صفات أهل الفردوس

صفات أهل الفردوس

المحاضرة بعنوان صفات أهل الفردوس، والتي كانت بمسجد الفردوس بمنطقة رأس الخيمة - الشحر يوم الجمعة 27 جمادى الأولى 1446هـ الموافق 29 نوفمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

افتتاحية المحاضرة: الثناء على الله وذكر نعمه وفضل مجالس العلم

استهل المحاضر بالثناء على الله وذكر نعمه الظاهرة والباطنة، مؤكداً واجب شكرها واستعمالها في طاعته، وتحدث عن فضل مجالس العلم ومساجد الذكر، مثنياً على دار الحديث بالخير والعلم والدعوة، ثم قدم موضوع المحاضرة وهو صفات أهل الفردوس مستحضراً قول الإمام أحمد في راحة المسلم عند أول قدم في الجنة.

درجات الجنة والفردوس الأعلى وصفات أهله في سورة المؤمنون

بيّن المقطع تفاوت درجات الجنة وأن الفردوس هو أعلاها وأوسطها، مستدلاً بأحاديث نبوية وقصص الصحابة كحارثة بن سراقة وفاطمة رضي الله عنهما، وربط بين نيل هذه المنزلة والصفات الست التي افتتح بها الله سورة المؤمنون، مبتدئاً بخشوع القلب في الصلاة.

أهمية الخشوع في الصلاة وسبل تحصيله ومقومات الفلاح

أوضح المقطع أن الخشوع روح الصلاة وقلبها، وأن الصلاة الخاشعة تنهى عن الفحشاء والمنكر، مستدلاً بأحاديث الوضوء والركعتين الخاشعتين ومجاهدة الشيطان، وربط الخشوع بالإعراض عن اللغو وحفظ الفروج وأداء الزكاة كصفات للمؤمنين المفلحين الوارثين للفراديس.

العفة وأداء الأمانة وإقامة الصلاة من صفات أهل الفردوس

بين المقطع أن المباشرة الزوجية بنية الاحتساب صدقة عظيمة، واستعرض قصة الشاب الذي استأذن النبي ﷺ في الزنا فدفعه عن ذلك بعرض المحارم والدعاء له، وأكد أن العفة وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وإقامة الصلاة بخشوعها الكامل من صفات الوارثين للفردوس الأعلى.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعده، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الأحبة في الله، بعد كل ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله تبارك وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة وآلاء عظيمة لا نستطيع لها حصرًا، وصدق ربنا إذ يقول: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وربنا عز وجل يقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. والواجب على المسلم أن يتأمل وأن يتفكر في نعم الله عز وجل التي أسبغها عليه، سواء كانت نعمًا ظاهرة أو كانت باطنة، سواء كانت نعمًا بالليل أو كانت بالنهار، سواء كانت نعمًا في البر أو كانت نعمًا في البحر، سواء كانت نعمًا دنيوية وما أكثرها يا إخوان، أو كانت نعمًا دينية وما أعظمها. فالواجب على العبد أن يتفكر وأن يتذكر، فإن ذلك مما يعين على الشكر وعلى الاعتراف بها، وهكذا أن يسعملها فيما يرضي الله عز وجل. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. ومن هذه النعم هذه المجالس العامرة وهذه الحلق المباركة التي من الله بها علينا جميعًا، وهذا فضل من الله عز وجل، ومنا كم من البلاد الأخرى من حرمت مثل هذه النعم بينما نحن ساقها الله لنا ويسرها لنا. وكم هي المنافع وكم هي الفوائد التي يتحصل عليها المسلم إذا كان من أهل هذه المجالس ومن رواد هذه المساجد. كم يا إخوان يصلح الله عز وجل الأحوال بسبب آية قرآنية أو بسبب حديث نبوي أو بسبب أثر سلفي، بسبب كلمة طيبة وفائدة تلقى وتسمع، يفتح الله لها آذانًا صما وعيونًا عميا وقلوبًا غنفا. في مثل هذه المجالس يصلح الله عز وجل القلوب، وصلاح القلوب يعتبر سببًا لصلاح الأجساد، لصلاح الألسن، لصلاح الأحوال والأعمال، لصلاح الأفراد والأسر والمجتمعات، فأكرم بها وأنعم من مجالس خير ومجالس بركة، وهذا كله فضل من الله عز وجل. ثم نحمد الله عز وجل الذي جعل لنا دارًا مباركة في هذه المدينة في هذه المديرية، ألا وهي دار الحديث العامرة بالخير والعلم والتعليم والدعوة والإرشاد. وهذا يا إخوان فضل عظيم وخير كبير، أثره وفائدته لا أقول في مدينتنا هذه خاصة بل في ربوع الدنيا شرقها وغربها، ما تذهب يمنة أو يسرة إلا وتجد من طلاب دار الحديث بالشحر من يدرسون ومن يخطبون ومن يدعون، بعضهم في أقصى أمريكا وآخرون في أوساط أوروبا، ومنهم من هو في جنوب شرق آسيا في نواحي من إفريقيا إلى غيرها من البلدان. فإذا كان يستفيد من هذه الدار الذي هو بأقصى المغرب أو المشرق أو في نواحي بعيدة، فنحن من باب أولى أن يكون لنا حظ ونصيب وافر من ذلك بالمناصرة، وهكذا بالحضور والاستفادة والتتلمد، وهكذا التعلم في هذه الدار المباركة. ثم جزى الله خيرًا أخانا المبارك الأستاذ أبا أحمد سعد بن أحمد بن ربيد حفظه الله تعالى على مقدمته وترحيبه وحسن ظنه، وجزاه الله خيرًا على هذه الجهود المباركة في هذا الجامع وهكذا في غيره من المساجد، فهي جهود أسأل من الله عز وجل أن يتقبلها وأن يبارك فيها. وننصح إخواننا في هذه المنطقة وهم يعلمون ذلك وحريصون على ذلك أن يستفيدوا منه وأن يأخذوا عنه وأن يغتنموا هذه الفرصة، ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر، في الليلة الظلماء يبحث الشخص عن أدنى نور يبصر به ما أمامه وما حوله، بينما هي اليوم الأنوار كاشفة، وهكذا الإضاءة قوية، فينبغي أن نستفيد من ذلك وأن نستغل ذلك. وهكذا كلمة أخينا المبارك الأستاذ أبي عبد الله عمر بن محمد برعية حفظه الله تعالى، وهو من إخواننا الأساتذة المدرسين في دار الحديث بطيبة، وهو إمام مسجدنا، وهكذا نفع الله به وبإخوانه معه الذين يقومون على التدريس، على التدريس، ونفع إخوانهم المسلمين وأبناءهم. فأسأل المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا الاجتماع مرحوما، والتفرق من بعده معصوما، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقيا ولا محروما، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة في الله، سمعتم أن موضوع هذه المحاضرة حول صفات أهل الفردوس، وسبب اختيار هذا الموضوع هو أن المحاضرة في مسجد الفردوس، وحين أن نتذكر هذه الأسماء فإننا نتذكر الهمم العالية ونتذكر الجد والاجتهاد الذي يحتاجه الجميع لكي ينال هذه المنازل والدرجات العالية. وما أجمل الحديث عن الجنة، فإنه من الملح ومما تستعذبه القلوب وتشتاق لسماعه وتشتاق لسماعه. الجنة أيها الأحبة في الله التي وعد الله بها المتقين، الجنة هي دار الأبرار كما أن النار هي مصير الفجار، الجنة هي دار الكرامة دار العزة، الجنة هي التي يكرم الله عز وجل بها أهل التوحيد وأهل الإسلام والإيمان، فمن دخل الجنة سعد، ومن دخل الجنة أمن. سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى سؤالًا، قالوا: يا إمام، متى يرتاح المسلم؟ المسلم في الدنيا يعيش في متاعب ويجد همًّا وغمًّا وضيقا وحزنا وألما ومرضا وحروبا وجوعا وخوفا وغيرها كثير، متى يرتاح المسلم؟ فأجاب بجواب مختصر مفيد، قال: عند أول قدم يضعها في الجنة، عند أول قدم يضعها في الجنة. ولهذا قال الله عز وجل عن أهل الجنة: ﴿إِذَا دَخَلُوهَا وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. الجنة هي دار إقامةٍ أبدية وحياةٍ سرمدية، وكم شوقنا ربنا عز وجل الجنة، وبين لنا بعض ما أعدَّه لعباده فيها، وكم ذكر لنا سبحانه وتعالى من الأسباب التي توصل إلى الجنة، ذكر شيئًا كثيرًا. ومن ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين -أي في الجنة- ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾»، أي جزاء أعمالهم وجزاء مسارعتهم ومسابقتهم في الدنيا، فهم سابقوا في الدنيا إلى العمل الصالح، وهكذا في الآخرة ربنا تبارك وتعالى جعل لهم درجاتٍ عالية ومنازل رفيعة عنده سبحانه وتعالى. أيها الأحبة في الله، والجنة كما سمعتم ليست الدرجة واحدة، وإنما كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها درجات، كما أن النار أعاذنا الله وإياكم منها دركات: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، بينما المؤمنون يتقلبون في الجنان. وهكذا درجاتٌ عالية في الجنان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف كما تتراؤون الكوكب الدري الغابر في المشرق أو المغرب»، دقق النظر في بعض الكواكب البعيدة التي تضيء وتختفي، فأهل الجنة يتراؤون أهل الغرف في علياء الجنة كما نترى الكوكب الدري في الأفق. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها». وكم يا إخوان يحصل الغبن في ذلكم اليوم، في ذلكم اليوم يغبن البعض البعض الآخر عند اختلاف المنازل وتفاوت الدرجات. فاليوم يا إخوان هو يوم العمل، اليوم هو يوم المسارعة، اليوم هو يوم المسابقة إلى الخيرات وإلى الأعمال الصالحات، بينما الغد ليس إلا دار الجزاء ودار الحساب: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وهكذا قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾. فأسأل المولى عز وجل أن يجعلنا من المسابقين ومن المتنافسين، وممن يرفق إلى هذه الأعمال الصالحات التي تكون سببًا لدخول الجنان. ومحور هذه المحاضرة حول أوائل سورة المؤمنون، حيث يقول ربنا عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ماذا يرثون؟ يرثون جنة أرضها السماوات والأرض، يرثون نعيمًا مقيمًا عند الله تبارك وتعالى. ولهذا جاء عند ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ما منا من أحد إلا وله مقعدان: مقعد في الجنة ومقعد في النار، فإذا مات فأدخل النار ورث أهل الجنة ذلكم المقعد الذي كان له. وقد صحح العلامة الألباني رحمه الله تعالى هذا الحديث. أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، هم فيها خالدون. والفردوس يا إخوان هو أعلى منازل ودرجات الجنة. والفردوس ذكر العلماء أنه يطلق على معنيين: يطلق على الجنة عمومًا، يطلق على الجنة جميعها، كما في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. وهكذا جاء عند الترمذي من حديث أنس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها». وهكذا يطلق الفردوس ويراد به أعلى درجات ومنازل أهل الجنة. فكما سبق أن الجنة درجات، كما أن النار دركات. وقد جاء في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام البخاري وغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها». فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ أفلا نبشر الناس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض». قال: «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة». وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فائدة عظيمة، ألا وهي أنه كلما كان المكان قريبًا من العرش كلما كان أعظم وكلما كان أجمل، ولهذا كان الفردوس الأعلى هو من أحسن المنازل التي ينزل الله عز وجل بها أهل الجنة. جاء في صحيح البخاري من حديث أنس في قصة الربيع بنت النضر -وفي بعضها أنها بنت النضر- وهي أم حارثة بن سراقة. حارثة بن سراقة، ابنه خرج في غزوة بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه سهم غرب، أي لا يدرى من رماه، فمات وقتل شهيدًا رضي الله تعالى عنه. لكن أمه ما زال في نفسها شيء، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله: أين حارثة؟ أفي الجنة فأفرح، أم أنه في النار؟ فإذا كان في النار فإنها ستفعل وتفعل. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أم حارثة، إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى»، أي الفردوس الأعلى من هذه الجنة. وجاء في صحيح البخاري أيضًا من حديث أنس، قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يتغشاه الكرب، قالت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها: «وا كرب أبتاه، وا كرب أبتاه». فأجابها عليه الصلاة والسلام قائلًا: «لا كرب على أبيك بعد اليوم». فلما قبض عليه الصلاة والسلام، جاءت فاطمة رضي الله عنها تقول: «وا أبتاه، أجاب ربا دعاه، وا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، وا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، جنة الفردوس مأواه». قال أنس: فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم ورجع الناس من دفنه، قالت فاطمة رضي الله تعالى عنها لأنس: «أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟». فالفردوس هو أعلى الجنة، هو أعلى الجنة الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، وهكذا أن يتسابق إليه المتسابقون. ربنا عز وجل ذكر ستًا من الصفات هي لأهل الفردوس كما في سورة المؤمنون، وليس معنى هذا أنه ليس لهم صفات غيرها، أو أنه ليس هناك أسباب أخرى تدخل العبد إلى الجنة، بل الأسباب كثيرة، لكن هذه الست التي ذكرها الله عز وجل هي تعتبر من أعظمها. قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، الفلاح هو الفوز والظفر بالسعادة في الدارين، فالمؤمنون هم الفائزون، والمؤمنون هم السعداء في الدنيا، وهكذا أيضًا في الجنة. وذكر أول صفاتهم فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. خاشعون. قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «الخشوع خشوع القلب، الخشوع خشوع القلب». وهكذا ذكر الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، قال: «كان خشوعهم في قلوبهم، كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح، خفضوا الجناح». إذن الخشوع عبارة عن عبادة قلبية، لكن أثرها قد يظهر على الجوارح، قد تدمع العين، وهكذا يقع على الجسد ما يقع من أثر الخشوع من الآثار المشروعة. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله الله تعالى أن للخشوع أهمية عظيمة في صلاتنا، فقال رحمه الله تعالى: «صلاة بلا خشوع ولا خضوع كبدن ميت لا روح له، كبدن ميت لا روح له». هكذا ذكر رحمه الله تعالى، فلق الصلاة وقلبها وروحها هو في الخشوع، وهكذا حياتها في الخشوع. ولهذا يا إخوان، فالصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر هي هذه الصلاة التي حضر فيها القلب وسكنت فيها الجوارح، وسكنت فيها الجوارح. وقد جاء في حديث عثمان رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وعلمهم كيف يتوضأ المسلم، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: «لا يحدث فيهما نفسه»، إشارة إلى الخشوع الذي يقع في صلاة هذا المسلم، وهو حضور القلب فيها ومطاردته لوساوس الشياطين. الذي يجعل الخشوع حاضرًا: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعده، ومما ينبغي أن يعلم أن الخشوع يعتبر من الأمور العظيمة، ويعتبر سمة من سمات المؤمنين الذين إذا وقفوا بين يدي الله عز وجل استحضر أحدهم هيبة الوقوف بين يدي الله عز وجل، سواء كان عند تكبيره أول ما يبدأ في صلاته قائلًا: الله أكبر. كم منا من يكبر ولا يستشعر عظمة التكبير؟ فقولنا: الله أكبر، أي أن الله عز وجل أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء وأجل من كل شيء. فإيانا أن ننشغل بغيره في الصلاة. الله أكبر. ولربما تذهب أذهان بعضنا إلى الأعمال والوظائف، أو إلى الألعاب والملاعب، أو غيرها من الأمور، فهذا مما ينبغي على المصلي أن يستشعره. وهكذا عند قراءتنا في الصلاة، ولا سيما سورة الفاتحة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي. فإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله عز وجل: مجدني عبدي. فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل». فليستحضر المسلم إذا قرأ سورة الفاتحة وغيرها أنه يناجي الله عز وجل، فلا يلتفت يمنة أو يسرة، لا بعينه ولا بقلبه. وكم يا إخوان هي المجاهدة المطلوبة في الصلاة، مجاهدة المؤمن لذلك الشيطان الذي يريد أن يلبس عليه في صلاته ويريد أن يشغله في صلاته، فهي من أعظم أنواع المجاهدة. جاء في حديث عثمان بن أبي العاص أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذكر له أنه إذا قام في صلاته قال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها علي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيطان يقال له خنزب، ذاك شيطان يقال له خنزب. قال: فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا». قال عثمان بن أبي العاص: قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني. الشيطان يا إخوان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نودي للصلاة أدبر وله ضراط، فإذا ثوب للصلاة» -أي أقيم لها- بعد أن يقام لها، يأتي ويبدأ يوسوس للشخص، ويذكره بأشياء، يدخل في الصلاة فيذكره: أأغلقت السيارة أم لا؟ طيب، مفتاح الدراجة في جيبك أو على الدراجة لا يزال معلقًا. طيب، أهلك يحتاجون شيء؟ روتي؟ صيد؟ يبقى يذكره بأشياء، حتى أنه يخرج من الصلاة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدري كم صلى، ولا يدري كم صلى. إذن يا إخوان، هي المجاهدة التي تكون بين العبد وبين ذلكم العدو، والتي تثمر بإذن الله عز وجل أن ينتصر المسلم على الشيطان، فيحصل الخشوع والخضوع. قال ربنا عز وجل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. عن اللغو معرضون. الأصل في اللغو أنه لا مال فائدة منه. والذين إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. وهكذا في صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. وذكر بعض العلماء أن المقصود باللغو هو الشرك، فهم معرضون عن الشرك، وقيل المعاصي، فهم معرضون عنها، والآية تشمل جميع ذلك، أن المسلم يحرص على ما ينفعه. وهذه يا إخوان قاعدة عظيمة ووصية عظيمة من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، كما في مسلم عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، قال: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز. إياك والعجز، إياك والعجز، والعجز هو عدم القدرة على فعل الشيء. يا فلان افعل كذا، قال: لا ما أستطيع، ما أقدر، هذا عجز. واستعن بالله، أي أطلب المعونة من الله عز وجل، ولا تعجز، ولا تقول: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». إذا من صفات هؤلاء المفلحين الوارثين أصحاب الفردوس أنهم عن اللغو معرضون. يجلس الشخص فيجد القوم يتحدثون بالغيبة أو الكذب، أو يستهزئون بالآخرين، أو غيرها، فماذا؟ فالواجب هو النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم يستجيبوا لك فأعرض عنهم ولا تحضر مجلسهم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. وهذا يا إخوان يجرنا إلى أمر، ألا وهو أن المؤمن حريص على اغتنام أوقاته والانتفاع من مجالسه. وغد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجالس إلا مؤمن، ولا يأكل طعامك إلا تقي، إلا تقي». وهذا هو الفارق بين الجليس الصالح وجليس السوء، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. ذكر العلماء لها تفسيرًا خاصًا، ألا وهو يتعلق بفعل الزكاة، أي إخراج المال إذا حال عليه الحول وقد بلغ نصابًا، وصرفه إلى من يستحقه، هذه زكاة. وحملها بعضهم على معنى عام، ألا وهو زكاة النفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. وكل الأمرين يا إخوان يعتبران من أسباب الفلاح، من أسباب الفوز بذلكم النعيم المقيم، وأن ينال هذه الدرجات العالية. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. ليس عليهم لوم، وليس عليهم جناح، بل يعتبر ذلك من الطاعات العظيمة والصدقات المقبولة عند الله عز وجل. قال عليه الصلاة والسلام: «وفي بضع أحدكم صدقة». تعجب الصحابة، قالوا: يا رسول الله، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قالوا: بلى. قال: «فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ». وهذه من الأمور التي لربما يغفل عنها البعض منا، إذا عاشر أهله ينبغي أن يحتسب الأجر عند الله عز وجل، ويحمد الله الذي عافاه مما ابتلى به الكثير من الناس، ممن ابتلوا بالفواحش ويقعون في المحرمات، من الزنا أو اللواط، أو يمارس بعضهم العادة السرية، أو يتتبع الفتيات ويغازل البنات، ويتصل على البيوت فيزعج أهلها. الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهم به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا. هكذا أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم. إذا من صفات أصحاب الفردوس العفة عن الأعراض والوقوع في هذه الفواحش وهذه المحرمات. وإذا عف المرء منا كان ذلك سببًا لعفة أهله، كان ذلك سببًا لعفة أهله. وكما جاء في حديث أبي أمامة في قصة ذلكم الشاب الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا. يطلب رخصة، عنده ما عند الشباب من الغريزة والشهوة والميل إلى النساء، لكنه يخاف الوعيد ويستحي من الله عز وجل أن يراه حيث نهى، فأتى يريد رخصة: ائذن لي في الزنا. جعل الصحابة يصمتونه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أدنِه، أدنِه». وهنا بدأ العلاج، فقال له: «أترضاه لأمك؟» أترضاه لأمك؟ ترضى أن يتحدث الناس أن أمك زنى بها شخص؟ قال: لا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم. أترضاه لأختك؟ أترضاه لابنتك؟» والشاب يصيح يا إخوان ويتفاعل، ويقول: لا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لبناتهم. أترضاه لأختك؟ أترضاه لعمتك؟ أترضاه لخالتك؟» عدد له أقرب الناس من محارمه إلى قلبه. ومعنى ذلك أن هذه المرأة التي تطلب رخصة أن تزن بها قد تكون أمًا، تدري ما مكانة الأم في قلب أبنائها، الموت أحب إليهم ولا يقال أن أمكم زانية. وهكذا قد تكون بنتًا، تدري ما مكانة البنت في قلب أبيها، باطن الأرض خير له من ظاهرها، ولا يقال: يا فلان، لقد وجدوا مجموعة من الشباب يزنون بابنتك وفلذة كبدك. هذه قد تكون أختًا، والأخت لها مكانة عظيمة في قلوب إخوانها، قد تكون عمة، خالة، لها أرحام ومحارم يحزنون لذلك. ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على ذلك الشاب، ودعا له بثلاث دعوات. هذه الثلاث الدعوات يا إخوان ينبغي أن ندعو بها لأولادنا ولإخواننا ولشبابنا: «اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه، واغفر ذنبه». يا إخوان، خرج الشاب بعدها ولا يلتفت إلى شيء من ذلك، ما يريد زنا، ما يريد زنا. فالعفة يا إخوان من الأمور المطلوبة، وكم من الآباء يا إخوان أو الأبناء أو الإخوة كانوا سببًا في خراب بيوتهم وانتهاك أعراضهم، يتلاعبوا ببنات المسلمين، فيغتلم في أهله ويفضح في جوف رحله. قال ربنا عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أداء الأمانة، الأمانة والقيام بالعهد، هذه من الواجبات الكبيرة التي يجب أن يحرص عليها المسلم، لأن عدم القيام بها يجعل صاحبها في زمرة الخيانة، ضيع الأمانة فوقع في الخيانة، وهكذا أخل بالعهد. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، مسؤولًا، سيسأل عنه العبد منا. وكم يا إخوان تصلح الأسر وتصلح المجتمعات إذا كان أهلها أمناء، وكان أهلها أوفياء، يحصل الخير الكثير لذلكم المجتمع. ونأسف يا إخوان من حال الكثير من المسلمين في باب الأمانة وفي باب العهد، فقد أصبحت الخيانة وأصبح الغدر من الأمراض المنتشرة في أوساط الأمة، إلا من رحم الله عز وجل. وختم ربنا تبارك وتعالى هذه الصفات بالصلاة، كما أنه بدأها بالصلاة، وهذا إن دل على شيء دل على أهمية الصلاة. وليس أن يصلي العبد فحسب، بل أن يقوم بالصلاة على الوجه المطلوب. قلب أوراق المصحف وتدبر آيات القرآن، انظر كيف يأمرنا ربنا عز وجل بالصلاة فيقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أمرنا بإقامتها، لا بمجرد الصلاة. فكم مُصَلٍّ يا إخوان يخرج من صلاته ولا يُكتب له إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو سدسها، إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو عشرها». بل كم من الناس، نسأل الله العافية والسلامة، لربما ترد عليه صلاته في وجهه، ولا تُقبل منه، ولا تُقبل منه. قال ربنا عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. يحافظون على شروطها فلا يُخِلُّون بواحدٍ منها، يحافظون على أركانها فيأتون بها على الوجه المطلوب، يحافظون على الواجبات، بل وليس الواجبات فحسب، بل وعلى المستحبات. أولئك يا إخوان هم الوارثون الذين يريثون الفردوس، هم فيها خالدون. ومن دخل الجنة يا إخوان فقد نال الفوز العظيم، وأمن، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يعيننا جميعًا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله تبارك وتعالى أن يحرم أجسادنا على النار، وأن يمن علينا بدخول الجنان، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، نحن ووالدينا وأزواجنا وأبنائنا وإخواننا وأرحامنا وجيراننا وعلمائنا ومن له فضل علينا. أسأل الله عز وجل الذي جمعنا في هذا المجلس المبارك أن يجمعنا جميعًا في الفردوس الأعلى إخوانًا على سرر متقابلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ولا أنسى في خاتمة هذا المجلس أن أشكر القائمين على هذا المسجد ورواده على تهيئتهم هذه الفرصة لإلقاء هذه المحاضرة، ونشكر لهم تعاونهم وتضافرهم، وأسأل المولى عز وجل أن يجعل ذلك في موازين حسنات الجميع، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.