أسباب عدم قبول الحق

أسباب عدم قبول الحق

الخطبة بعنوان أسباب عدم قبول الحق، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 8 شعبان 1446هـ الموافق 7 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

وضوح الحق ومانع الكبر

بيّن الخطيب أن الحق واضح والباطل زاهق مستدلاً بالقرآن والسنة، ثم أوضح أن الكبر هو الداء العضال الذي يمنع قبول الحق معرفاً إياه ببطر الحق وغمط الناس مستشهداً بحديث ابن مسعود.

ثلاثة موانع لقبول الحق: الكبر والحسد والتقليد

استعرض المقطع ثلاثة أسباب رئيسية لرد الحق: الكبر الذي أورث إبليس العصيان، والحسد الذي حال بين اليهود والإيمان، واتباع الآباء على الباطل كما فعل أبو طالب فمات على الكفر تقليداً لأجداده.

أسباب الصد عن الحق: التقليد والمصالح والتعصب

عدد الخطيب أسباب رفض الحق كالتقليد الأعمى للآباء، والحرص على السيادة والمصالح الدنيوية، والتعصب القبلي والحزبي، مستشهداً بقصص أبي طالب وأبي جهل وهرقل محذراً من بيع الدين بعرض دنيء.

تقديم الكتاب والسنة على الآراء والأشخاص

أكد المقطع وجوب عدم تقديم أي رأي أو شخص أو حزب أو قبيلة على القرآن والسنة، واختتم بدعاء الله بالعزة للإسلام والمسلمين وتفريج الهموم ورخص الأسعار.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن من سمات الرشد في الرجل أن يقبل الحق وأن يذعن له وأن يعمل به. فمن رحمة الله عز وجل بنا عباد الله أن جعل الحق ظاهرًا بينًا، وجعل الباطل مضمحلاً زهوقًا. من رحمة الله عز وجل بنا عباد الله أن جعل للحق الظهور والغلبة، وجعل للباطل الضعف والزوال. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. الزبد عباد الله هو ما يعلو الماء من الرغوة بسبب غليانه أو بسبب سرعة حركته، فهذا الزبد سرعان ما يتلاشى وسرعان ما يذهب ولا ينتفع به، وأما الماء فإنه يستقر وينتفع منه الناس في شربهم وفي زرعهم وفي مواشيهم. وهكذا شبه الله عز وجل الحق بهذا الماء الذي ينتفع منه الناس والذي يستقر في الأرض، وشبه الباطل بتلكم الرغوة التي لا ينتفع بها وسرعان ما تتلاشى وسرعان ما تضمحل. وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله». ومن كلام الحكماء والأدباء قولهم: الحق أبلج والباطل لجلج، أي أن الحق واضح مشرق، وأما الباطل فهو غامض مظلم. أيها المسلمون عباد الله، قد يتساءل متسائل ويقول: مع وضوح الحق وبيانه إلا أننا نرى من بعض الناس من هو مصر على الباطل، مصر على مخالفة الحق وعدم العمل به. التوحيد يا عباد الله أمره واضح وبين، ودلائله قوية في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فنرى من المسلمين من هو مصر على الإشراك بالله عز وجل، على دعاء غير الله، على الاستغاثة بغير الله، على الذبح لغير الله، على النذر لغير الله، على الزيارات الشركية والبدعية والإصرار على ذلك. وهكذا مع وضوح السنة وبيانها نرى من بعض المسلمين من هو مصر على الإحداث ومصر على البدع والخرافات. وهكذا مع وضوح المنهج والسلوك الذي رسمه لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نرى من المسلمين من انحرف في هذا الباب وأنشأ الجماعات الحزبية والفرق الطائفية التي خالفت هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا مع وضوح ما جاء به الإسلام من الأخلاق الفاضلة والآداب السامية إلا أننا نرى من المسلمين من يخالف هذه الأخلاق، فتجد فيه الكذب والغش وأكل الأموال بغير حق والظلم ونحو ذلك. إذن ما هي الأسباب في وقوع بعض الناس في هذه الأباطيل مع وضوح الحق وبيانه؟ اعلم أخي المسلم أن لعدم قبول الحق أسبابًا نذكر بعضها. فمن هذه الأسباب عباد الله التي تمنع بعض الناس من قبول الحق ومن الأخذ به: الكبر، هذا الداء العضال، هذا الداء المخيف الذي كان سببًا في رد كثير من الناس للحق. جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا وأن يكون نعله حسنًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق: أي رد الحق. لماذا يرد الحق؟ لأنه يرى نفسه أفضل من ذاك الذي وفقه الله للحق، فيقول في نفسه: هذا سيقول الناس لو اتبعت هذا الذي هو أقل مني علمًا أو أقل مني جاهًا أو أقل مني وجاهة أو أقل مني رئاسة أو أقل مني نسبًا. وهذا الذي أوقع إبليس اللعين في عصيان رب العالمين، لما أمره بالسجود لأبينا آدم فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: أصول الخطايا ثلاث: الكبر والحرص والحسد. فالكبر هو الذي جعل إبليس يفسق عن أمر الله، والحرص هو الذي أخرج أبانا آدم من الجنة، والحسد هو الذي جعل ابني آدم أن يقتل أخاه. انظروا يا عباد الله أصول الخطايا ومنها رد الحق: الكبر والعياذ بالله، الكبر والعياذ بالله. ولذلك نفى الله عز وجل الكبر عن من أذعنوا للحق من رهبان النصارى، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. فاحذر يا عبد الله من الكبر، وخذ الحق ممن جاء به، ولو كان من عدوك، ولو كان ممن هو أقل منك. وأما السبب الثاني من أسباب عدم قبول الحق والإذعان له: الحسد والعياذ بالله. الحسد الذي كان سببًا في منع اليهود من الإيمان بنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. من بعد ما تبين لهم الحق. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. كانوا يقولون للكفار: نحن سنغلبكم، نحن سنعلو عليكم، سيأتي نبي ويكون منا. فلما جاء النبي من غيرهم، لما جاء النبي من العرب، حسدوهم على هذه النبوة مع أنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. ولكن الحسد حملهم على رد الحق الواضح البين الذي علموه في كتبهم. وهكذا عباد الله، من أسباب عدم قبول الحق: اتباع الآباء والأجداد فيما هم عليه من الباطل، وهذه هي حجة المعارضين. قال الرسل: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. تأتي عند أحدهم: يا أخي هذه بدعة، هذا شرك، هذا باطل، يقول لك: قد كان أجدادنا يفعلون ذلك، قد كان آباؤنا يفعلون ذلك، أأنت أعلم منهم؟ يا أخي الكتاب يقول كذا والسنة تقول كذا، لقد أخطأ آباؤك وأجدادك، وهو مصر على ذلكم الاتباع دون نظر، أيوافق الحق أم يخالفه؟ إنه أمر عظيم يا عباد الله. لربما يجعل المرء يموت على الكفر والشرك والعياذ بالله. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وكان عنده رفقا السوء: عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أتترك ملة عبد المطلب؟ ما هي ملة عبد المطلب؟ إنها ملة الكفر والشرك والعياذ بالله. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس ولم يفتر، كرر عليه: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». فيقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وهكذا في الثالثة حتى قال: هو على ملة عبد المطلب. فمات على الكفر والشرك بهذه الحجة والعياذ بالله، مع أنه يعرف الحق ودافع عن نبينا عليه الصلاة والسلام حمية، وهو القائل: ولقد علمت بأن دين محمدٍ ** من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبةٍ ** لوجدتني سمحًا بذاك مبينا ومع هذا أبى أن يقول هذه الكلمة تمسكًا بما كان عليه الآباء والأجداد. فاحذروا يا عباد الله من هذه الحجة الواهية، وتمسكوا بالحق المبين. وفقني الله وإياكم إلى الصراط المستقيم. أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، ومن أسباب عدم قبول الحق: الحرص على الوجاهة والسيادة والرئاسة، والدنيا أزا إلى الفانية. فإن الناظر يا عباد الله في حال أهل الشرك ليرى أنهم في مصالح عظيمة من مصالح هذه الدنيا، فيخشون إن تركوا ذلكم الباطل أن ينسحب البساط من تحت أرجلهم، وأن يكونوا أذيالاً في الحق بعدما كانوا رؤوسًا في الباطل. يخشى أحدهم أن تذهب الأموال التي يجمعها من هذا الطريق الذي هو عليه، يخشى أن ينقطع عنه راتبه أو ينقطع عنه كذلك جاهه وسلطانه. جاء في السيرة أن المسور بن مخرمة جاء إلى أبي جهل، وكان مخرمة ابن أخت أبي جهل، فقال له: يا خال، هل كنتم تتهمون محمدًا صلى الله عليه وسلم بالكذب قبل أن يأتي بما قال أو قبل أن يقول ما قال؟ فقال له: يا ابن أختي، كان محمد صلى الله عليه وسلم فتى، نقول له بالأمين، أو نلقبه بالأمين، نلقبه بالأمين، ولم نعهد عليه كذبًا قط. فقال له المخرمة - أو مخرمة -: فلماذا لا تتبعونه إذا كان لا يكذب؟ فقال له: يا ابن خالتي، يا ابن خالتي، لقد تنازعنا مع بني هاشم على الشرف، هنا الخلل. لقد تنازعنا مع بني هاشم على الشرف: أطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، ثم قالوا: جاء نبي منا، أو نعم. ثم قال: فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: بُعث منا نبي، فمتى ندرك هذا الأمر؟ متى ندرك الشرف إذا كان النبي منهم؟ هذا الذي صدهم عن اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون صدقه ويعلمون أمانته. وهكذا هرقل كما في الصحيحين، لما سمع من أوصاف نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، كأنه أراد أن يسلم، فجمع عظماء الروم في مكان وأغلق عليهم الأبواب دون أن يعلموا، ثم قال لهم: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم؟ اتبعوا هذا النبي الذي بعث في العرب. قال الراوي: فحاصوا حيصة الحمر، وأرادوا أن يخرجوا فوجدوا الأبواب مغلقة. ثم قال هرقل: علي بالقوم، فجاء القوم، فقال لهم: إنما قلت مقالة آنفًا لأختبر شدتكم في دينكم، وقد رأيت ما يسرني. فسجدوا له ورضوا عنه. انظروا يا عباد الله، لما خاف على عرشه، خاف على ملكه، لما رأى من نفور أتباعه، بقي على دينه والعياذ بالله. وهكذا عباد الله، من أسباب عدم قبول الحق: الطمع في الدنيا والخوف على ذهاب مصالحها. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «بادلوا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». يغتر بما يعطى من حثالة هذه الدنيا وهو يعلم الحق، فيخشى أن تنقطع عليه هذه النفقة أو ذلك المال أو هذه الثروة أو نحو ذلك، فيرضى لنفسه بالدون والعياذ بالله. فالحذر الحذر يا عبد الله من أن يكون الحق هينًا عليك، بل تمسك به وعظم الحق، فإن الله سبحانه وتعالى قد عظمه، فقال: ﴿فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾. وقد أثنى الله عز وجل على أهل العلم بقبولهم للحق والإخبات له: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وهكذا أخيرًا من أسباب عدم قبول الحق: التعصب والتحزب لعالم أو لقبيلة أو لجماعة أو لطائفة من الطوائف، فينتصر لها ولو بالباطل، ويعادي من عاداها ويوالي من والاها على حق أو على باطل. فحال هؤلاء كما قال دريد: وما أنا إلا من غزية ** إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد فاتق الله يا عبد الله، واتبع كتاب ربك وسنة نبيك، فهو الحق الذي أنزله الله على نبيه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. لا تقدموا رأيًا ولا شخصًا ولا حزبًا ولا جماعة ولا قبيلة، إنما قدموا ما جاء في كتاب ربكم وفي سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم حسن حالنا إلى أحسن حال. اللهم رخص أسعارنا. اللهم فرج همومنا. اللهم اجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا، يا أرحم الراحمين. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.