الخطبة بعنوان النصح الثمين لأئمة المساجد والمعتمرين، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 15 شعبان 1446هـ الموافق 14 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن الخطيب أن العمرة في رمضان تعدل حجة في الأجر لا في الإجزاء لاجتماع شرف الزمان والمكان والعبادة، مستدلاً بالحديث الصحيح. ويقدم وصايا عملية للمعتمرين كالتزود بالتقوى وتجنب الاستدانة والاختلاط، مشيداً بدور طلاب العلم والأئمة في هذا الشهر الفضيل.
يسلط المقطع الضوء على أثر تلاوة القرآن بالصوت الحسن في لين القلوب وإدخال الإيمان كما في قصة جبير بن مطعم، مؤكداً سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستماع للقرآن. ويختتم بتوجيه الأئمة والدعاة للإخلاص وترك الرياء والاهتمام بالدعوة والتعليم بعد الصلوات.
يحتوي المقطع على صيغة الصلاة والتسليم على النبي محمد وعلى آله وصحبه، تليها حمد لله رب العالمين. ويشكل هذا الدعاء ختاماً مباركاً للخطبة جامعاً بين الثناء على الله والصلاة على رسوله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يتهيأ في هذه الأيام كثير من الناس للذهاب للعمرة في رمضان، وللتعبد في البيت الحرام، ولا شك أن هذه عبادة عظيمة جليلة يزداد أجرها وفضلها في شهر رمضان، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس، ومن حديث غيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عمرة في رمضان كحجة»، وفي لفظ: «كحجة معي»، أي تعدل حجة في الجزاء لا في الإجزاء، أي أن ثوابها وأجرها كثواب وأجر الحج، ولا تغني عن أداء الحج الواجب. وهذا الحديث كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن»، أي في الجزاء لا في الإجزاء، فلو نذر شخص أن يقرأ القرآن كاملًا من أوله إلى آخره فلا يجزئه حتى يبر بنذره أن يقرأ ثلاث مرات من سورة الإخلاص، لأن الحديث الوارد فيها إنما هو في الفضل والجزاء لا في الإجزاء. أيها المسلمون، عباد الله، لقد ذكر العلماء أن هذه الخصيصة وهذه الفضيلة في أجر العمرة في رمضان إنما هي بسبب اجتماع شرف الزمان، وشرف المكان، وشرف العبادة. أما شرف الزمان، فلأن رمضان هو سيد الشهور على الإطلاق، وهو أفضل شهور السنة على الإطلاق، لما أودع الله عز وجل فيه من الخصائص والفضائل، فشهر رمضان هو شهر الصيام، وشهر رمضان هو شهر القيام، وشهر رمضان هو شهر نزول القرآن، فلأجل تلك الخصائص جعل هذا الشهر مفضلًا على غيره. وأما بالنسبة لشرف المكان، فإن البيت الحرام قد شرفه الله عز وجل، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ إلى آخر الآيات، فهو مكان مبارك، وكذلك جعل الله عز وجل فيه من الخصائص والفضائل، ومن ذلك أفضلية الاعتكاف فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث حذيفة عند البيهقي وغيره: «لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: في مسجدي هذا، وفي المسجد الحرام، وفي المسجد الأقصى». ومعنى «لا اعتكاف» أي لا اعتكاف كاملًا إلا في هذه المساجد الثلاثة، وليس معنى أن نفيها هنا نفي صحة، وإنما هو نفي كمال، فيجوز الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة، ولكن الأفضل والأكمل أن يكون الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة. وهكذا جعل الله عز وجل الصلاة في البيت الحرام مضاعفة، وأكثر المواضع مضاعفة لأجر الصلاة، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من مئة صلاة» أو «من ألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة»، أكثر من مئة ألف صلاة. فهكذا ضاعف الله سبحانه وتعالى أجر الصلاة في البيت الحرام، فلشرف المكان جعلت هذه الفضيلة في هذا الشهر المبارك. وهكذا لشرف العبادة، فإن العبادة في رمضان تتضاعف، وهكذا خص رمضان بعبادات لم يخص بها شهر آخر، ومن ذلك صيام الشهر كله، ومن ذلك قيام الليل جماعة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بأصحابه ثلاث ليال أو أربع، ثم ترك ذلك خشية أن تفرض على أمته عليه الصلاة والسلام، ثم عمر رضي الله تعالى عنه جمع الصحابة على أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، فصارت هذه سنة، صارت سنة يعملها أهل الإسلام في هذا الشهر المبارك، فهي عبادة عظيمة، جاء في أجرها حديث أبي ذر عند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ومن صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة». وهكذا ما في هذا الشهر من كثرة الجود والإحسان، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. وهكذا خص هذا الشهر بمدارسة القرآن، وبالاعتناء والاهتمام بختم القرآن، لأنه شهر الصيام. فانظروا يا عباد الله إلى ما ينعم به المسلم حين يذهب في شهر رمضان إلى تلك الأماكن المقدسة، فيحوز بذلك شرف الزمان والمكان والعبادة. فلذلك من وجد من نفسه سعة فلا يبخل على نفسه بأن يكون من هؤلاء المعتمرين في هذا الشهر المبارك. ولا يخفى عليكم عباد الله فضل العمرة على وجه العموم، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، كفارة لما بينهما». وجاء كذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عند أبي داود وعند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تابِعُوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة». فيا من تسعى لتكفير ذنوبك، فها هو باب من تلك الأبواب قد فُتح لك، وقد تيسر لك، ويا من تسعى للغنى، فها هو باب قد فُتح لك. وهكذا جاء عند البزار من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم». واستدل العلماء من هذا الحديث أن الحاج والمعتمر دعوته مستجابة، لأنه في هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سألوه فأعطاهم». يا له من كرم يا عباد الله، ويا له من شرف، ألا فتسابقوا إلى هذه العبادة العظيمة التي تيسرت لنا في هذه الأزمان. وإني كذلك أوصي إخواني المعتمرين ببعض الوصايا، لعل الله عز وجل أن ينفع بها. فأول هذه النصائح: أن من لم يستطع أن ينفق النفقة التي يحتاجها في عمرته، فلا يجوز له أن يستدين إن لم يستطع الوفاء، ولا يجوز له أن يكلف نفسه، لأن العمرة من باب المستحب، وليس من باب الواجب، حتى يكلف المسلم نفسه ما لا يطيق. ومن ذلك: أن يستطيع أن يتزود في عمرته بما يحتاجه من مأكل أو من مشرب أو من مسكن، فقد جاء في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، أنها نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ويقولون: نحن المتوكلون، ولا يتزودون، فإذا قدموا إلى مكة سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فلا تكن عالة على غيرك أخي المسلم، ولا تذل نفسك بالسؤال، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ومن هذه النصائح أيضًا فيمن وفقه للذهاب إلى تلك الأماكن: أن يستغل وقته، وأن يعلم أن كل ثانية من ثواني تلك الأماكن جوهرة عظيمة ثمينة، لا ينبغي أن يفرط فيها أو أن يفقدها، بل يحرص على أن يستغل وقته بما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. فاحذر من أن تضيع وقتك بالذهاب إلى الأسواق، أو بالمكوث في الغرف والفنادق، فتحرم نفسك أجر الصلاة في الحرم، وأجر العبادة في تلك الأماكن الفاضلة. أيها المسلمون، عباد الله، ينبغي للمعتمر في تلك الأماكن أن يكون أكثر وقته في المسجد لعبادة الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، من تلك النصائح والتوجيهات: أن تحذر أخي المعتمر من مواضع الازدحام، ومن مواضع الاختلاط بالنساء، فاحرص أن تتحين الأوقات المناسبة للطواف، أو للذهاب إلى المسجد، والمكوث فيه، فتعلمون ما يكون في شهر رمضان من شدة الزحام، ومن كثرة المعتمرين، وكذلك العاكفين والمصلين في بيت الله الحرام، فكن على حذر من أن يضيع عليك الوقت في الازدحام، أو في البحث عن المكان، أو نحو ذلك. وهكذا عباد الله، من تلك النصائح التي يحتاجها المعتمر: أن لا يكون همه الطعام والشراب، فإن هذا الأمر لا يحتاج إليه المعتمر إلا بقدر الحاجة، فكن همك يا أيها المعتمر أن تحافظ على الصلوات الخمس في جماعة، وأن لا يشغلك الطعام والشراب عن عدم المحافظة على الصلاة، أو التأخر عنها، أو نحو ذلك. نسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لما فيه الخير والتوفيق لنا أجمعين. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وفي هذه الأيام أيضًا يتهيأ كثير من طلاب العلم، من الحفاظ والدعاة إلى الله عز وجل، للذهاب للصلاة بالناس والإمامة والتعليم، وهذا والله شرف عظيم، وهو باب من أبواب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لا سيما في هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان، حين تتهيأ النفوس لسماع القرآن، ولسماع العلم والمواعظ والدروس، فينبغي لطالب العلم أن يستشعر هذه الوظيفة العظيمة التي خصه الله سبحانه وتعالى بها، فإذا أم الناس فليستشعر أنه يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بقراءته وترتيله في هذه الصلوات، فكم من قلب عاصٍ قد تاب ورجع عندما يسمع هذا القرآن، وكم من قلب قاسٍ قد لان وخشع، وكم من شخص قد بكى ودمع عندما يسمع كلام الله سبحانه وتعالى، وهي سنة نبوية: سماع القرآن من الغير ممن أعطي حسنًا في تلاوته وفي ترتيله، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لعبد الله بن مسعود: «اقرأ عليّ»، فيقول له ابن مسعود: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إني أحب أن أسمعه من غيري، إني أحب أن أسمعه من غيري». ونحن كذلك والله نحب أن نسمع القرآن من غيرنا، فقرأ عبد الله بن مسعود من سورة النساء حتى إذا بلغ قول الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حسبك»، قال ابن مسعود: فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عيناه تذرفان من الدمع، عليه الصلاة والسلام. وهكذا جاء عند أبي داود وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أبا موسى الأشعري في ليلة كان يقرأ القرآن، فمشى إليه النبي صلى الله عليه وسلم يستمع، فلما أصبح قيل لعبد الله بن مسعود: لقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءتك، فذهب أبو موسى الأشعري إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لو كنت أعلم أنك تسمع لقراءتي لحبرتها لك تحبيرًا، ولشوقتها لك تشويقًا. ومعنى «حبرتها لك تحبيرًا» أي حسنتها لك تحسينًا، وليس معنى ذلك أن أبا موسى الأشعري يريد أن يرائي بقراءته، وإنما يريد أن يكون القرآن أكثر تأثيرًا وأكثر انتفاع المستمع به. هكذا قال شراح هذا الحديث، واستدل العلماء بهذا الحديث، أو استخرج العلماء من هذا الحديث ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، الفائدة الثانية: استحباب الاستماع إلى القرآن ممن يحبره وممن يتلوه بصوت حسن، الفائدة الثالثة: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا». ذكرت ذلك إخواني في الله لنستشعر عظم هذه الوظيفة التي خصنا ربنا عز وجل بها معاشر القرآن، ولنعلم أننا في باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فالقرآن يؤثر على مستمعيه، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ولقد كان من أسباب إسلام جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه سماعه القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح البخاري من حديث ابنه محمد بن جبير بن مطعم، أن جبير بن مطعم جاء يوم بعد غزوة بدر في السنة الثانية من أجل الأسرى، وكان كافرًا، فجاء إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، قال جبير بن مطعم: كاد قلبي أن يطير، فوقع الإسلام في قلبه، فكان هذا الأمر سببًا في إسلامه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفي ختام هذا المقام، أنصح إخواني القراء ممن يخرجون دعوة إلى الله، أو ممن يخرجون لأئمة لإمامة الناس في داخل البلد أو في خارجها، ببعض الوصايا: الوصية الأولى: أوصيهم بالإخلاص لله عز وجل، وليعلموا أن هذا الباب هو من أظهر وأشهر الأبواب التي ربما يدخل منها العبد في الرياء، أو في السمعة، أو نحو ذلك، فأخلص النية لله عز وجل، ولا ترجو من الخلق ثناءً ولا مدحًا، ولا شيئًا من أغراض هذه الدنيا. ومن الإخلاص، أخي الداعية إلى الله عز وجل، أن لا ترجو بهذه الإمامة مالًا ولا حطامًا من حطام هذه الدنيا، ولا تشترط عند إمامتك على أهل المسجد مبلغًا معينًا، فإن أكرموك وأعطوك دون سؤال، ودون استشراف، ودون اشتراط، فخذ ذلك ولا حرج، وليكن همك أخي طالب العلم من إمامتك انتفاع الناس بذلك، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تبالي بالدنيا أقبلت أم أدبرت. ومن تلك الوصايا التي أوصي بها إخواني القراء: أن يهتموا كذلك بالدعوة إلى الله عز وجل في إمامتهم للمسجد، بأن يكون لهم درس بعد الصلوات يذكرون الناس ويعظونهم ويرشدونهم، ولو دقائق معدودة، فإن النفوس في رمضان تكون مهيأة وتكون مفرغة للطاعة والعبادة. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.