كتاب الطهارة 7

كتاب الطهارة 7

الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الطهارة والاستنثار

يشرح المقطع أحكام الاستنثار والاستجمار، حيث يتحدث عن أهمية الاستنثار ثلاث مرات عند الاستيقاظ من النوم لطرد الشيطان، والاستجمار بالحجارة أو ما يقوم مقامها لإزالة النجاسة مع التأكيد على الإيتار في عدد مرات الاستجمار.

تحذير من عذاب النار بسبب إهمال الوضوء

يشرح المقطع حديث "ويل للأعقاب من النار" ويبين سببه من خلال روايات مختلفة، حيث يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك بسبب عدم إسباغ الوضوء وترك الأعقاب دون غسل عند الوضوء للصلاة.

وجوب غسل القدمين في الوضوء وتأكيد الحكم

يؤكد الحديث على وجوب غسل القدمين في الوضوء إذا كانت مكشوفتين، وأن المسح لا يجزئ في هذه الحالة، مع بيان إجماع جماهير السلف من الصحابة ومن بعدهم على هذا الحكم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثني بشر بن الحكم العبدي قال: حدثنا عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه». هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات». والأمر بالاستنثار هنا يستلزم منه الأمر بالاستنشاق؛ لأن الاستنثار يكون بعد الاستنشاق. والاستنثار إخراج الماء من الأنف، والاستنشاق إدخال الماء إلى الأنف. فقوله: «فليستنثر ثلاث مرات» يعني بعد أن يستنشق فيستنثر. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة في ذلك في أمره بالاستنثار والاستنشاق بعد الاستيقاظ من النوم، قال: «فإن الشيطان يبيت على خياشيمه». والخياشيم جمع خيشوم، والخيشوم قيل هو أعلى الأنف، وقيل هو الأنف كله. والمعنى أن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، أي في أنفه عند النوم. والحديث على ظاهره، هذا هو الظاهر أن الحديث على ظاهره، وأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وقد جعل الله سبحانه وتعالى له قوة وقدرة على الجريان في جسم الإنسان، فلا مانع أن يبيت على خيشومه عند نومه. فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنشاق بعد الاستيقاظ من النوم. وهذا قد يقال بوجوبه بعد الاستيقاظ من النوم، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل اليدين قبل وضعها في الإناء بعد الاستيقاظ من النوم، مع أن غسل اليدين قبل الوضوء مستحب وليس بواجب. لكن بعد الاستيقاظ من النوم فإنه يجب غسلها قبل وضعها في الإناء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». وهكذا يقال أيضا في الاستنشاق بعد الاستيقاظ من النوم؛ فإنه يتأكد فعله لهذه العلة، وهي كون الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان. وكما ذكره العلماء: أنه ليس من منافذ الجسم مما يتوصل إلى القلب، وليس له ما يغلقه إلا الأنف، فالأنف منفذ مفتوح يصل إلى القلب، إلى الجوف. قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، ومن همام الصنعاني، قال: أخبرنا من جريج، وعبد الملك، قال: أخبرني أبو الزبير -وهو محمد بن تدرس- أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استجمر أحدكم فليوتر». ما معنى الاستجمار؟ الاستجمار بالحجر، ويجوز أيضا بالخشب. الخشم يعني يقوم مقام الاستجمار بالحجارة. فالأصل في الاستجمار أنه بالحجارة، ولهذا سمي بالاستجمار أخذا من الجمار وهي الحجارة. ويقوم مقامها ما يقوم مقام الحجارة كالخشب والمناديل ونحو ذلك مما هو خشن يزيل النجاسة، وليس له حرمة. أما ما كان ليس له خشونة، وكان يعني فيه شيء من النعومة كالزجاج، فهذا لا يصلح ولا يجزئ؛ لأنه لا يزيل النجاسة. وهكذا أيضا ما له حرمة لا يجوز، كالأوراق التي فيها ذكر الله جل وعلا أو فيها أحاديث أو شيء من ذلك من كتب العلم؛ فهذا لا يجوز الاستجمار بها. هكذا أيضا الأكل لا يجوز الاستجمار ببقايا الطعام؛ لأن لها حرمة. فإذا استجمر الإنسان فإنه يوتر. إذا استجمر أحدكم فليوتر. طيب الواجب كم في الإيتار؟ الواجب ثلاث، الإيتار بثلاث هذا واجب. ما يجزئ الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار. فإذا لم يحصل الإنقاء بهذه الثلاثة زاد رابعة، ويستحب حينئذ أن يزيد خامسة حتى يكون استجماره على وتر. قال رحمه الله: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، وأبو الطاهر، وأحمد بن عيسى، قالوا: أخبرنا عبد الله بن وهب -وهو أبو محمد المصري- عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد، قال: دخلت على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل للأعقاب من النار». قال: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني حيوة، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدثه أنه دخل على عائشة فذكر عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. قال: وحدثني محمد بن حاتم، وأبو معن الرقاشي، قال: حدثنا عمر بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير -ويحيى بن أبي كثير هو القائل: «لا ينال العلم براحة الجسد»- قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني سالم مولى المهري، قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبي بكر في جنازة سعد بن أبي وقاص، فمررنا على باب حجرة عائشة، فذكر عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال: وحدثني سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن أعين، قال: حدثنا فليح، قال: حدثني نعيم بن عبد الله، عن سالم مولى شداد بن الهاد، قال: كنت أنا مع عائشة رضي الله عنها، فذكر عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها، وسيأتي كذلك ذكر هذا الحديث عن غيرها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ويل للأعقاب من النار». ويل للأعقاب من النار. طيب لعل الأنسب أن نقرأ بقية الروايات حتى يتضح سبب قول النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الحديث. قال: وحدثني زهير بن حرب، والنسائي، قال: حدثنا جرير، قال: وحدثنا إسحاق، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمر، قال: رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، قال: وحدثنا ابن المثنى، وابن بشار -محمد بن المثنى أبو موسى العنزي، وابن بشار كذلك، محمد بن بشار المروزي- قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، كلاهما عن منصور بهذا الإسناد، وليس في حديث شعبة: «أسبغوا الوضوء». وفي حديث عن أبي يحيى الأعرج، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، وأبو كامل الجحدري جميعا عن أبي عوانة، قال أبو كامل: حدثنا أبو عوانة -واسمه يعقوب بن إسحاق- والضحاك بن عبد الله اليشكري، قال: عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمر، قال: تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه، فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى: «ويل للأعقاب من النار». هذه الرواية رواية عبد الله بن عمر تبين سببا لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ويل للأعقاب من النار». فأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فتعجل قوم -يعني تعجلوا في الوضوء حتى يصلوا العصر- فتوضأوا وهم في عجلة، وهم عجال -يعني مستعجلين- فتعجلوا فجعلوا يمسحون على أرجلهم، قال: «فجعلنا نمسح على أرجلنا»، فلم يغسلوها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويل للأعقاب من النار». والأعقاب جمع عقب، والعقب هو مؤخرة القدم، مؤخرة القدم. في هذا الحديث بيان ما عليه جمهور السلف من وجوب غسل القدمين في الوضوء، وأنه لا يجزئ غير الغسل إذا كانت القدمان مكشوفتان؛ وجب غسلها، ولا يجزئ مسحها. أولا لدلالة الأدلة على ذلك، كما في قوله جل وعلا: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾. وأرجلهم قراءة النصب هنا العطف على غسل الوجه واليدين. وهكذا أيضا الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرها في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، ليس في شيء منها أنه عليه الصلاة والسلام مسح على قدميه وهما مكشوفتان، بل كلها فيها أنه غسل قدميه. وهذا كذلك أيضا في هذا الحديث إنكار النبي عليه الصلاة والسلام على من مسح قدميه ولم يغسلها، فقال: «ويل للعقاب من النار»؛ لما رأى الذين تعجلوا فمسحوا على أقدامهم ولم يغسلوها، أخبر بأن المواضع التي لم يمسها الماء في مؤخرة القدم -أو أن هذه القدم التي لم يمسها الماء- فهي معرضة للنار. «ويل للعقاب من النار»، وهذا لا شك أنه وعيد شديد يدل على وجوب غسل القدمين وأنه لا يجزئ مسحها. هذا الذي عليه كما قلنا جماهير السلف من الصحابة ومن بعدهم. خالف في ذلك الشيعة؛ فالشيعة عندهم أنه يجوز مسح القدم، يجوز مسح القدم إذا كانت مكشوفة، بل الواجب عندهم المسح، الواجب عندهم المسح مسح القدم. واستدلوا برواية الجر في قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ ﴿فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾. ومر معنا توجيه الآية على قراءة الجر، وإن كانت قراءة صحيحة، لكن ليس فيها دليل على جواز مسح القدم وهي مكشوفة. فكيف توجه هذه الآية بقراءة الجر؟ نعم، أنها جرت للمجاورة؛ أنها جرت للمجاورة فلما جاورت مسح الرأس وهو مجرور جرت لأجلها. وهذا مستعمل في اللغة العربية، ومن ذلك قولهم: «نعم هذا جحر ضب خرب». هذا جحر ضب خرب، خرب وصف وصفة لجحر، وجحر مرفوع، والأصل أن الصفة تتبع الموصوف، فكان ينبغي أن ترفع، لكن لما جاورت المجرور جرت لأجل ذلك. هذا التوجيه الأول. والتوجيه الثاني: على المسح على الخفين. الوجه الثاني أن رواية الجر تحمل على المسح على الخفين؛ فقوله جل وعلا: ﴿برؤوسكم وأرجلكم﴾ يعني لمن كان لابسا للخفين. أما وهما مكشوفتان فلا يجزئ إلا الغسل؛ فلا يجزئ إلا الغسل. والعجيب من أمر الشيعة أنهم يقولون بوجوب مسح القدم، وفي المقابل لا يرون جواز المسح على الخفين؛ لا يرون الجواز المسح على الخفين. وهكذا أيضا ذكر الإمام النووي رحمه الله في شرحه: أن ممن قال بجواز المسح ذكر عن ابن جريج رحمه الله، وهكذا الجبائي من المعتزلة: أنهما قالا بالتخيير؛ أن المتخير يتخير بين مسح القدم وبين غسلها. وهذا القول أيضا خلاف الصواب. وذكر عن بعض أهل الظاهر أنه يجب الجمع بين المسح والغسل؛ يجب الجمع بين المسح والغسل. وهذا أيضا كذلك ليس بصحيح؛ بل الواجب كما سمعنا هو غسل القدم إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت فيها الخفين وما كان بمعناهما. هذا القول والصحيح الذي عليه جماهير السلف من الصحابة ومن بعدهم. قال رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي، قال: حدثنا الربيع، عن ابن مسلم، عن محمد -وهو ابن زياد- عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا لم يغسل عقبيه، فقال: «ويل للعقاب من النار». قالوا: حدثنا قتيبة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالوا: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، أنه رأى قوما يتوضؤون من المطهرة -والمطهرة الإناء الذي يطهر به- قال: «أسبغوا الوضوء؛ فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للعراقيب من النار». والعراقيب جمع عرقوب، وهو العصبة التي تكون فوق العقب، يعني مكان تحت الكعبين وفوق العقاب. قالوا: حدثني سهيل بن حرب، قال: حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للعقاب من النار».