الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع فضل أهل العلم ومكانتهم الرفيعة في الإسلام، فهم قادة الدين ومنارة الهدى وأئمة العباد، وورثة الأنبياء بالعلم لا بالمال. كما يوضح أن علماء هذه الأمة أفضل من علماء الأمم السابقة، وأنهم يتفاوتون في الدرجات والتخصصات؛ فمنهم من يفتح الله عليه في العلم، ومنهم في العبادة.
يبيّن المقطع أن العالم أفضل من العابد لأن نفعه يتعدى إلى غيره بنشر العلم والدين، مستدلاً بقول مالك وأثر الشافعي وحديث فضل العالم على العابد. ويحذر من عواقب غياب العلماء أو تقصيرهم، حيث ينتشر الجهل ويظهر دعاة الضلال والبدع فيضلون الناس.
يحذر المقطع من فتنة الشهوات التي يسهل نشرها عبر الهواتف فتغوي حتى طلبة العلم، ويبين أن المال والمناصب ابتلاء من الله يمتحن به الأفاضل؛ فمن اتقى الله استعان بها على الطاعة، ومن لم يتق افتتن. ويضرب المثل بسالم بن عبدالله الذي رفض هدية سليمان بن عبدالملك في الحرم وخارجه، محتسباً أن طلب الحاجة من غير الله ذل واستغناء عن الله.
يذكر المتحدث أن الملك والمال الذي يُمنح للإنسان من الله يمكن أن يزول بين عشية وضحاها، مستشهداً بالتاريخ وقصة ابن العميد التي تحولت فيها الإمارة إلى فقر في يوم وليلة. ويختم بالتأكيد على أن هذه العبر تدعو إلى الاعتبار والاستعداد للآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر المؤلف رحمه الله تعالى فضيلة أهل العلم، وأن الله عز وجل شرفهم بالعلم وكرمهم به، وبوقار الحلم، فجعلهم للدين وأهله أعلامًا، وللإسلام والهدى منارة، وللخلق قادة، وللعباد أئمة وسادة، إليهم مفزعهم عند الحاجة. وذكرنا استدلال الدليل على هذه الأمور، وأيضًا قوله: «وَلَا تَصُدُّهُمْ عَنِ الرِّقَّةِ عَلَيْهِمْ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ رَحْمَتَهُمَا إِلَيْهِمْ»، أنا ليس عندهم حماسة ولا عصبية يخالفون بها شرع، وإنما يمشون مع شرع الله جل وعلا، ويتوخون الأمور المهمة. طيب، قال بعد ذلك: قال رحمه الله: «ثم جعل جل ثناؤه وذكره علماء أمة نبينا صلى الله عليه وعلا وسلم من أفضل علماء الأمم التي خلت قبلها فيما كان»، وذكرنا الدليل على ذلك، قسم لهم من المنازل والدرجات والمراتب، أنا جعل لهم مراتب عظيمة ودرجات، فأفضل كما قلنا أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما هلك نبي خلفه آخر، وأما هذه الأمة فيسوسها العلماء، فلهذا العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، ولكن ورثوا العلم، وجعلهم درجات ومنازل ومراتب، ليس كلهم سواء، فمنهم من هو أخشى الناس في دينه، ومنهم من هو أقل من ذلك، ومنهم تجد أنه حريص على العلم، ومنهم حريص على العبادة، ومنهم حريص على الصيام، وهكذا. ولهذا قال لما كتب عمر بن عبد العزيز - وكان من عباد المدينة وعلمائها - كتب إلى مالك بأن لا يتوسع في العلم وأنه يتعبد، وكذا، وكتب له رسالة، فكتب مالك رسالة عظيمة، وقال الله وقال له: «إنما يفتح الله عز وجل لعباده، فمنهم من يفتح له في العلم، ومنهم من يفتح له في العبادة، ومنهم من يفتح كذا»، فقال: «فلعل الله عز وجل فتح لي في العلم، فما أنت فيه ليس بأفضل مما أنا فيه». يقول: لما قال مالك لعبد العزيز: «فما أنت فيه ليس بأفضل مما أنا فيه»، يعني: لا تظن أنك أنت في العبادة أفضل مني في هذا المجلس، لا بل أنا أعلم الناس، أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، وليس الذي يعلم حديث رسول الله كالذي يعبد الله فقط ويشغل وقته في العبادة فقط، لا بل العلماء أفضل من العباد. ولهذا جاء في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، وفضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، معنى أن العالم له رفع على العابد، ولأن العابد ينفع نفسه، وأما العالم فينفع نفسه وينفع غيره وينشر دين الله جل وعلا، ولهذا لو لا العلماء لانتهى الدين، لولا هؤلاء العلماء بنشرهم العلم الصحيح لانتهى ذلك الدين، لأنه سيأتي الجهال ويدخلون في دين الله ما ليس منه، فلا أحد يعارضهم، أما العابد فهو منشغل بعبادته، منشغل بعبادته. لهذا العبارة العظيمة التي كان يقولها إمامنا الشافعي رحمه الله، كان يقول: «لولا المنابر، أو قال: لولا العلماء، لولا أصحاب المحابر، لولا أصحاب المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر». قال: «لولا أصحاب المحابر»، أصحاب المحابر معنى العلماء وطلبة العلم الذين يطلبون العلم ويعلمونه الناس، قال: «لولا أصحاب المحابر لخطبت الزنادقة في المنابر»، الزنادقة الذين ليس عندهم دين سيخطبون الناس ويعلمون الناس، والجاهل ذاك الذي مثلا لم يتعلم وإنما يعبد الله لا يستطيع أن يرد عليه ولا يستطيع أن يبين، فلذا سيكون لما يكثر الجهل في الناس يأتي دعاة على أبواب جهنم، يأتي هؤلاء الدعاة الذين يدعون الناس إلى الباطل وإلى الضلال، دعاة على أبواب جهنم، وقال عليه الصلاة والسلام: «حتى إذا لم يبق عالِم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». إذا قل العلماء أو أنهم لم يقوموا بواجبهم انتشر الجهل في الناس، وأيضًا ظهرت هؤلاء الدعاة، الآن تجد العلم منتشرًا والعلماء بحمد الله علماء السنة ينشرون العلم وينشرون الدين الصحيح، فوق هذا إلا أنك تجد أهل البدع وهؤلاء الجهال ودعاة النار كثروا في هذه الأيام، دعاة الإباحية، دعاة أيضًا الكفر والعياذ بالله، ودعاة الشرك، ودعاة البدع، وغيرهم من هؤلاء الدعاة كثروا، لا كثرهم الله، مع وجود دعوة السنة أيضًا، كذلك أهل الشر من أهل الدنيا بكافة أنواعهم، خاصة أهل الشهوات الذين يشيعون الشهوات في الناس، فهؤلاء لهم صولة وجولة، خاصة مع هذه الجوالات، فتنوا كثيرًا من الشباب بنشر هذه الأشياء، حتى أن الشاب المتعبد أو قد يكون طالب العلم يفتح قنوات إباحية والعياذ بالله، فلذا غزونا إلى قعر دارنا. فقال رحمه الله: قال: «وَأَجْزَلَ لَهُمْ فِيهِ حَظًّا وَنَصِيبًا مَعَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ أَفَاضِلَهُمْ بِمَنَافِعِهَا»، أَجْزَلَ لَهُمْ فِيهَا حَظًّا وَنَصِيبًا، أي في الدنيا، ومع ابتلاء الله أفاضلها بمنافعها، يبتل الله عز وجل أفاضل الناس بالمنافع، أي بالمال وبأمور الدنيا ينتفعون بها، ابتلاء من الله، فمن اتقى الله عز وجل قاده هذا المال وغيره إلى طاعة الله، وانتفع بهذا المال في طاعة الله جل وعلا، ومن لم يتق الله عز وجل فيه فإنه يفتن والعياذ بالله. قال: «امتحان خيارها بشرارها»، امتحان خيارها بشرارها، معنى أن الأشرار إما أنهم يتسلطون على الأخيار، وإما أنه يكون الأشرار عندهم الدنيا وعندهم المال، فيبتل الله عز وجل أفاضل الناس بالفقر، يبتل طلبة العلم بالفقر، يبتل العلماء بالفقر، فقد يحتاجون إلى هؤلاء الأشرار، فمنهم من يحتاج إليهم ويركن إليهم، وهذا غالبًا يفتن، ومنهم من يحتاج إليهم لكن لا يبالي به، معنى ما يسألهم شيء، وتسمعون قصص السلف رحمهم الله لا يأخذون من الأمراء والحكام شيئًا من المال، لأنهم يرون أن هذا استذلال لهم، حتى لو أعطوا، لو أعطي أحدهم هذا المال تجد أنهم لا يقبل، لا يقبل هذا المال، لماذا؟ حتى لا يستذله ذلك الأمير أو غيره. ولهذا لما قال سليمان بن عبد الملك، وهو من خيرة الأمراء، لما لقي سالم بن عبد الله في الحرم، قال: يا سالم، أتحب شيئًا؟ تطلب شيئًا؟ فقال: تقول هذا في حرم الله، ونحن في بيت الله، تقول هذا الكلام، كيف أطلب منك وأنا في بيت الله؟ فلما خرج من الحرم رآه، فقال: يا سالم، هل تريد شيئًا؟ فقال: من أمر الآخرة أم من أمر الدنيا؟ قال: أنا أمر الآخرة إلى الله، لكن من أمر الدنيا، قال: أنا لم أطلبها ممن يملكها، فكيف أطلبها من من لا يملكها؟ أنا أقول: أنا ما أطلب الدنيا من الله وهو يملكها، الله عز وجل، فكيف أطلبها من من لا يملكها؟ أي هذا الأمير، لأن هذا إنما هو ملك الله عز وجل، خوله الله عز وجل فيه، فبين عشية وضحى يذهب ذلك كله وما كان معه، وفي التاريخ عبر عظيمة، قد حصل ذلك لكثير من الناس كانوا أمراء فتحولوا في يوم وليلة إلى فقراء، ذهبت كل تلك الإمارة وذهب ذلك المال، ولعل قصة ابن العميد مشهورة عندكم، فإن شاء الله وتعالى نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم، حفظ الزاد، والله خير.