شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 4

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 4

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل أهل العلم ومكانتهم في الدين

يستعرض المقطع مكانة العلماء وفضلهم مستنداً إلى قول الإمام الطبري، مبيناً أن الله شرفهم بالعلم وجعلهم ورثة الأنبياء، وكرمهم بالحلم والوقار، وجعلهم أعلاماً للدين وقادة للأمة في أمور دينهم كما قاد الأنبياء بني إسرائيل، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ وأن أولي الأمر هم العلماء والحكام.

أهمية الرجوع إلى العلماء في الفتن

يؤكد المقطع على وجوب الرجوع إلى العلماء الراسخين عند نزول الفتن واختلاف الآراء، لأنهم أهل الاستنباط والهداية، بينما يؤدي اتباع غيرهم إلى الضلال وسفك الدماء، ويستدل بالآيات والأحاديث على أن العلماء هم أئمة الهدى الذين يصبرون على الحق، بينما أئمة الضلالة يدعون إلى أبواب جهنم.

صفات أهل العلم الراسخين في الفتوى والتعامل مع النوازل

يبيّن المقطع أن العلماء الحقيقيين هم ملجأ الناس في الحوائج، ولا يفتون بالهوى أو العاطفة بل بالكتاب والسنة، ولا يحملهم الشفقة على تحليل الحرام، بل يقفون عند حدود الله طلباً لرضاه، ويختارون التيسر ما لم يكن إثماً، ويبتعدون عن المحرمات جملةً.

فضل علماء الأمة الإسلامية على علماء الأمم السابقة

يُبيّن المقطع أن الله جعل علماء هذه الأمة في منزلة الأنبياء في بني إسرائيل، فهم قادة الأمة ومرجعها، ولذلك فضلهم أعظم من فضل علماء بني إسرائيل، ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في صريح السنة: قال رحمه الله: «فضلهم بشرف العلم، وكرمهم بوقار الحلم، وجعلهم للدين وأهله أعلاماً». يريد أهل العلم، وأهل السنة، فضلهم بشرف العلم، فهم كما ذكر وراث الأنبياء، وفضلهم بشرف العلم كما قال الله عز وجل: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. وأشهدهم وشرفهم ربنا جل وعلا، أشهدهم على أعظم مشهود، وهذا شرف عظيم، فقال جل وعلا: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾، فهذا شرف عظيم لأهل العلم. ومن تشريفه لهم أنه قال جل وعلا: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾، فهم الذين يخشون الله حق خشيته، فهذه الصفة وصفهم الله عز وجل بها، ووصف بها الأنبياء، فلا شك أن الأنبياء هم المقدمون، وكذلك أهل العلم بعدهم في شرف خشيتهم لله جل وعلا، وأنهم يخشون الله سبحانه وتعالى. وقال: «وكرمهم بوقار الحلم»، الحلم هو العفو والانبساط، وأيضاً كذلك ما يكون من الأخلاق التي فيها التواضع وغير ذلك. وقال: «وجعلهم للدين وأهله أعلاماً»، أي جعلهم صدر الدين وصدر الأمة، ومقدم أهل العلم، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا قال كثير من السلف من المفسرين في قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾، قالوا: أولو الأمر هم العلماء والحكام، الحكام يسودون أمر الدنيا، والعلماء يسودون ويسوسون أمر الدين، فما من نبي إلا جعل له من بعده من يسوس هذا الأمر، وإن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي آخر، وإنه لا نبي بعدي، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وأراد أن يبين أن هذه الأمة تقودها علماؤها، وكان في بني إسرائيل يقودهم أنبياؤهم، كلما هلك نبي خلفه آخر، فكان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، وأما هذه الأمة فتسوسهم العلماء، أي في أمر دينهم، وأما أمر دنياهم فتسوسهم حكامهم. فللهذا قال العلماء: إن أولي الأمر هم العلماء والحكام، حكام أولي أمر الدنيا، والعلماء هم أولو أمر الآخرة. ولهذا أخذ بعض العلم من هذه الآية أن إجماع العلماء وكلمة العلماء إذا كانت واحدة في أمر من الأمور، فلا يجوز لأحد أن يخالفهم، لا يجوز لأحد أن يخالفهم، فلعلهم اجتمعوا على ذلك فهم يعتبرون أولي الأمر. ولهذا أيضاً كذلك قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾، ومعنى الآية أنهم إذا جاءتهم الحاجة وجاءهم الأمر الشديد، رجعوا إلى العلماء، فما قال لهم العلماء أخذوا به، وإلا فإنهم سيضلون ويضلهم الشيطان، لأن في الفتن تتكاثر الأقوال، وأيضاً تتكاثر المشارب، فهذا له مشرب وهذا له قول وهذا له كذا، وكما هو مشاهد في الساحات الآن من ناحية الأحزاب، هذا حزب فلان وهذا حزب فلان، وهذا يريد قضية كذا وهذا يريد قضية كذا، مشارب كثيرة، فمن الذي يبين هذه المسائل؟ يرجع إلى العلماء، يرجع إلى العلماء، ليس يرجع إلى من يتكلم في أمر العام وهو ليس أهلاً لذلك، وهم الروابض، وإنما يرجع إلى العلماء. ولهذا من رجع إلى هؤلاء السفهاء أو إلى من ليس أهلاً للرجوع إليه، فإنه غالباً يقودهم إلى الفتن، غالباً يقودهم إلى الفتن، وأما من يرجع إلى العلماء فغالباً ما يقودهم العلماء إلى السلامة، السلامة في دينهم، والسلامة حتى في دنياهم، فالعلماء هم أعلم بهذه الأمور. ولهذا لما حصل ما حصل في أزمان السلف، فإن بعضهم لم يرجع إلى العلماء، وأخذ الأمور على ظاهرها، فأراد أن يخرج على الحكام فخرجوا، فما كان إلا الويل وزهقت دماء المسلمين، وأما العلماء فكانوا يبعدونهم عن هذه الفتن، جاء عن أنس، وعن الحسن البصري، وعن غيرهم، حتى إلى الإمام أحمد، وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم من أئمة الإسلام، فكانوا يبعدون الناس عن الفتن، فللهذا فالعلماء هم مفزعة الناس ورجوعهم. وقال: «وللإسلام والهدى مناراً، وللخلق قادة، وللعباد أئمة وسادة»، جعلهم أئمة للناس بما صبروا، وبإيقانهم بوعد الله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. وقال شيخ الإسلام: فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، أئمة هدى، معنى أن جعلهم الله عز وجل يهدون إلى أمره وبأمره. وأما من اتبع غير سبيل أهل الإسلام، ولم يصبر على طريق السنة، فإنه يكون إماماً لأهل الضلالة، كما جاء في الحديث: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيكون بعدي أئمة يهتدون بغير هدي، ويستنون بغير سنة»، أئمة، قد يكون أئمة الدنيا وأمراء، وقد يكون أيضاً أئمة الدين، يتصدرون فرقاً كثيرة، لا يهتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يستنون بسنة، تعرف منهم ما تنكر، كما جاء في حديث حذيفة في صحيح مسلم، ويتبعهم ناس من أهل الشر. فقال رحمه الله: «إليهم مفزعهم عند الحاجة»، وهذا دليله الآية التي ذكرنا: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾، «وبهم استغاثتهم عند النائبة»، استغاثتهم ليس المراد الاستغاثة للغائب، وإنما المراد أنهم يحتاجون إليهم في النائبات، فيرجعون إليهم ويستغيثون بهم، أي يطلبونهم ويسألونهم عن هذه النازلات. وقال: «ومعلوم أن العلماء يذكرون أن الاستغاثة بالحي القادر جائزة»، وهذا معروف ومعلوم في شرع الله جل وعلا، والأمور العادية أن الإنسان قد يستعين بغير الله في أمر يقدر عليه، فللهذا فالاستغاثة هنا هو كلام الأحياء فيما يقدرون عليه، فيسألونهم عن العلم، ويسألونهم عن هذه الحاجة التي نزلت بهم. وقال: «لا يخنيهم عن التعطف والتحنن عليهم سوء ما هم من أنفسهم يولون»، والظاهر الضرب به أهل العلم، أنهم لا يحملهم التعطف والتحنن للناس أن يفتوهم بما أرادوا، فأهل العلم الذين هم أهله، والذين هم أخذوه بحقه، ما يفتون الناس إلا بما جاء عن الله وعن رسوله، وبما نطق به الحق، أو بما استنبط من الكتاب والسنة، لا يفتون الناس بسبب أهوائهم، أو العواطف تأخذهم، مثل ما يفعل كثير ممن ينتسب للعلم، تأخذه العاطفة ويأخذه الحماس، لكن أهل العلم الذين هم أهله، فهم لا تأخذهم هذه العواقب. وقال: «ولا تصدهم عن الرقة عليهم والرأفة بهم قبح ما إليه عنا لا يردهم»، أو لا تصدهم عن الرقة عليهم والرأفة بهم قبح ما إليه عنا، لا يفتونهم بذلك لأن ذلك قبيح، ولا يصدهم عن ذلك الرأفة، بل يبينون حكم الله عز وجل في المسألة، وإن كان لا يوافق أهواء من سأل، فلا يصدهم هذه الرقة عليهم، والرحمة بالمسؤول أنه يعطيه ما أراد، بل يعطيه حكم الله جل وعلا. وقال: «ما يأتون محرماً منعهم طلب جزيل ثواب الله فيهم»، يعني كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب أو لا يغضب إلا إذا انتهكت حرومات الله، فهو يغضب لله، وهكذا العلماء أيضاً، ما جاء في حديث عائشة أيضاً: «ما خير نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه»، وهكذا أهل العلم الذين عرفوا العلم، فإنهم إذا رأوا تيسيراً للناس يسروا، وأفتوا بالتيسير إذا كان ذلك التيسير جائزاً، وأما إن كان يجرهم إلى محرم فهم من أبعد الناس عنه. وقال: «توخي ينطلب رضا الله في الأخذ بالفضل عليهم فعنا»، يلتمسون رضا الله جل وعلا. قال: «ثم جعل جل ثناؤه وذكره علماء أمة نبينا عليه الصلاة والسلام من أفضل علماء الأمم التي خلت قبلها، فيما كان قسم لهم من المنازل ودرجات والمراتب»، وكما تقدم لأن الله عز وجل جعلهم هم القادة لهذه الأمة، مثل ما جعل في بني إسرائيل الأنبياء، وهم الآن في هذه الأمة بمثابة أنبياء بني إسرائيل، هم العلماء في هذه الأمة بمثابة أنبياء بني إسرائيل، فللهذا كان فضلهم أفضل من علماء بني إسرائيل، كان فضلهم أفضل من علماء بني إسرائيل. فهذا معنى كلامه رحمه الله تعالى، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله.