الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح تطور خلق الإنسان في الرحم وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقيا أو سعيدا بعد مئة وعشرين يوما. خلق الإنسان مقدر من الله ولا يمكن تغييره.
يشرح مراحل خلق الإنسان كما ورد في الحديث النبوي وتفسير العلماء لمراحل نمو الجنين وتوقيت نفخ الروح. نفخ الروح يكون بعد الأربعين الثالثة.
يُبين أهمية حسن الخلق في نيل الأجر والثواب وأهمية اقترانه بالفقه والعلم. حسن الخلق يمكن أن يبلغ بالإنسان درجة عالية عند الله.
العلم والفقه في الدين يساعدان على تحسين الأخلاق ومعرفة ما يجب أن يكون عليه الإنسان. بالعلم يصبح الإنسان ذا خلق حسن كما أراد الله ورسوله.
بسم الله الرحمن الرحيم قال مول بخير رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الله بن ربيعة قال: كنا جلوسا عند عبد الله فذكروا رجلا فذكروا من خلقه، فقال عبد الله: رأيتم لقطعتم رأسه، أكنتم تستطيعون أن تعيدوه؟ قالوا: لا، قال: فيده، قالوا: لا، قال: فرجله، قالوا: لا، قال: فإنكم لا تستطيعون أن تغيروا خلقه، حتى تغيروا خلقه، إن النطفة لتستقر في الرحم أربعين ليلة، ثم تنحدر دما، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم يبعث الله ملكا فيكتب رزقه وخلقه وشقيا أو سعيدا. وهذا الأثر مر معنى أنه حسن الإسناد موقوفا، وأن قوله: «وإن النطفة لتستقر إلى آخره» في حكم المرفوع، وقد ثبت مرفوعا كما في الصحيحين. وقد وقفنا عند قوله: «إن النطفة تستقر في الرحم أربعين ليلة، ثم تنحدر دما، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم يبعث الله ملكا فيكتب رزقه وخلقه وشقيا أو سعيدا»، في هذا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام في تطور خلق الإنسان، وذلك بأن النطفة إذا وقعت في الرحم تبقى أربعين ليلة نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم بعد ذلك يبعث الله جل وعلا الملك فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيا أو سعيدا، وهكذا أيضا ينفخ فيه الروح. وقول هنا: «فيكتب رزقه وخلقه»، هذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث، وهو أن خلق الإنسان كذلك مما يكتب عليه أو له وهو في بطن أمه. وجاءت هذه اللفظة كذلك في صحيح الإمام مسلم في حديث حذيفة بن اليمان، قال: في ذكر الحديث: «يقول الملك: ما خلقه؟»، فدل ذلك على أن خلق الإنسان كذلك مقدر من عند الله سبحانه وتعالى، إذن فلا يستطيع أحد أن يغيره، لا يستطيع أحد أن يغيره وأن يبدل خلق غيره. لكن كما ذكرنا أن الإنسان يسعى في تحسين خلقه، وكذلك أيضا يحرص على أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة وإخلاقه كريمة، ويجاهد نفسه في ذلك، والله جل وعلا يوفقه بإذن الله. وفي هذا الحديث أن بعث الملك يكون بعد الأربعين الثالثة، أي بعد مئة وعشرين يوما. وجاء في بعض الأحاديث أن بعث الملك يكون بعد الأربعين الأولى، وهي في الصحيح. وجمع بعض أهل العلم، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله في شرحه لمسلم، أن ذكر مجيء الملك بعد الأربعين الأولى في قوله: «ثم يرسل إليه الملك فيكتب»، قال: هو معطوف على قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه»، قال: فيكون ذكر ما قبل ذلك يعني في قوله في الحديث: «ثم يرسل الملك فيكتب»، فما قبل ذلك تكون جملة عارضة، يعني في ذكر النطفة أربعين يوما نطفة، ثم مثله علقة، ثم مثله مضغة، ثم يرسل إليه الملك، فما بين قوله: «في بطن أمه» وبين قوله: «ثم يرسل إليه الملك» تكون جملة معترضة، تكون جملة معترضة. وقال: هذا شيء معروف في اللغة، وعليه أدلة من الكتاب والسنة، وهذا شيء معروف، مثل مثلا ما تقول: «محمد - والله - كريم»، «محمد» مبتدأ و«كريم» خبر، وقوله: «والله» هذه جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وهكذا يريد في مثل هذا الموضع أن هذه الكلمات تكون معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، فليكون حينئذ إشكال. وكذلك ذكر كذلك بعض العلم أن إرسال الملك وأن بعث الملك يكون بعد الأربعين الأولى هو من تصرف الملك الذي أمره الله سبحانه وتعالى بذلك، وفهم وكل بالرحم وله معه أحوال وتعلقات، ومن ذلك بعثه بعد الأربعين الأولى. لكن كما ذكر الإمام النووي رحمه الله: اتفق أهل العلم على أن النفخ لا يكون إلا بعد الأربعين الثالثة، نفخ الروح لا يكون في المولود والجنين إلا بعد الأربعين الثالثة، هذا باتفاق، وهو بهذا يجمع بين هذه الأحاديث، فلا يكون بينها تعارض. والشاهد من هذا الحديث كما ذكرنا هو قوله: «وخلقه»، فإن خلق الإنسان مقدر قد قدره الله سبحانه وتعالى. والشاهد منه كذلك في ذكري في باب الشح واضح، وأن الشح كذلك قد يكون مما قدره الله سبحانه وتعالى على الإنسان، وأن هذا من خلقه. ومع ذلك كما ذكرنا فإنه يسعى في إصلاح نفسه في تحسين خلقه بما يستطيع من الدعاء ومجاهدة النفس وتكليفها للحسن الخلق الحسن حتى يصبح عليه سهلا. قال رحمه الله: باب حسن الخلق إذا فقه. قال: حدثنا علي بن عبد الله ومن المديني قال: حدثنا الفضيل بن سليمان النميري عن صالح بن خوات بن جبير عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل لا يدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن صاحب الخلق الحسن ربما أدرك من الأجر والثواب ما يدركه غيره من ذوي الأعمال الصالحة. «إن الرجل لا يدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل»، ومعلوم فضل قيام الليل وعظيم أجره وثوابه، ومع ذلك يدرك الإنسان بحسن خلقه درجة القائم بالليل، وهذا دل على عظيم حسن الخلق وأنه له شأن عند الله سبحانه وتعالى. وكما ذكرنا قبل أن حسن الخلق يمثل الدين كما قال القعقاع رحمه الله: «الدين كله خلق، فمن زاد عليك فيه فقد زاد عليك في الدين». وكلما تخلق الإنسان بالخلق الحسن كان ذلك أعظم له في الثواب والأجر، لكن كما سيأتي إذا كان مع الفقه والعلم. «إن الرجل لا يدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل»، وهذا دلنا أن الإنسان ربما أدرك من كان أحسن منه في العمل مع قلة عمله إذا صدق وأخلص النية. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم، حبسهم العذر، هم في بيوتهم وينالون أجر المجاهدين في سبيل الله عز وجل»، ما الذي جعلهم ينالون ذلك؟ هو الصدق والإخلاص. وهكذا كذلك إخبار النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أن الرجل إذا مرض أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما، وهذا بالصدق والإخلاص. تكون لك أعمال تعملها في حال الإقامة والصحة، ثم يحول بينك وبين فعلها السفر أو المرض، فيكتب لك الأجر كاملا، يكتب لك الأجر كاملا وأنت في مجلسك بسبب الصدق والإخلاص. فهكذا يدرك الإنسان بصدقه وإخلاصه في عمله درجة من هو أعظم منه عملا، ومع ذلك لا يظلم الله سبحانه وتعالى أحدا شيئا. قال: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «خيركم إسلاما أحاسنكم أخلاقا إذا فقه». وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن خير الناس إسلاما أحاسنهم أخلاقا إذا فقه، أي إذا فهموا وتعلموا أحكام الشريعة، فهم أحسن الناس، فليس مجرد حسن الخلق أعظم كما أن يكون معه العلم والفقه. فربما يكون الإنسان ذو خلق حسن في تصرفاته وفي أقواله وفعاله، ولكنه جاهل بدين الله سبحانه وتعالى، فربما يقع في المعاصي ويرتكب البدع، وربما هو أعظم من ذلك من الشرك بالله سبحانه وتعالى، فما ينفعه حسن خلقه. فخير الناس إسلاما أحسنهم أخلاقا مع الفقه مع الفقه والعلم بدين الله سبحانه وتعالى. ولا تستطيع أصلا أن تكون ذا خلق حسن بغير علم، فالعلم والفقه في الدين يكون عونا لك على تحسين خلقك، وأن تعرف ما هي الأخلاق الحسن وما الذي يجب عليه أن تكون في أقوالك وأفعالك وفي ظاهرك وسرك، وهكذا في جميع شؤون حياتك، بالعلم والفقه تصبح بإذن الله ذا خلق حسن على ما أراد الله سبحانه وتعالى وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم. طيب نقف هنا ونكمل في درس آخر، والله تعالى أعلم.