دلائل الإيمان على حفظ الأمن والأمان

دلائل الإيمان على حفظ الأمن والأمان

المحاضرة بعنوان دلائل الإيمان على حفظ الأمن والأمان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 20 رجب 1447هـ الموافق 9 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الأمن في الإسلام وارتباطه بالإيمان

تناولت الخطبة نعمة الأمن بوصفها أساس الحياة الطيبة وركيزة استقرار المعاش، مستشهدة بأقوال ابن تيمية والأحاديث النبوية التي تربط الإيمان بالأمن وتعرف المؤمن بأنه من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم. كما حرمت ترهيب المسلم لأخيه المسلم حتى لو كان مزاحاً.

تحقيق الأمن للأفراد والمجتمعات بتشريعات الإسلام

يبيّن المقطع أن الإيمان الحق يقتضي تحقيق الأمن للأفراد والمجتمعات، فيحرم تخويف المسلم ويأمر بإعداد القوة لردع الأعداء، ويفرض القصاص لحفظ النفوس، ويحرم المسكرات لحماية العقول. كل هذه التشريعات تكفل السلامة والاستقرار الشامل.

الحدود الشرعية وحفظ الضروريات الخمس للأمن

استعرض المقطع أحكام الحدود في الإسلام كوسيلة لحفظ الأمن، بدءاً بتحريم المسكرات والمخدرات لحفظ العقل، مروراً بحد الزنا لحفظ الأنساب، وحد القذف لحفظ الأعراض، وحد السرقة لحفظ الأموال. واختتم بأحكام التعامل مع غير المسلمين لضمان أمن الدماء والأموال.

دلائل الإيمان في تحقيق الأمن الشامل بالشريعة

أكد الختام أن الشريعة جاءت بدليل الإيمان الذي يحقق الأمن والأمان للناس في جميع جوانب حياتهم، من العبادات والمعاملات إلى شؤونهم اليومية. وهذا المقصد العظيم يلبي حاجة المجتمعات للأمان الشامل والدائم.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر هذا اللقاء وهذه الندوة التوعوية التي أقامها إخوانكم في هذه الدار المباركة، حرصًا على إيصال الخير إلى المجتمع، وكذلك حرصًا على استتابة الأمن وتذكير الناس بهذه النعمة العظيمة وهذه المنة الكبيرة التي ينبغي أن يحافظ عليها، وأن يكونوا عونًا على بقائها وعلى استمرارها وعلى دوامها، وسد أبواب الفتن والشرور التي لربما كانت سببًا في زوال هذه النعمة العظيمة. وكما سمعتم كلمة أخينا ساعد حفظه الله، عظم هذه النعمة وكيف أن الله جل وعلا امتن بها على أهل الحرم، مذكرًا بعظم نعمة الأمن، وأنه لا تستقيم الحياة ولا كذلك ينعم الإنسان في معيشته إلا بالأمن. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الأمن أهنى عيش، والعدل أقوى جيش». الأمن أهنى عيش، والعدل أقوى جيش. فإذا وجد الأمن وجدت الحياة الطيبة، الحياة السعيدة، ويهنى الإنسان في حياته في مأكله، في مشربه، في ملبسه، في مسكنه، في مدخله، في مخرجه، يذهب وهو آمن ويرجع وهو آمن، يعبد ربه وهو آمن، آمن على نفسه وآمن على أهله وآمن على ماله وعلى ولده، فتهنى له الحياة بوجود الأمن. فإذا سُلِبت هذه النعمة سُلِبت سائر النعم، فإنه لا يمكن أن يتنعم بما أتاه الله جل وعلا من الأرزاق إذا سُلِبت نعمة الأمن، فلا يهنى له عيش لا في مطعمه ولا في مشربه ولا في ملبسه ولا في مسكنه ولا في سائر أمور حياته. ولذلك فإن كون المسلم والمؤمن يتصف بهذه الصفة أنه من أهل الإيمان، فإن الإيمان له ارتباط عظيم بالأمن. بل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الإيمان مشتق من الأمن، الإيمان مشتق من الأمن، وهو الطمأنينة، الطمأنينة في النفس، في القلب، في الجوارح، في المال، في الدم، في العرض، في سائر أمور الحياة». ولهذا ربنا عز وجل من أسمائه المؤمن. قال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في معنى هذا الاسم: «أي الذي أمن خلقه من أن يظلمهم، أي الذي أمن خلقه من أن يظلمهم». ولذلك فالمؤمن هو الذي أمن الناس منه على دمائهم وأموالهم. جاء في مسند الإمام أحمد وعند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم». هذا هو حقيقة المؤمن، والذي حقق الإيمان، الذي يأمن الناس منه على دمائهم وأموالهم، فلا يعتدي على دمائهم ظلمًا، ولا كذلك يعتدي على أموالهم ظلمًا واعتداءً. إذن المؤمن الذي يأمنه الناس، ويتحقق من إيمانه تحقيق الأمن، تحقيق الأمن. ولذلك فإن الشريعة جعلت أسبابًا عظيمة وأحكامًا كثيرة وأوامر عديدة ونواهي كذلك مختلفة، بها يتحقق الأمن في المجتمع. ومن ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يخيف المسلم أخاه المسلم. جاء عند الإمام أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا، لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا». يعني أن يخيفه، ولو كان ذلك على سبيل المزاح، ولو كان على سبيل المزاح ما يحل لك، ولا يجوز لك أن تخيف أخاك المسلم، لأنك مؤمن، وإذا كنت مؤمنًا فلابد أن تؤمنه وأن يأمن منك ولا يخاف. لا يحل لك أن تخيفه ولو كنت تمزح معه، كما يفعل بعض المسلمين، ربما يختبئ في مكان فإذا ظهر أخاه المسلم أفزعه، أو ربما فرقع شيء من البلونات وهو غافل فيخيفه، أو بغير ذلك من الأفعال. لو كان كذلك برفع السلاح من باب المزاح ما يجوز ولا يحل. كذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار». متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. انظر ما يحل لك أن تشير بالسلاح على أخيك المسلم، ولو كان ذلك مزاحًا، ربما ما تدري إلا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ينزع الشيطان في يدك فتقتل أخاك المسلم». وكم حصل من مثل ذلك، وكان السبب أنه مزاحًا ولعبًا، فانتهى الأمر إلى قتل وسفك دم بغير حق. ولهذا قال أيضًا عليه الصلاة والسلام: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يضعه، فإن الملائكة تلعنه حتى يضعه». ومن دلائل الإيمان على الأمن والأمان، عباد الله، ما يتعلق بأمان المجتمع والحرص على سلامته من الأعداء. أمر الشرع بعداد العدة لمقابلة العدو حتى يأمن المجتمع من شرهم. فقال جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. فأمر الله جل وعلا بإعداد العدة الحسية من السلاح وما يتبع ذلك، والعدة المعنوية من الإيمان والتقى والمحافظة على الطاعات والأعمال الصالحات، بما يكون به يتقوى المؤمن على دفع شر الأعداء ويأمن المجتمع من عدوهم. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، أي كونوا على حذر من أعدائكم، فكونوا معدين لهم ومستعدين لهم. ومنها كذلك أيضًا أن الشرع أمن الناس فيما يتعلق بأمر الدماء، حتى لا يعتدى عليها ولا تسفك ظلمًا، فإنه إذا حصل ذلك ذهب الأمن وأصبح الإنسان خائفًا على نفسه، لا يأمن أن يسلم من أهل الشر والسوء. فلذلك فإن الشريعة جاءت بحكم القصاص، أن يقتل القاتل عمدًا عدوانًا قصاصًا، حتى تسلم الأرواح من أهل الشر والسوء. فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، إلى أن قال جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. لكم في القصاص حياة، أي إذا أقيم هذا الحكم وهذا الحد الشرعي بأن يقتل القاتل، كان في ذلك حياة للأنفس، فإن القاتل إذا علم أنه سيقتل ما تجرأ على قتل غيره، وحينئذ تحيا هذه الأنفس وتسلم من أن تزهق أرواحها بغير حق. وهكذا أيضًا كذلك، منها كذلك ما يتعلق بأمن العقل والحفاظ عليه وعدم إفساده والإضرار به. ولذلك حرمت الشريعة كل ما يفسد العقل من الخمور والمسكرات التي تذهب هذا العقل. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أمر الله جل وعلا باجتناب الخمر، والخمر ما خامر العقل، أي ما غطاه وما أزاله، فكل ما كان كذلك فهو محرم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر حرام»، كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وجاء في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». فكل ما كان فيه هذا الوصف وهو الإسكار وزوال العقل، فإنه يلحق بالخمر في التحريم. ومن ذلك المخدرات بجميع أنواعها، فإنها أشد إفسادًا للعقل وإذهابًا له مما يفعله الخمر بصاحبه. وما ذاك إلا لأمن هذه العقول، لأن هذا العقل إذا زال أصبح الإنسان كالمجنون، وإذا كان لا عقل له فهو ربما يقتل ويسفك الدماء ويأخذ الأموال ويزعزع أمن المجتمع، وذلك بسبب زوال عقله. وكذلك أيضًا من هذه الأمور التي هي من دلائل الإيمان على الأمن والأمان، ما يتعلق بأمن الأنساب والحفاظ عليها من اختلاطها ومن كذلك ضياعها. جاءت الشريعة بتحريم الزنا. قال الله جل وعلا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فرتب الله جل وعلا على هذه المعصية وعلى هذه الكبيرة هذا الحد، وهو حد الجلد في الزاني غير المحصن، وكذلك الرجم في من كان محصنًا، أي قد تزوج بنكاح صحيح وطئ فيه، فإنه إذا وقع في الزنا فإنه يرجم بالحجارة حتى الموت. قال عليه الصلاة والسلام: «قد جعل البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم». والحديث في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه. فإذا أقيم هذا الحد، حد الزنا، فإن الأنساب تأمن من ذهابها وضياعها واختلاطها. وإذا ضيع أو ضعف الإيمان، فلا تسأل عن الشر العظيم الذي يحصل في ذهاب أمن هذا الأمر، وهو ما يتعلق بالأنساب. كذلك أيضًا الأمن والأمان في الأعراض، أن تنتهك، وكذلك أن يعتدى عليها، أو أن تنتهم وهي بريئة بالزنا أو غيرها من الفواحش. فرتب الشرع حد القذف لمن قذف محصنًا بغير بينة. قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. فأمر الله جل وعلا بجلد القاذف أن يجلد ثمانين جلدة، حتى لا يعتدى على هذه الأعراض، يأتي إنسان فيقذف إنسانًا بالزنا، يقول له: يا زاني، أو يا ابن الزانية، أو يا فاجر، أو يا فرخ، أو نحو ذلك من هذه العبارات التي فيها معنى القذف. وهذا لا شك أنه أمر محرم، وكذلك اعتدى على الأعراض بغير حق، فجعل الشرع هذا الحد حتى لا يعتدى عليها، فيأمن الناس على أعراضهم. وهكذا أيضًا كذلك الأمن والأمان في الأموال، حتى لا يعتدى عليها ولا تأخذ ظلمًا وبهتانًا أو جورًا. جعل الشرع قطع يد السارق إذا سرق ما بلغ نصابًا وكان محرزًا، فإن يده تقطع وتكون هدرًا. قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. كل ذلك لأجل حصول الأمن للناس في أموالهم، فلا يعتدى عليها ولا تأخذ بغير حق. وهكذا أيضًا الأمن والأمان فيما يتعلق مع الكفار. فإذا كان الكافر حربيًا لا عهد له ولا أمان ولا ذمة، فإن هذا يحارب ويقاتل، لأن في محاربته تحقيق للأمن للناس في دينهم وفي كذلك دنياهم. وإن كان غير حربي كالمعاهد أو المستأمن، فإنه لا يجوز الاعتداء على دمه، فدمه معصوم وماله كذلك مضمون. قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة». رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. فهذه بعض دلائل الإيمان في تحقيق الأمن والأمان التي جاءت بها الشريعة لتحقيق هذا المقصد العظيم، وكذلك هذا المطلب الكبير الذي يحتاج له الناس في حياتهم وفي مجتمعاتهم، في عباداتهم وفي معاملاتهم وفي سائر شؤون حياتهم. فأكتفي بهذه الكلمات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.