كتاب الطهارة 8

كتاب الطهارة 8

الدرس في كتاب الطهارة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الوضوء وآثار ترك غسل الأعضاء

الدرس يتناول حكم ترك موضع صغير دون غسل في الوضوء، حيث يبين أن حجم الموضع المتروك يحدد ما إذا كان يكفي غسل الموضع فقط أو إعادة الوضوء كاملا.

فضل الوضوء وتأثيره على تكفير الذنوب

الوضوء له فضل عظيم في تكفير الخطايا التي يرتكبها الإنسان بجوارحه، حيث يخرج مع الماء كل خطيئة، ويجعل المسلم نقياً من الذنوب.

شرح حديث أبي هريرة وإسباغ الوضوء

الدرس يشرح كيفية إسباغ الوضوء كما فعل أبو هريرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين أن إسباغ الوضوء يؤدي إلى تكفير صغائر الذنوب.

آثار الوضوء يوم القيامة وتمييز المؤمنين

يوم القيامة يكون للمتوضئين آثار النور في وجوههم وأيديهم وأقدامهم، وهذا من فضائل الوضوء التي تميز المؤمنين ويعرف بها النبي أمته.

التفريغ النصي الكامل

الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثني سلامة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين، قال: حدثنا معقل عن أبي الزبير عن جابر، قال: أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى. هذا الحديث يخبر عمر رضي الله عنه أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر -يعني في قدمه- ترك موضع ظفر لم يصبه الماء، موضع الظفر أي من الأصبع، موضع ظفر هذا لم يصبه الماء، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحسن الوضوء: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى. وقول عليه الصلاة والسلام: ارجع فأحسن وضوءك، هذا محتمل أن يعيد الوضوء كاملا، أو أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء؛ لأنه قال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى، ولم يقل: ارجع فأعد الوضوء، فالحديث محتمل، وخاصة أن هذا الموضع الذي تركه -يعني موضع صغير- قد يحصل الغفلة والنسيان في تركه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يرجع فيحسن الوضوء، ولو أنه غسله وما زالت الأعضاء مبتلة أجزأ ذلك. بخلاف ما لو ترك أكثر من ذلك، فقد جاء التصريح في حديث آخر بإعادة الوضوء والصلاة، وهو إذا ترك قدر الدرهم، كما جاء في حديث خالد بن معدان عند أبي داود في سننه، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلا رآه النبي عليه الصلاة والسلام يصلي، وفي قدمه مثل الدرهم لمعة -قدر الدرهم- لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة، أمره أن يعيد الوضوء والصلاة. وهذا أن ترك مثل هذا الموضع -قدر الدرهم- هذا فيه شيء من التفريط، هذا فيه شيء من التفريط، فلهذا أمره أن يعيد الوضوء والصلاة. أما إذا كان ما تركه قدر الظفر، فهذا يجزئ أن يغسله، يغسل هذا الموضع الذي نسيه أو تركه، ويكفي ذلك. ولهذا قال بعض أهل العلم: بهذا التفريق، إذا كان ما تركه من الموضع قدر الظفر، فيكفي أن يغسله بالماء، وإذا كان أكثر من ذلك -قدر الدرهم أو أكثر- فهنا يجب إعادة الوضوء؛ لأنه بهذا يكون مفرطا في وضوءه. وفيه كذلك أيضا في هذا الحديث وجوب استيعاب الأعضاء كلها من الماء إذا غسلت في الوضوء، فلابد من غسل العضو كاملا، فلا يترك منه موضعا من غير أن يصيبه الماء. وقد يستدل به كذلك أيضا ما كان من موضع قد ينساه الإنسان أو يغفل عنه جهلا، ويكون قدر الظفر أو دون ذلك، وهذا مما قد يعذر فيه الإنسان إذا كان مما يشق التحرز منه، كبعض المواضع التي ربما يصيبها شيء يمنع وصول الماء، وتكون بنحو هذا القدر أو أقل من ذلك. كمثلا من يعمل في الصبغ ربما بعد أن ينتهي من العمل يزيل ما أصابه من هذه الأصباغ، وما يدري إلا ويجد بعض البقع ربما ما زالت موجودة بعد أن يصلي أو بعد خروج وقت الصلاة، فربما يسأل كيف يفعل؟ فيقال: إذا كان شيئا يسيرا أو مواضع قليلة يشق التحرز منها -كنقط يسيرة- فهذا قد يعفى عنه للمشقة. وأما إن كان الموضع كبيرا -قدر الظفر أو نحو ذلك- فهذا يلزمه أن يعيد الصلاة، وخاصة إذا كان الوقت موجودا؛ لأنه يعتبر هذا شيئا من التفريط أن يترك مثل هذا الموضع لا يزيله، وكذلك ليصل إليه الماء. ومثل أيضا من يعمل في الصيد، فربما يقع في جسده قشر الصيد ويلتصق بالجلد، فربما يأتي بعد العمل فيصفي نفسه ويظن أنه لم يبق من أثر هذا القشر شيء فيصلي، وبعد الصلاة يجد ربما بعض القشر أو قشرا مثلا موجودة ما زالت لم تخرج، لكن لما بدأ جسمه باليبس ظهرت وخرجت، فكيف يفعل؟ هذا أيضا مما يعفى عنه لأجل المشقة، مشقة التحرز منه، وقد تكون قدر الظفر أو دون ذلك. أما إذا كان شيء كثير -كانت تكون مثلا ثلاث أو أربع أو نحو ذلك من القشور- هذا يعد تفريطا، معنى أنه لم يصفي نفسه جيدا، ومثل هذا يلزمه إعادة الوضوء والصلاة. أما إن كان شيئا يسيرا -كقشرة أو نحو ذلك- فمثل هذا يعفى عنه لأجل المشقة. على أن المسلم يحرص على أن يزيل كل ما يمنع الوضوء من مثل هذه الأشياء وغيرها، حتى يصيب الماء جسده كاملا أو مواضع الوضوء كاملة من غير أن يوجد شيء يعزل وصول الماء إلى الجلد. قال رحمه الله: حدثنا سويد بن سعيد عن مالك بن أنس، قال: حدثنا أبو الطاهر -واللفظ له- قال: أخبرنا عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس، وهو الأصبح، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب -مذهب المالكية- ينسى به، رحمه الله. الإمام مالك بن أنس كان يقول: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال: عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء-. فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء-، فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقياً من الذنوب. هذا الحديث فيه بيان فضيلة من فضائل الوضوء، وأنه يكفر الخطايا من الإنسان التي وقع فيها وارتكبها من جوارحه، فإن الماء يطهره. قال: إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء-، إذا غسل وجهه تقاطر ما حصل منه من خطأ، والمراد به صغائر الذنوب، ما ربما تقع عليه عينيه من النظر إلى الشيء المحرم، فتخرج هذه الخطايا مع الماء، تتقاطر مع الماء وتساقط مع قطر الماء. فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء-، كذلك ما وقع منه من خطيئة بيديه من بطش أو اعتداء، فإنها إذا توضأ وغسل يديه، خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه، والمراد بها من صغائر الذنوب. وإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقياً من الذنوب، يعني بعد أن ينتهي من الوضوء يكون قد تنقى من الذنوب، وهذا لا شك أنها فضيلة عظيمة ينالها المسلم بوضوءه للصلاة، أن ينقى من الذنوب والخطايا. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي، قال: حدثنا أبو هشام المخزومي عن عبد الواحد -وهو ابن زياد- قال: حدثنا عثمان بن حكيم، قال: حدثنا محمد بن المنكدر عن حمران عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره. في هذا الحديث بيان هذا الأجر وهذه الفضيلة، لكن بقيد إحسان الوضوء، معنى أنه ليس كل من توضأ ينال هذا الأجر إلا من أحسن في وضوءه، إلا من أحسن في وضوءه. وإحسان الوضوء أن يتوضأ وضوءا صحيحا -صحيحا- يغسل كل عضو من أعضاء الوضوء غسلا تاما كاملا، وهكذا أيضا أن يكون هذا الوضوء مقترنا به مستحباته وآدابه، فإذا كان وضوه على هذا الوصف فإنه ينال هذه الفضيلة: أن تخرج خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره، وهذا مبالغ فيه فيما يحصل له من تنقية من الذنوب والخطايا. وهذه -كما قلنا- المراد بها الصغائر دون الكبائر، فإن الكبائر لابد فيها من التوبة، لكن صغائر الذنوب فإنها تكفرها الأعمال الصالحة. قال رحمه الله: حدثني أبو كريم محمد بن العلاء والقاسم بن زكريا بن دينار، قالا: وعبد بن حميد، قالوا: حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، قال: حدثني عمارة بن غزية الأنصاري عن نعيم بن عبد الله المجمر -والمجمر لأنه أبوه عبد الله كان يجمر -أي يبخر- مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقب بالمجمر، وأصل هذا اللقب لأبيه، ليس لنعيم، ولكن لعبد الله- قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطول غرته وتحجيله. هذا الحديث في أن أبا هريرة رضي الله عنه توضأ فأسبغ الوضوء -يعني أعطى كل عضو حقه من الغسل- فغسل يده اليمنى حتى شرع في العضد -يعني غسل مرفقيه وزاد حتى دخل في العضد- ثم اليسرى مثل ذلك، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق -يعني أدخل الكعبين وزاد شيئا من الساق- ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. وهذا فيه ما ذهب إليه كثير من أهل العلم إلى أن معنى قول الله جل وعلا: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾، وقبلها: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، أن المراد: إلى هنا بمعنى: مع، بمعنى مع، وليس المراد: إلى المرافق أي الغاية، الغسل إلى المرفق، وإنما المراد: إلى المرافق أي مع المرافق، واغسل في قوله جل وعلا: ﴿إلى الكعبين﴾ أي مع الكعبين. و يفسر ذلك ويوضحه فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه توضأ فغسل يديه حتى شرع في العضد، معنى: أدخل المرفق في غسل اليد، وهكذا أيضا فعل في القدم، فغسل قدميه حتى شرع في الساق، فأدخل الكعبين وغسلهما، فدل هذا على أن المرافق بالآية -كما سمعنا- إلى بمعنى معه. ويكون هذا من إسباغ الوضوء أن تغسل اليدين مع المرفقين، ولا يتأكد ذلك إلا بالشروع في شيء من العضد، وهكذا أيضا في غسل القدمين يكون بغسل الكعبين والشروع في شيء من الساق كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، الغر: أصل الغرة بياض في ناصية الفرس، بياض في ناصية الفرس، والتحجيل: بياض في قوائمه -في أقدامه-، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أو شبه النبي صلى الله عليه وسلم آثار الوضوء التي تكون في المسلم يوم القيامة بما يكون فيهم من البياض في ناصيته وفي مواضع الوضوء كالغرة والتحجيل في الفرس. والمعنى أن المؤمن والمسلمين يوم القيامة عليه آثار الوضوء من النور والبياض حتى يعرف النبي صلى الله عليه وسلم أمته من بين سائر الناس بآثار الوضوء، وهذا أيضا من فضائل الوضوء، من فضائل الوضوء: أن المتوضئ يكون يوم القيامة عليه آثار النور في وجهه وفي يديه وقدمه من آثار الوضوء. وأما قوله: فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله، سيأتي بيان أن هذه العبارة الصواب أنها مدرجة من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.