شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 2

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 2

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نسب الرسالة إلى الإمام الطبري ومناقشة أسانيدها

يتناول المقطع نسبة رسالة إلى الإمام محمد بن جرير الطبري وتأييد علماء كبار لها، مع عرض أسانيدها ومناقشة حال رواتها، حيث صحح العلامة الألباني سندها بالمتابعات، وبدأ بسرد سلسلة الرواة من الحسن بن علي الأسد إلى أبي سعيد الدينوري كاتب الطبري.

رواية رسالة الطبري عبر أحمد بن الكامل وشرح مطلعها

يذكر الشيخ طريق رواية رسالة الطبري بواسطة تلميذه الحافظ أبي بكر أحمد بن الكامل، ويوضح عادة العلماء في قراءة الرسائل على الطلبة، ثم يشرح مطلع الرسالة الذي يحمد الله على إظهار الحق وإبطال الباطل، واختصاص الإسلام بالرضا والحفظ والنصر، وبعث الرسل للدعوة والصبر على الأذى.

صبر الرسل وابتلاء الأنبياء وفضل أولي العزم

يبيّن المقطع أن جميع الرسل كُذِّبوا وأوذوا، وأمر الله نبيه بالصبر اقتداءً بأولي العزم منهم، كما يوضح أن الابتلاء تكريم ورفع للدرجات، وأن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، بحسب قوة الدين والصبر على الدعوة.

غزوة الخندق وابتلاء المؤمنين وتمييز الصادقين

تستعرض الآيات نعمة الله على المؤمنين في غزوة الخندق بإرسال الريح والجنود غير المرئية لهزيمة الأحزاب، وتصف شدة الابتلاء الذي كشف إيمان الصادقين ونفاق المترددين، كما تؤكد سنة الله في ابتلاء الناس بالفتن ليميز الصادقين من الكاذبين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الإمام الطبري محمد بن جرير الطبري، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلي على سيدنا محمد وآله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: أخبرنا عن هذه المقدمة وإسناد لهذه النسخة، وقد جاءت هذه الرسالة بأسانيد كثيرة إلى ابن جرير، وقد نسبها كثير من العلماء من القدماء كالصابوني، وأيضًا كذلك الخطيب في الغنية، وغيرهم من أئمة الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، نسب هذه الرسالة إلى الإمام محمد بن جرير الطبري، وقد جاءت أيضًا بأسانيد صحيحة، وبعضها فيها مجاهيل، لكن شهرة هذه الرسالة تعتبر أن هذه الأسانيد لا تؤثر؛ لأن بعد زمن الرواية اعتبر الناس شهرة الكتب، ولهذا دخل في الأسانيد أناس مجهولون، ليسوا ممن ترجم لهم، ليسوا ممن ترجم لهم. وقد رواها أيضًا الألكائي رحمه الله في شرح أصول السنة، ذكر الرسالة كلها بإسناد صحيح، وصحح سندها معنا بالمتابعات العلامة الألباني رحمه الله في مختصر العلو؛ لأن الذهبي ذكر بعض هذه الرسالة. قال رحمه الله: أخبرنا الشيخ أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن الأسد، وهذا لم يوجد له ترجمة، قال: أنبأني جدي أبو القاسم الحسن بن الحسن بن محمد الأسد، وهذا معروف، وهو وصفه الإمام الذهبي بالعلامة الإمام، وكان إمامًا في العلم. قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي العلاء، وهو أيضًا من له ترجمة، لكن لم يذكر فيه جرح ولا تعديل، وغالب هؤلاء كما قلنا يذكرون في بعض الكتب المتأخرة التي ألفها بعضها للتواريخ، كتاريخ حلب وتاريخ نيسابور وتاريخ أيضًا، وبعده أيضًا من التواريخ يذكرون مثل هؤلاء الرواة، لكن ما يذكرون لهم ترجمة من ناحية التوثيق، وإلا فهذا ابن أبي العلاء قد ذكر في تاريخ حلب، ذكره صاحب تاريخ حلب، لكن لم يذكر له هل هو ثقة أو ضعيف. قال: أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر، وهذا أيضًا كذلك، قال: أخبرنا أبو سعيد عمر بن محمد بن حيية الدينوري، والدينوري معروف، الدينوري من معروف أنه من حفاظ الحديث، وكان كاتبًا وراقًا لمحمد بن جرير، كان يكتب كتب محمد بن جرير الطبري. وقد رواه أيضًا غير واحد عن أبي بكر أحمد بن الكامل عن ابن جرير، وأبو بكر أحمد بن الكامل هو من خيرة تلاميذ ابن جرير، كان حافظًا كبيرًا، ونشر أيضًا علم ابن جرير، وكان التفسير جاء من طريقه، تفسير الطبري جاء من طريقه، وكذلك التاريخ، أبو بكر أحمد بن الكامل. قال أبو سعيد عمر بن محمد بن حيية الدينوري: قُرئت على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع، قُرئت علي هذه الرسالة، كان العلماء إذا ألف أحدهم رسالة يقرؤها على تلاميذه، يقرؤها على تلاميذه حتى يعرف ما فيها ويكتبوها، وإن مثلًا كان عند حد منتقد أو كذا فيذكر للشيخ، فكانوا يقرؤون هذه الرسالة عليه حتى يأخذها الطلبة. قال: قُرئت على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع، وهذا أفضل الصيغ، أفضل من يقول: أخبرنا في القراءة أو في الإجازة، لكن هنا أفضل أن يأتي بالواقع أو يأتي بالحقيقة، كما قال الإمام محمد: يقول: قرأت، أو قُرئت علي، أو سمعت، فقال: قُرئت على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع، وهذا الدينوري هو الوراق الذي يكتب. قال: الحمد لله مفلج الحق وناصره، مفلج الحق ومظهره، الإفلاج هنا الإظهار، ومحق الباطل وماحقه، محق الباطل أي يبين زيفه، يبين أنه باطل، فيذهب ليحقوا به الحق، يعني ليبطلوا به الحق. قال رحمه الله: قال: محق الباطل وماحقه، الذي اختار الإسلام لنفسه دينًا وأمر به، وحاط أن الدين عند الله الإسلام، فقول هنا: الذي اختار الإسلام لنفسه، أي الله عز وجل، قال: وأمر به وحاط، فهذه معناها يريد أن الله عز وجل أحاط بهذا الدين وحماه، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. طيب، قال: وتكفل بحفظه وضمن إظهاره على الدين كله ولو كره المشركون، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. قال: ثم اصطفى من خلقه رسلًا ابتعثهم بالدعاء إليه وأمرهم بالقيام به، الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، جعل هؤلاء الرسل واسطة بينه وبين خلقه في تبليغ كلامه جل وعلا وما أراد من خلقه، بالدعاء إليه وأمرهم بالقيام به والصبر على ما نابهم فيه من جهلة خلقه، يعني ما من نبي إلا وأوذي، لكن أمرهم الله عز وجل بالصبر: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُنَا﴾، وربنا جل وعلا يبين لنبيه عليه الصلاة والسلام أنه ما من نبي إلا وقد كذب وأوذي، فلهذا أمره بالصبر مثل ما صبر تلك الرسل. قال: والصبر على ما نابهم فيه من جهلة خلقه، وامتحنهم من المحن بصنوف أنواع المحن والفتن، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. قال: ابتلاهم من البلاء بضروب تكريمًا لهم غير تدليل، ليس لأجل أن يضلهم، وإنما لأجل أن يكرمهم وينظر طاعتهم له وصبرهم على طاعته وعلى مرضاته، وتشريفًا لهم غير تخسير، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، على الرسل وغيرهم، فالرسل هم أرفع الناس، وأيضًا فضل الله عز وجل بين الرسل في رفع درجاتهم، كما أخبر الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾، فالله عز وجل فضل الرسل على جميع الخلق، وأيضًا الرسل ليس كلهم سواء عنده، فرفع بعضهم درجات على بعض. قال: فكان أرفعهم عنده درجة أجرأهم مضيًا لأمره مع شدة المحنة، لا يبالي بالابتلاء ولا يكل من دعوته إلى الله، ولا شك أن أعظم مثالًا هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ابتلي وابتلي أصحابه وهو مستمر في دعوته إلى الله. قال: وقربهم إليه زلفة أحسنهم نفاذًا لما أرسله به مع عظيم البلية، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل بقدر دينه، فإن كان في دينه صلبًا زيد في بلائه». قال: يقول الله عز وجل في محكم كتابه لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، أولو العزم قيل إنهم الخمسة الذين ذكرهم الله، معنا خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم، لأن الله عز وجل ذكرهم مرتين، لكن ليس هناك دليل على أن هؤلاء فقطهم أولو العزم، ليس هناك دليل أن هؤلاء فقطهم أولو العزم، لكن ذكر الله عز وجل تفضيل هؤلاء في آيتين. قال: وقال له صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لِأَتْبَاعِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. وقال تعالى ذكره: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. طيب، إن شاء الله تعالى نكون في درس قادم نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة، ترجمة نانسي قنقر.