذكر حديث ابن عمر: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا. وكلها ثابتة عن النبي ﷺ. هناك أيضًا أدعية أخرى ستأتي معنا في قيام الليل، حديث علي رضي الله عنه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، إلى آخره. وكلها مشروعة، وكذلك ثابتة عن النبي ﷺ. لكن أصح هذه الأحاديث هو حديث أبي هريرة، لأنه اتفق البخاري ومسلم على إخراجه. وأما حديث أنس وابن عمر، فمما انفرد بهما مسلم.