ألم نشرح لك صدرك

ألم نشرح لك صدرك

المحاضرة بعنوان ألم نشرح لك صدرك، والتي كانت بمسجد الصحابة بدفيقة - الشحر يوم الجمعة 1 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 4 أكتوبر 2024م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تفسير آية الشرح وبيان نعمة انشراح الصدر والصبر على البلاء

يفسر المحاضر قوله تعالى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ مبيناً أن انشراح الصدر نعمة عظيمة من الله على نبيه ﷺ لتقبل الحق وتبليغه، ويستدل بآيات تفرق بين من شرح الله صدره للإسلام ومن ضيق صدره، ثم ينتقل لابتلاء الدنيا بالهموم وأن الصبر عليها واحتساب الأجر من أسباب الرضا والمغفرة.

حقيقة الدنيا دار ابتلاء وفضل الآخرة عليها

يبيّن المقطع أن الدنيا مطبوعة على الكدر والابتلاء، وأن المصائب تكفر السيئات وترفع الدرجات وتدفع المؤمن للالتجاء إلى الله، بينما التعلق بها مذموم لحقارتها عند الله، ويقارن بين حال المؤمن المطمئن والكافر التعيس، مؤكداً أن من جعل الآخرة همه جمع الله شمله.

أسباب انشراح الصدر وطمأنينة القلب: التوحيد والتقوى والقناعة والذكر

يستعرض المقطع أسباب انشراح الصدر وطمأنينة القلب من توحيد الله والإيمان والتقوى والعمل الصالح، ويؤكد أن السعادة الحقيقية والراحة النفسية يجدها المؤمن عبر القناعة بالرزق والإكثار من ذكر الله، مستدلاً بالقرآن والسنة وأقوال السلف وابن تيمية وابن القيم.

أخلاقيات دفع الهموم وتحقيق السعادة: ترك الحسد وبر الناس

يبيّن المقطع أن المسلم يجب أن يتجنب أسباب الهم والحزن كالحسد والحقد والشحناء وتتبع عورات الناس لأنها تحرق القلب، وعلى العكس ينبغي الحرص على أسباب السعادة والطمأنينة كالوفاء والصدق وحسن المعاملة وإفشاء السلام وإطعام الطعام والإحسان للأرحام والجيران والناس عامة.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الحمد في الأولى والآخرة، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العماية، تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. أما بعده، أيها الأحبة في الله، فبادئ كل ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله عز وجل على نعمه التي هي علينا تترا، وآلائه التي لا نستطيع لها حصرا، نحمد الله عز وجل على نعمه الظاهرة وعلى نعمه الباطنة، نحمده جل فعلا على نعمه الدينية وما أعظمها، وهكذا على نعمه الدنيوية وما أكثرها، فنحمد الله عز وجل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وأسأله جل فعلا أن يعينني وإياكم جميعا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلني وإياكم جميعا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة في الله، جزى الله الجميع خيرا، وأسأله جل فعلا كما جمعني وإياكم في هذا المسجد المبارك، مسجد الصحابة، أن يجمعنا في دار كرامته إخوانا على سرر متقابلين. فهذه المجالس يحبها ربنا عز وجل، وهكذا يحب أهلها، وجزى الله خيرا القائمين على هذا المسجد، ومقدمة أخينا المبارك أبي عبد الرحمن صالح باحنبص حفظه الله تعالى، أسأل المولى عز وجل أن ينفعني وإياكم بها، وجزاه الله خيرا هو والقائمين على هذا المسجد، العم سالم جزاه الله خير، له جهود مباركة طيبة، أسأل المولى عز وجل أن يبارك فيها، وهكذا أخونا الشيخ المبارك أبا معاذ أبو بكر بصلع حفظه الله تعالى، وهكذا غيرهم من أهل هذه الحارة ورواد وعمار هذا المسجد جميعا، أسأل المولى عز وجل أن يبارك فيهم وأن يكتب أجرهم وأن يشكر سعيهم وأن يحفظهم في أهاليهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة في الله، سمعتم وعالمتم أن موضوع هذه المحاضرة هو قوله تبارك وتعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾، وهذه الآية الكريمة سورة أو من سورة الشرح، امتن فيها ربنا عز وجل على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجملة من هذه النعمة، وبدأها ربنا سبحانه بقوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ممتناً على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾، قال: أي نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله والاتصاف بمكارم الأخلاق والإقبال على الآخرة وتسهيل الخيرات، فلم يكن أي صدرك يا محمد، فلم يكن ضيقاً حرجاً لا يكاد ينقاد لخير ولا تكاد تجده منبسطاً". إذن هذه نعمة يا إخوان أنعم بها ربنا عز وجل عليه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله. وانشراح الصدور يعين على قبول الحق، يعين على قبول الحق، وهكذا يعين على تبليغه والدعوة إليه. فربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾. الذي يريد الله له الهداية يا إخوان يشرح صدره بسماع الخير وحضور مجالس الخير وعمل أهل الخير، يشرح صدره للإسلام، والذي لا يرد له ربنا عز وجل الهداية تجده يتضايق إذا سمع القرآن، ينزعج، يقول: ماذا؟ هل أنا ممسوس؟ لكي أسمع إلى القرآن. إذا سمع الموعظة والتذكرة والنصيحة لربما يتنرفز ويتضايق. إذن من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً، ما مثله؟ قال: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾، كلما صعد الإنسان إلى طبقات الجو العليا كلما قل الأكسجين وشعر الإنسان بضيق وماذا؟ وحرج. وهكذا مثل الذي لا يرد الله عز وجل له الهداية. أيها الأحبة في الله، وأجدها فرصة لكي أقدم بين يدي هذا الموضوع بمقدمة، ألا وهي أن هذه الدنيا التي نعيشها لا تخلو من هموم وغموم وآلام وأحزان ومصائب وفتن وغيرها، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾، أي في مكابد. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾، ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كما في الصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: "ما يُصيب المسلم من نصب ولا وصب" - النصب هو التعب والوصب هو المرض - "من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى، قال: حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه". وقال النبي صلى الله عليه وسلم، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: "مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ منه" - أن يبتليه بالمصائب. قد يمرض له مريض فيتألم لأجل ذلك، قد يمرض هو فيجد شدة المرض وألمه، قد يبتليه الله عز وجل بموت صديق أو حبيب أو قريب، وهكذا حدث ولا حرج عن أنواع وصور المصائب التي قد يُبتلَى بها العبد. في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء"، كلما عظم البلاء اعلم يا رعاك الله أن ذلك سبباً في كثرة الثواب وعظيم الجزاء، قال: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، إذا أحب قوماً ابتلاهم، قال: فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط". هنا يا إخوان ينقسم الناس مع البلاء إلى صنفين وإلى فريقين، فمنهم الذي يصبر ويرضى ويحتسب الأجر عند الله عز وجل، فمن رضي فله الرضا، قالوا: الصرف ارتفع، الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، هل أستطيع أنا أو أنت أن نخفضه؟ ما نستطيع، هذه مصيبة. قالوا: الدقيق ارتفع سعره، والأرز غلى ثمنه، والبنزين ارتفعت قيمته، طيب ماذا نعمل؟ ما يسعنا إلا أن نحمد الله عز وجل وأن نحتسب الأجر عند الله تبارك وتعالى. قال: ومن سخط فعليه السخط، يتسخط على أخدار الله عز وجل، ولا يرى الله سبحانه الصبر والرضا واحتساب الأجر عنده سبحانه وتعالى. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده، قال: حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة". إذا هذا حال الدنيا كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "طبعت على كدر فكيف تنالها صفوا"، أهذا قط بالإمكان؟ الله خلقها وجعلها دار المصائب، وجعلها دار الإبتلاء، وجعلها مليئة بالمنغصات والمكدرات والهموم والأحزان، ويأتي بعض الناس وما يريد أن يكون في الدنيا شيء من هذه الإبتلاءات، من هذه الإبتلاءات. وهكذا أيضا فيما يتعلق بهذه الدنيا أن الإنسان يتقلب فيها من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ ﴾، ثمانية لا بد أن تجري على الفتى، ولا بد أن تجري عليه في الثمانية: سرور وهم، واجتماع وفرقة، ويسر وعسر، وسقم وعافية. إذن دوام الحال يا إخوان كما قيل يعتبر من المحال، وينبغي أن نعلم أن هذه الأمور المكدرة والمنغصة والمؤلمة والمحزنة، مع ما فيها من تكفير الخطايا والسيئات ورفعة الدرجات عند الله عز وجل، مع ما فيها من كثرة الأجور والحسنات، إلا أنه كذلكم أيضا فيها فوائد عديدة، ومن ذلكم أنها تدفع المؤمن إلى أن يكثر من الالتجاء إلى الله عز وجل، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، يقبل على ربه تبارك وتعالى، وهكذا يتضرع بين يديه وينكسر بين يديه، فيحصل بسبب ذلك الراحة والطمأنينة، وهكذا يحصل بسبب ذلك ماذا؟ استشعار القرب من الله تبارك وتعالى. زد على ذلكم أن من حكم الله عز وجل في أن جعل هذه الدنيا فيها من المكدرات والمنغصات والهموم والأحزان والآلام، أن يعلم العبد أن هذه الدنيا بهذه الحقارة، بهذه الحقارة، فلا يتعلَّق قلبه بها، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾، وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾، إلا متاع. أذه الدنيا بما فيها من شهوات وما لذات وزينة وأموال، قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها كما في حديث سهل بن سعد وأبي هريرة وعائشة وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة"، أيها الأخ الكريم انظر إلى البعوضة ثم دقق النظر إلى جناحها لكي نعلم قيمة الدنيا عند الله عز وجل، "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ماذا قال؟ ما سقى منها كافراً شربة ماء"، لكنها دون ذلك، دون ذلك يا إخوان. ولهذا ربنا عز وجل يعطيها من يحب، وهكذا يعطيها من لا يحب. الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: "سجن المؤمن وجنة الكافر". الكفار يا إخوان يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، الكفار لربما يفعلون ما تستحي أحياناً بعض البهائم أن تفعله، إلى غير ذلك. الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. بعض الناس ينظر إلى الكفار في بلدانهم يشربون الخمور ولا يبالون، يفعلون الفواحش ولا يبالون، يلعبون القمار، يرقصون ويغنون، يظن بعضنا أن هذا عنوان السعادة وأن هذا دليل الفرح، أبداً يا إخوان، هؤلاء الكفار يعيشون في ضيق، يعيشون همّاً، ويتجرعون غمّاً، مع أن الكهرباء لا تنطفي عندهم، كهرباء لا تنطفي عندهم، مع أن الأمطار والأشجار والثمار كثيرة عندهم، مع أن الأسعار قد تكون رخيصة ومنخفضة، ومنخفضة، ومع هذا يا إخوان ما وجدوا طعم السعادة. أرأيتم الكفار في بلدانهم كم هي الحالات النفسية والتوترات العصبية؟ كم هي حالات الانتحار في تلك البلدان؟ يصعد أحدهم على عمارة شاهقة، فماذا يفعل؟ يلقي بنفسه من أعلى إلى أسفل، فلا يصل إلا أشلاء ممزقة وجسداً لا روح له. ما السبب؟ فقدوا شرح الصدور، فقدوا الطمأنينة في القلب، لم يجدوا طعم الراحة. أحدهم لربما بسبب علاقة مع امرأة أو مع بغي ذهبت وتركته وذهبت مع شخص آخر، ماذا يفعل؟ يضيق صدره، يضيق صدره، قد يأخذ مسدساً فيطلق عيارات نارية في رأسه، قد يأخذ سكيناً فيقطع بها الأوردة والشرايين، فيبقى ينزف وينزف إلى أن يموت. فقدوا انشراح الصدر، بينما نحن مع ما نحن فيه يا إخوان من ضيق في العيش، ومع ما نحن فيه من غلاء في السعر، ومع ما نحن فيه من شدة المؤونة والحروب والفتن، إلا أنك تجد أن الصدور منشريحة والقلوب مطمئنة. كيف حالك يا فلان؟ قل لك: الحمد لله بخير. قد يكون بلا عمل، قد يكون تراكمت عليه الديون، قد يكون يشعر بألم ومرض، كيف الوضع عندك؟ قال: طيب، الحمد لله. لتعلم يا إخوان أن هذه الأمور الدنيوية قد توجد ولا يوجد معها الراحة، ولا يوجد معها الطمأنينة، ولا يوجد معها السعادة، ولا يوجد معها انشراح الصدر، فهذا من الأمور التي ينبغي يا إخوان أن نتفكر فيها. ولهذا يا إخوان التعلق بالدنيا مذموم. نحن اليوم يا إخوان مع ما بنا من مصائب وهموم وغموم، أرأيتم حالنا؟ الكثير منا يجري خلف الدنيا ويتعلق بها. طيب يا إخوان، كيف لو فتح الله علينا أبوابا من الملذات وأبوابا من الشهوات؟ كيف سيكون حالنا؟ الله عز وجل يريد منا أن نزهد في الدنيا وأن نقبل على الآخرة وأن نقوم بعمارة الآخرة، ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّ رِيدُ ﴾، كم من إنسان يا إخوان يلهث وراء الدنيا وما يجد إلا الفقر والضيق، ﴿ لِمَن نُّ رِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ﴾، ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾، ﴿ كِلاَّ نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من أصبح والدنيا همه، والدنيا همه، قال: فرق الله جمعه، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته منها إلا ما كتب الله له". ومن أصبح والآخرة همه، يصبح على صلاة الفجر، يصبح على الأذكار، على تلاوة القرآن، يصبح على العمل الصالح، قال: "ومن أصبح والآخرة همه جمع الله شمله"، ما هو مشتت، بعض الناس لربما تجده ماذا؟ مشتت الذهن، يشتغل هنا ويعمل هنا ويجتهد هنا، لكن من أصبح والآخرة همه جمع الله شمله، "وجعل غناه في قلبه، وماذا؟ واتته الدنيا وهي راغمة". الدنيا هذه هي مثل الظل، أرأيت ظلك إذا جريت وراءه ماذا يعمل؟ هل يحتضنك؟ لا، ما يحتضنك، يهرب منك، وإذا أعطيته ظهرك ماذا يفعل؟ يجري خلفك، وهذا هو مثل هذه الدنيا. إذن الدنيا هي دار الهموم والأحزان والفتن والحروب والآلام، والآخرة هي دار السلام، وهي الحيوان، هي دار الإقامة الأبدية والحياة السرمدية، ليس فيها حروب، وليس فيها هموم ولا أحزان، وليس فيها أمراض، وليس فيها فتن. قال الله عز وجل عن أهل الجنة: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴾، وقال الله عز وجل عن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾، ولا يمسنا فيها لغوب. سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى سؤالا، ما هو هذا السؤال؟ قيل: يا إمام، متى يرتاح المسلم؟ متى الراحة؟ يعني تعبنا من آلام وأمراض وفقر وفتن، متى يرتاح المسلم؟ فأجاب بجواب مختصر مفيد، قال: "عند أول قدم نضعها في الجنة، عند أول قدم نضعها في الجنة". هكذا ذكر رحمه الله تعالى. أيها الأحبة في الله، ولهذا انظروا إلى حكمة المولى تبارك وتعالى، من هم أشد الناس بلاء؟ هل أنا أو أنت؟ الجواب: لا. جاء في حديث أبي إسحاق سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاء الأنبياء، الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاءه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، ابتلي على حسب دينه". أيها الأحبة في الله، وبعد هذه المقدمة نقول أن ضيق الصدر والمشاكل والآلام والأحزان قل أن يسلم منها أحد، قل أن يسلم منها أحد. فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم، قال الله عنه: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾، ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾. وربنا عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾. وهكذا آماد موسى عليه الصلاة والسلام لما أرسله ربه إلى فرعون، فرعون يا إخوان طاغية وجبار عنيد، فرعون الذي كان يقول: أنا ربكم الأعلى، ويقول: ما علمت لكم من إله غيري، وغيرها. لما أرسله الله إلى فرعون، ماذا دعى موسى ربه عز وجل؟ قال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾، قال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾، لكي يبلغ الدعوة يا إخوان، لكي يكلم هذا الطاغية ويواجهه ومن معه من الأعوان والجنود، قال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ﴾. ولهذا يا إخوان انشراح الصدر الكل يبحث عنه، ورحم الله الإمام أبا محمد ابن حزم إذ يقول في هذا الباب كلاما نفيسا، قال ابن حزم: "قال: فكرت في سعي العقلاء، فكرت في سعي العقلاء، قال: فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد، في مطلوب واحد، قال: وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، قال: رأيتهم جميعا إنما يسعون في دفع الهم والغم، إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، قال: فهذا في الأكل والشرب، إذا يدفع الهم والغم في تناول المأكولات اللذيذة والمشروبات إلى غير ذلك، قال: وهذا في التجارة والكسب، في التجارة والكسب، قال: وهذا في اللغو واللعب، قال: وغير ذلك، قال: ولم أرى في جميع هذه الطرق طريقا موصلا إليه، ولعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده، قال: ولعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده، قال: وإنما الإقبال على الله وحده وإيثار مرضاته على كل شيء ضده، قال: فليس للعبد أنفع من هذه الطريق وأوصل منه على لذته وسعادته". انتهى كلامه كما نقل ذلك عنه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، وله اسم آخر ألا وهو "الداء والدواء"، الداء والدواء. وينبغي أن نعلم أيها الأحبة في الله أن أهل العلم ذكروا لانشراح الصدر وطمأنينة القلب أسبابا، ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد" جملة منها، وهكذا أيضا ذكر غيره من أهل العلم شيئا من ذلك، فهذا نكمل إن شاء الله عز وجل بعد الأذان. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وسلم ومن والاه. أما بعد، أيها الأحبة في الله، فكما سمعتم أهمية أن يكرم الله عز وجل وينعم على عبده بهذه النعمة، ألا وهي أن يشرح له صدره، وإذا انشرحت الصدور فإن الشخص يكون متقبلا للحق ومتقبلا للعلم ومتقبلا للقرآن، وهكذا غيرها من الأمور التي يحبها ربنا عز وجل، وإذا ضاق الصدر فإنه لا يستقبل شيئا من ذلك إلا أن يشاء الله عز وجل، وطالب العلم والداعي إلى الله عز وجل هو أحوج ما يكون إلى أن يكون صدره منشرحا، وهكذا الجميع يبحث عن هذا المطلب، وهكذا يريد أن يجد هذا الأمر الذي بسببه يجد السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة. كما سبق ذكر العلماء أسبابا عديدة لانشراح الصدر، فمن هذه الأسباب: توحيد الله عز وجل، الموحدون لله عز وجل هم أعظم الناس انشراحا للصدر، وهكذا أيضا ماذا؟ أسعد الناس في هذه الحياة، فالتوحيد من أعظم الأسباب التي تطرد الهموم والغموم والأحزان، كما أن الشرك هو من أكثر الأسباب التي تجلب هذه الهموم وهذه الأحزان. قال ربنا تبارك وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه خاطب قومه قائلا: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. أرأيتم يا إخوان كيف أن التوحيد يؤثر في صاحبه فيجعله منشرح الصدر مطمئن القلب مرتاحا الجوارح؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول لابن عباس: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، إذن ليطمئن قلبك ولينشرح صدرك، فلن يصيبك إلا ما كتب الله عز وجل، وعلى حسب كمال التوحيد وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، فالناس يتفاوتون في انشراح الصدر. أكد أيضا من أسباب انشراح الصدر: الإيمان بالله عز وجل والتقوى والعمل الصالح، قال ربنا عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "الحياة الطيبة هي الحياة السعيدة، هي الحياة السعيدة"، ومعنى هذا يا إخوان أن الله عز وجل يجعل في قلوب الصالحين من المؤمنين، الصالحين من المؤمنين، من انشراح الصدر وطيب العيش ما لا يجده غيرهم، ما لا يجده غيرهم. ولهذا قال بعض السلف رحمة الله عليهم: "إنه لتمر بي أوقات، يعني يشعر فيها براحة وسعادة وانشراح صدر، قال: أقول فيها: لو كان أهل الجنة، لو كان أهل الجنة فيما نحن فيه، أي من الراحة، قال: لكان ذاك عيش طيب". يقول: أهل الجنة لو لم يكن لهم من الراحة والنعيم إلا كما يجدها المؤمن الصالح التقي في هذه الدنيا، لكان ذاك عيش طيب. وقال بعضهم: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، يعني من الراحة والسعادة وانشراح الصدور وطمأنينة القلوب، ماذا قال؟ لجالدون عليه بالسيوف". لكن يا إخوان هم ساكتون، يظنون أن الراحة على الكراسي وفي المناصب، وإذا كانوا متبوعين ومع الأموال إلى غير ذلك، بينما يا إخوان المؤمن التقي الصالح يجدوا راحة وسعادة لا يجدها هؤلاء، لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدون عليه بالسيوف. ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيميا رحمه الله تعالى قال: "إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، أي جنة هذا موجودة في الدنيا؟ أهي جنة الملذات والشهوات يا إخوان؟ كلا. أهي جنة الأغاني والموسيقى والمسلسلات والتمثيليات؟ أبداً. أهي جنة الخمور والمخدرات والمسكرات؟ أبداً يا إخوان. هي ما يجده المؤمن من لذة للعبادة. هل كل الناس يجدون للعبادة لذة؟ الجواب: الناس يتفاوتون في ذلك، أعني المسلمين، أعني المسلمين. هذه الجنة هي الانشراح الذي في صدرك، هي الطمأنينة التي في قلبك، هي الراحة التي يجدها جسمك. وهكذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية حالته وهو في السجن، قال: "ومع ما كان فيه من ضيق السجن إلا أنه كان أشرح الناس صدرا وأطيبهم قلبا وأنعمهم عيشا، قال: وكنا إذا اشتد بنا الكرب وضاقت بنا الأرض أتيناه، إلى أين؟ إلى السجن، قال: فما هي إلا أن نراه ونسمع كلامه، قال: فيتبدل ما بنا إلى راحة وطمأنينة"، إلى غيره مما ذكره رحمه الله تعالى. إذن المؤمنون الأتقياء الصالحون هم أطيب الناس عيشا. تجد بعض الناس ينظر إلى المتمسكين بدينهم، يسمونهم ماذا؟ مطاوعة، يسمونهم إيش؟ مطاوعة، طيب، ينظر إليهم يقول: مساكين هؤلاء، كيف يعيشون؟ لا دخان ولا قار ولا تنباك، كيف يعيش هؤلاء؟ ما يسمعون أغاني، ما يتابعون مسلسلات، ما يشاهدون مباريات ومنافسات، البعض يظن أن الراحة والسعادة في هذه الأشياء، وللأسف يا إخوان كم فاته من الخير وكم فاته من السعادة، ووفق الله عز وجل غيره له. فهذه من الأمور المهمة جدا. أيضا من هذه الأسباب التي ينبغي أن نحرص عليها: القناعة، يا إخوان، القناعة بما قسم الله لنا من الأرزاق. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول في حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم: "قد أفلح من أسلم، وماذا؟ وماذا؟ قال: ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه". تظن أن السعادة والراحة في كثرة الأموال؟ والله يا إخوان أن بعض ذوي الأموال الطائلة ما يجد راحة النوم، فكر، خطط، واتصالات من هنا إلى هنا، لكن المسكين هذا صلى العشاء وذهب إلى بيته وجلس مع أولاده وأهله، وسولفه ودردشه وفرح وألفه، تناول العشاء، خلاص، ما يحمل هم، من يأتي إلى فراشه فيتلذذ بالنوم، فيتلذذ بالنوم. ذكر لي بعضهم أن بعض التجار اشتغلوا، اشتغلوا، جمعوا في المولات وغيرها، ولما أغلقوا المحلات وأتوا إلى بيتهم وأتوا لهم بالعشاء، وقبل العشاء جلسوا يتناقشون في الحسابات: وانت ايس سويت؟ وإيس صلحت؟ غلبهم التعب، يا جماعة ماذا فعلوا؟ ناموا بلا عشاء، العشاء أصبح إلى الفجر مطروح، ما وجدوا وقتا، ما وجدوا مجالا، ما وجدوا فرصة. إذن ماذا؟ ﴿ وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس الغناء عن كثرة العرض، ولكن الغناء غناء النفس، إذا كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سوى". النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه وليلته، ماذا قال؟ فكأنما حيزت له الدنيا". هذا يا إخوان الذي اجتمعت عنده هذه النعم، غني من الأغنياء، بل ملك من ملوك الدنيا، بل كم من الملوك من لا يجد هذه النعم مجتمعة عنده. كن على قناعة أنه ما سيصلك إلا ما كتب الله لك، وقس ما لك. في حديث أبي أمامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس"، من هو روح القدس؟ من هو روح القدس؟ جبريل عليه السلام، قال: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه مما حرم عليكم، فإنما عند الله لا ينال إلا بطاعته، لا ينال بمعصيته". بعض الناس، الناس صلي، وفاتح البقالة، ما لك؟ ما سمعت الأذان؟ قال: إلا فيبقى قيمة للصلاة، سكر، قال: عمل الأولاد يحتاجوا إلى طعام، البعض يشتغل في ورشة، البعض يشتغل في البناء، يا فلان أذن صلاة، أحياناً يشتغلون في المسجد، آه يبنون أو طلا أو غير ذلك، فيتعذر بيئة الرزق في ماذا؟ في التأخر عن الصلوات أو تضيع الجماعات أو غير ذلك، ﴿ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَن تَطْلُبُوهُ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَإِنَّمَا عِندَ اللَّهِ لَا يُنَالُ بِمَعْصِيَتِهِ ﴾، لا ينال بمعصيته. من أسباب انشراح الصدر: الإكثار من ذكر الله عز وجل، الذكر يا إخوان عبادة، بل ومن أجل العبادات، وربنا عز وجل حين أن أمرنا بالذكر أمرنا أن نكثر منه، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾. ذكر الله عز وجل يا إخوان سببٌ عظيم لانشراح الصدر وطمأنينة القلب وراحة الجوارح، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. لما تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض كتبه عن فوائد الذكر، ذكر له ما يزيد على مئة فائدة، ومنها قال: "فيه سر عجيب في الذكر، سر عجيب لطرد الهموم والغموم والأحزان، وجلب الفرح والسرور، وجلب الفرح والسرور". وهذا يا إخوان هو الملاحظ، هذا هو الملاحظ. كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لربما يجدوا ضيقا في صدره بسبب ماذا؟ ما يسمعه من المشركين وما يراه من المجرمين، قال الله عز وجل: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾، أي حتى يأتيك الموت، حتى يأتيك الموت. كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر صلى، كما جاء في حديث حذيفة وغيره، فزع إلى الصلاة، وكان عليها الصلاة والسلام يقول: "أرحنا بها يا بلال"، أي بالصلاة، وكان عليها الصلاة والسلام يقول: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة". أيضا من هذه الأسباب أيها الأحبة في الله: أن يسعى المسلم في إزالة الأسباب الجالبة للهموم والأحزان، هناك أسباب يا إخوان تجلب للقلب الهم والغم والحزن، مثل ماذا؟ الحسد، لماذا تحسد غيرك؟ الحسد يا إخوان جمرة في قلب صاحبها، وأول ما يرى النعمة تتحرك هذه الجمرة، فأول من تحرق صاحبها. الحقد، لماذا تحقد على الآخرين؟ لماذا تحقد على الآخرين؟ الشحناء، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأعمال ترفع يومي الإثنين والخميس، قال: "فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم"، وهكذا أخبر أن أبواب الجنة تفتح يومي الإثنين والخميس، قال: "فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا بينه وبين أخيه شحناء، قال: فيقول الله عز وجل: أنظروا هذين حتى يصطلحا، حتى يصطلحا". إذن هذه يا إخوان من الأمور التي تجلب للقلب الهم والحزن. تتبع العورات والتماس الزلات، يبقى يراقب: إيش عملت؟ يبقى يتابع فلان: ماذا صنع؟ ماذا عمل؟ فمن راقب الناس مات همًا، وفاز بالطيبات الجسور. فهذه أشياء تجلب للقلب الهم وللصدر كذلكم الضيق، ريح نفسك منها. وفي المقابل يحرص على الأسباب التي تجلب الراحة والطمأنينة والشعور بالسعادة، قلبك مطمئن، صدرك منشرح، وجوارحك مرتاحة، هذا يعتبر من النعم العظيمة التي يحرص عليها المسلم. ومما يعين على جلب السعادة: كالوفاء والصدق مع الناس، وحسن التعامل مع الآخرين، وهكذا إفشاء السلام، إطعام الطعام، الإحسان إلى الأرحام، الإحسان إلى الجيران، الإحسان إلى الإخوان، الإحسان إلى الناس