كتاب الطهارة 6

كتاب الطهارة 6

الدرس في كتاب الطهارة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

يشرح المقطع كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، حيث توضأ النبي وغسل يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه. الحديث يبين صفة الوضوء الصحيحة للنبي.

تفاصيل الوضوء والأحكام المتعلقة به

يفصل هذا الجزء كيفية الوضوء كما ورد في الروايات، مشيرا إلى المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل القدمين، ويبين الأفضل والأكمل في العدد وجواز الاختلاف فيه. كما يشير إلى أهمية الاستنشاق وإخراج الماء من الأنف أثناء الوضوء.

حكم الاستنشاق في الوضوء والاستجمار بالأحجار

يناقش هذا الجزء حكم الاستنشاق في الوضوء حيث اختلف العلماء بين الوجوب والاستحباب، والأظهر أنه مستحب. كما يشرح حديث النبي حول الاستجمار بالأحجار وترا لتحقيق الطهارة، ويوضح أن الماء أفضل من الحجارة في تحقيق النقاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثني محمد بن الصباح، وهو البزاز الدولابي أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، قال: حدثنا خالد بن عبد الله عن عمر بن يحيى بن عمارة عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، وكانت له صحبة. وهناك صحابي آخر اسمه عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو صاحب الأذان، صاحب حديث الأذان. وأما هذا، عبد الله بن زيد بن عاصم، صاحب حديث الوضوء، قال: قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء، فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثا. ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين. ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر. ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثني القاسم بن زكريا قال: حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان، هو ابن بلال، عن عمر بن يحيى بهذا الإسناد نحوه، ولم يذكر الكعبين. وحدثني إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك بن أنس عن عمر بن يحيى بهذا الإسناد، وقال: مضمض واستنثر ثلاثا، ولم يقل: من كف واحدة. وزاد بعد قوله: فأقبل بهما وأدبر، بدأ من مقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، وغسل رجليه. قال: وحدثنا عبد الرحمن بن بشر العبدي قال: حدثنا بهز قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا عمر بن يحيى بمثل إسنادهم، واقتص الحديث، وقال فيه: فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات، وقال أيضا: فمسح برأسه، فأقبل به وأدبر مرة واحدة. قال بهز: أملأ علي وهيب هذا الحديث، وقال وهيب: أملأ علي عمر بن يحيى هذا الحديث مرتين. قال: وحدثنا هارون بن معروف، وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، وأبو الطاهر قال: وحدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمر بن الحارث أن حبان بن واسع حدثه أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فمضمض ثم استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويده اليمنى ثلاثا، والأخرى ثلاثا، ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما. قال أبو الطاهر: حدثنا ابن وهب عن عمر بن الحارث، هذا الحديث حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري رضي الله عنه من الأحاديث الصحيحة، أو من صحاح الأحاديث في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام. فعبد الله بن زيد توضأ لمن سأله أن يتوضأ له وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا بإناء، فأكفأ منها على يديه، يعني أمال الإناء حتى غسل يديه خارج الإناء. قال: فغسلهما ثلاثا، وغسل اليدين قبل الوضوء حكمه أنه مستحب، أنه مستحب باتفاق أهل العلم. وأما غمسها داخل الإناء، فإن كان بعد استيقاظ من نوم فيجب غسلها قبل أن يغمسها في الإناء. وأما إن كان من غير استيقاظ، فيستحب ولا يجب، إلا إذا كان في يده نجاسة أو شيء من ذلك، فيجب غسلها قبل أن يدخلها في الإناء. قال: ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثا، يعني بعد أن غسل يديه أدخل يده داخل الإناء، ثم استخرجها، أي أخرج يده، فمضمض واستنشق من كف واحدة، من كف واحدة، يعني يأخذ غرفة واحدة يتمضمض بجزء منها، والجزء الآخر يستنشقه ويدخله إلى أنفه، ثم يستنثر باليد اليسرى، يفعل ذلك ثلاث مرات بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنثر أو يستنشق من كف واحدة. وفي الرواية الأخرى قال: مضمض واستنثر ثلاثا. والاستنثار إخراج الماء من داخل الأنف، إخراج الماء من داخل الأنف، ولا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق، لا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق. فقوله: واستنثر، معنى أنه استنشق قبل ذلك، فأدخل الماء مع المضمضة، ثم أخرجه بيده اليسرى، وهو الاستنثار. إذن يكون المضمضة والاستنشاق من كف واحد، هذا هو المستحب والأفضل والأكمل. ويجوز أن يتمضمض بثلاث غرفات للفم، ثم يستنشق بثلاث غرفات للأنف، هذا جائز، لكن الأفضل والمستحب بفعل النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتفي بثلاث غرفات للمضمضة والاستنشاق. قال: ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين. هنا خالف في العدد، غسل الكفين غسلها ثلاثا، والمرفقين والاستنشاق ثلاثا، غسل الوجه ثلاثا، فلما غسل يديه غسلهما مرتين. وهذا فيه جواز اختلاف العدد في الوضوء، أن يغسل بعض الأعضاء ثلاثا، وبعضها مرتين، أو بعضها مرة، هذا جائز. لأن الواجب هو غسلها مرة واحدة، وما زاد فهو مستحب، فيجوز أن يغسل بعض الأعضاء مرتين، وبعضها يغسلها ثلاثا. والأفضل والأكمل أن يغسلها ثلاثا كلها، يغسل جميع الأعضاء ثلاثا، كل عضو يغسله ثلاثا ثلاثا. قال: ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، يعني مسح رأسه. قوله: فأقبل بيديه وأدبر، ظاهره أنه بدأ من الخلف، فأقبل بيديه وأدبر، أرجعها إلى الخلف، هذا ظاهر هذه الرواية. لكن الرواية الأخرى قال: فبدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. وهذه أوضح ومفسر لهذه الرواية، فقوله: فبدأ ومسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، تحمل على هذه الرواية الأخرى، أنه يبدأ بمقدم الرأس حتى يذهب بهما إلى الخلف، ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه. قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين. ومر معنا في الدروس الماضية أن المراد بالكعبين، وهكذا إلى المرفقين، مع المرفقين ومع الكعبين، أن يدخل المرفقان في غسل اليدين، وهكذا يدخل الكعبان في غسل الرجلين. قال: ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الرواية الأخرى قال: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، مسح برأسه بماء غير فضل يديه، يعني بماء جديد، مسح رأسه بماء جديد، بعد أن غسل يديه اليمنى ثم اليسرى، فلما أراد أن يمسح رأسه أخذ ماء جديدا فمسح به رأسه. هذا معنى قوله: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، يعني غير ما زاد من غسل اليدين. فهذا فيه أن مسح الرأس يكون بماء جديد. لكن مسح الأذنين، هل يكون بماء جديد أو بنفس ماء الرأس؟ الجواب: بنفس ماء الرأس، يمسح رأسه ثم يمسح أذنيه بنفس الماء. وأما الرواية التي جاءت في خارج الصحيح أنه مسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه، فهي شاذة لا تصح. والصواب أنه يمسح أذنيه بنفس الماء الذي مسح به رأسه، فلا يأخذ ماء جديدا لأذنيه. أما الرأس فإنه يأخذ له ماء جديدا. قال: وغسل رجليه حتى أنقاهما، هذا فيه كذلك تأكيد تنظيف القدمين، لأن القدمين موضع المشي والسير، فقد يصيبها ما يصيبها من الأوساخ والغبار، فيتأكد غسلها وتنظيفها. لهذا قال: حتى أنقاهما، يعني غسلها غسلا جيدا حتى صارت نظيفة نقية. قال رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد وعمر الناقد وحميد بن عبد الله بن نمير جميعا عن ابن عيينة قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى يبلغ به النبي أن يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه من عبارات رفع الحديث، من عبارات رفع الحديث، فمن باب الاختصار يقول مثلا: يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، هو كقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا، وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر. قال: وحدثني محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني قال: أخبرنا معمر بن راشد عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر. قال: وحدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا حسان بن إبراهيم قال: حدثنا يونس بن يزيد، وحدثني حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو إدريس الخولاني أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. حدث بهريرة فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإيتار عند الاستجمار، والاستجمار هو استعمال الحجارة في طهارة الموضع بعد قضاء الحاجة، إذا استعملت الحجارة فيقال لها استجمار، يقال استجمار. وأما إذا استعمل الماء فيقال استنجاء، استنجاء يقال استنجاء بالماء، واستجمر بالأحجار، والاستطابة تطلق على هذا وهذا، تطلق على الاستنجاء بالماء وعلى الاستجمار بالأحجار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا، يعني إذا استعمل الحجارة فليستعملها وترا، فليستعملها وترا، يعني ثلاثا أو خمسا أو سبعا. وهذا فيه أولا جواز الاستجمار، جواز الاستجمار، وأن الاستجمار بالأحجار عند قضاء الحاجة مجزئ، مجزئ ويحصل به الطهارة والنقاء. وإن كان الماء أبلغ من الحجارة، لأن الماء يزيل عين النجاسة، فلو يبقى لها أثر، بخلاف الحجارة فإنها تزيل عين النجاسة مع بقاء أثر، مع بقاء شيء من الرطوبة. وإن كان هذا لا يضر من حيث الطهارة، لكن الماء أنقى من الحجارة، الماء أنقى من الحجارة، ولهذا إذا وجد الماء فهو أفضل، إذا وجد الماء فهو أفضل. وإن لم يوجد فيستعمل الحجارة، وإذا استعمل الحجارة فإنه يستعملها وترا. وأقل هذا الوتر ثلاث، إذا استجمر يجب عليه أن يستجمر ثلاثا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، كما في حديث سلمان، نهاهم عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، لأنه بأقل من ثلاثة أحجار لا يحصل الإنقاء. فالاستجمار بثلاثة أحجار هذا واجب. طيب إذا لم يحصل الإنقاء بثلاثة أحجار زاد رابعة، فإذا حصل الإنقاء بها بالرابعة استحب له أن يزيد خامسة حتى ينتهي على وتر، حتى ينتهي من الاستجمار على وتر. فالاستجمار وترا مستحب في قول جمهور أهل العلم. قال: وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر، فليجعل في أنفه ماء هذا الاستنشاق، ثم لينتثر أي إخراج الماء من الأنف. وسدل بهذا من قال من أهل العلم بوجوب الاستنشاق في الوضوء. ومر معنا أن الأظهر والله أعلم هو استحباب الاستنشاق، ومذهب الإمام الشافعي ومالك رحمهم الله، وأن هذا الأمر يحمل على الاستحباب. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.