الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 41، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد على أهمية السكينة عند حضور الصلاة واتباع الآداب مثل غض البصر وخفض الصوت. يشرح كيفية التعامل عند الذهاب للصلاة.
يشرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام حول إدراك الصلاة مع الإمام ونهيه عن الإسراع إليها، ويبين أجر إدراك الصلاة مع الإمام.
يتناول حكم قضاء ما فات من الصلاة مع الإمام، حيث يعتبر ما يدركه المصلي مع الإمام أول صلاته وما يقضيه بعد سلام الإمام آخر صلاته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، قال: عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبوري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثني محمد بن جعفر بن زياد، قال: أخبرنا إبراهيم، يعني بن سعد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثني حرملة بن يحيى، واللفظ له، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». قال: وحدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وابن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ثوب للصلاة -يعني أقيمت الصلاة، و"ثوب" معنى: أخبر أو أعلن عن إقامتها- قال: إذا ثوب للصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة، فهو في صلاة». قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، من همام الصنعاني، قال: حدثنا معمر بن راشد، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نوذي بالصلاة، فأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الفضيل، عن ابن عياض، عن هشام، قال: وحدثني زهير بن حرب، واللفظ له، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ثوب بالصلاة، فلا يسعى إليها أحدكم، ولكن ليمش، وعليه السكينة والوقار، صل ما أدركت، واقض ما سبقك». قال: وحدثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا محمد بن المبارك الصوري، قال: حدثنا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه -وأخبره- قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع جلبة -أي أصوات حركة- فقال: «ما شأنكم؟» قال: استعجلنا إلى الصلاة، قال: «فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة، فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما سبقكم فأتموا». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا معاوية بن هشام، قال: حدثنا شيبان بهذا الإسناد. هذه الأحاديث فيها أدب من آداب الصلاة، وهو أن يأتي المصلي إلى الصلاة وعليه السكينة والوقار، يأتيها وهو يمشي بسكون وهدوء وطمأنينة، لا يجري حتى يدرك الصلاة مع الإمام إذا أقيمت قبل أن يدخل إلى المسجد. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا ثوب للصلاة -يعني إذا أقيمت- فلا تأتوها وأنتم تسعون -يعني تجرون وتسرعون في المشي- وأتوها وعليكم السكينة، وعليكم السكينة». وفي الرواية الأخرى: «والوقار». قيل: هما بمعنى واحد، وذكر من باب التأكيد. وقيل: بينهما اختلاف المعنى، وهذا هو الأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فقيل: السكينة تكون في الحركات، يعني يأتي وهو ساكن لا يعبث بيديه يمينا وشمالا. والوقار في الهيئة، والوقار في الهيئة من غض البصر، وكذلك خفض الصوت، وعدم الالتفات؛ لأنه في حكم المصلي. ولهذا قال: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة -يعني يقصد إلى الصلاة- فهو في صلاة»؛ يعني يكتب له أجر صلاته. وإذا كان هو في حكم الصلاة، فعليه أن يتأدب بآداب الصلاة من السكون والوقار وعدم العبث، وكذلك أيضا أن يكون على أكمل هيئة. ثم إذا جئت وأدركت الإمام في الصلاة، ما أدركت فصلي، وما فاتك فأتم. وما فاتك فأتم. فهذه الأحاديث تدل على هذه الأحكام والمسائل، ومنها مشروعية رفع الصوت بالإقامة، ومن ذلك إقامة الصلاة بمكبرات الصوت، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا ثوب للصلاة»، فلا تأتوها. معنى ذلك أن من كان خارج المسجد ربما يسمع إقامة الصلاة، فإذا سمع فعليه أن لا يستعجل. وهذا يدل على أنه لا بأس أن يرفع الصوت بالإقامة في مكبرات الصوت. وكذلك أيضا فيه استحباب أن يأتي المصلي بسكون وهدوء، وأن لا يتعجل للدخول مع الإمام في الصلاة إذا كان هذا بعد إقامة الصلاة. إذا ثوب لها وأقيمت، فلا يتعجل. من باب أولى قبل إقامتها أنه لا يتعجل حتى يدخل إلى المسجد، أو لأجل مثلا يتعجل لإدراك الصف الأول، فيجري أو يسرع في المشي أو نحو ذلك. لماذا؟ لأنه إذا جاء مسرعا سيأتي ويدخل في الصلاة وهو ربما يعني تقطع أنفاسه من شدة التعب، فيدخل من غير خشوع ولا طمأنينة قلب. وهذا خلاف المقصود من الصلاة أن يصلي المصلي وهو خاشع متدبرا. قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون. والسعي إلى الصلاة والجري إليها مما ينافي ذلك، مما ينافي الخشوع. والأمر بحمد الله مدرك. فأنت إذا دخلت مع الإمام صليت ما أدركته معه، وقضيت ما فاتك معه. كذلك أيضا أن يأتي المصلي إلى الصلاة وهو على أكمل هيئة من السكون والوقار، يأتي وهو يعني في مشيه غاض لبصره، حافظا لجوارحه، خافضا لصوته، لا يتلفت برأسه، ولا يعبث بيديه. فهذا أدب ينبغي أن يتأدب به المسلم في إتيانه للصلاة، وهو يؤجر في ذهابه ومشيه إلى الصلاة. إذا كان أحدكم يعمد إلى الصلاة، فهو في صلاة. فهو في صلاة. أو في حديث أبي كعب في قصة الرجل الذي كانت لا تفوته صلاة في المسجد مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقيل له: لو اتخذت لك حمارا تركب منه في الرمضاء وفي الظلماء. فقال: إني أحب أن يكتب لي ممشاي إذا مشيت إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، قال: «إن لك ما احتسبت». وفي رواية: «قد كتب الله لك ذلك كله»؛ يعني أجر الذهاب يحتسب لك كأنك في الصلاة. وهكذا أيضا أجر الرجوع إذا رجعت من المسجد إلى منزلك. وهكذا حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفيه: «فلا يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». فالمقصود أنه مأجور في ذهابه ومشيه إلى الصلاة، فينبغي أن يكون على أكمل هيئة وأحسن حال. وكذلك أيضا قوله: «فلا تأتوها وأنتم تسعون»، هذا نهي. نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الإتيان إلى الصلاة بسعي وجري وتعجل، بل ينبغي أن تأتي وأنت تمشي، وأنت تمشي مشيا معتادا. ثم قال: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وفي الرواية الأخرى: «فاقضوا ما سبقك». فاقضي ما سبقك. بالاختلاف هاتين الروايتين اختلف أهل العلم فيما يدركه المصلي مع الإمام، هل هو أول صلاته أو آخر صلاته؟ الآن جئت فدخلت مثلا مع الإمام في الصلاة الرباعية كصلاة العصر، دخلت معه في الركعتين الأخيرتين. هل تحسب لك؟ هل تكون إذا صليت هاتين الركعتين بالنسبة لك تكون أدركت أول الصلاة؟ وإذا سلم وقمت قضيت الركعتين، تكون قضيت الركعتين الأخريتين؟ أو أنك إذا دخلت معه في الركعتين الأخيرتين تكون هاتان الركعتان هما آخر صلاتك؟ وما تقضي هما أول صلاتك؟ هذه المسألة اختلف أهل العلم لاختلاف هذه الروايات. فمن أهل العلم من قال: ما يدركه المصلي هو آخر صلاته، وما يقضيه هو أول صلاته. ما يدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وما يقضيه هو أول صلاته؛ لهذه الرواية «فاقضي ما سبقك». قالوا: إذن معنى هذا أنه سيقضي ما قد فاته، فلا يكون مدركا مع الإمام أول صلاته. ومن أهل العلم من قال: بل ما يدركه الإمام مع الصلاة هو أول صلاته، هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخر صلاته. هذا والصحيح قول جمهور أهل العلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وأكثر الروايات هي بهذا اللفظ: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». معنى هذا أن ما أدركته مع الإمام هو أول صلاتك، فأنت تقوم فتتم ما بقي من الصلاة بعد سلام الإمام. وأما رواية «واقضي ما سبقك»، فالمراد بالقضاء هنا هو الفعل، كما قال إمام النووي رحمه الله: «اقضي ما سبقك»؛ يعني افعل وأتي بالذي بقي من الصلاة. وليس المراد بالقضاء في هذا الحديث القضاء عند المتأخرين؛ القضاء عند المتأخرين وهي قضاء يعني الصلاة الفائتة التي قد خرج وقتها أو نحو ذلك. وإنما المراد به مجرد الفعل. وهذا هو الصحيح. إذن ما يدركه المصلي مع الإمام هو أول صلاته، وما يقضيه بعد سلام الإمام هو آخر صلاته، هو آخر صلاته. قال: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.