الخطبة بعنوان الحكمة وأثرها في إصلاح الأمة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 ربيع الأول 1448هـ الموافق 4 سبتمبر 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناولت الخطبة فضيلة الحكمة كهبة إلهية ووضع الشيء في موضعه لغايات حميدة، مؤكدة أن الحكمة الحقيقية لا تتحقق إلا مع سلامة العقيدة والإيمان بالله واليوم الآخر، وأن الكافرين يُوصفون بالسفهاء والسفيه لا يكون حكيماً، داعية إلى شكر الله على نعمة الحكمة والتمسك بالعقيدة الصحيحة.
بيّن المقطع أن الحكمة مستمدة من النبوة والقرآن والسنة، وأن التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم واجتناب البدع شرط لنيلها، كما ربطها بالتقوى والطاعة والخبرة العملية التي تكسبها التجارب والأيام.
أكد المقطع أن الحكمة ليست مجرد تدبير المصلحة الشخصية بل تمتد لإصلاح المجتمع، مستدلاً بالآية والأحاديث على وجوب التحلي بها لكل مسؤول، واصفاً صفات الحكيم من تقديم المصلحة العامة والكلام أو الصمت بحسب المصلحة، وكونه صمام أمان ضد الفتن، مختتماً بدعاء لنيل الحكمة وصلاح الدين والدنيا.
اختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه حفظ الحواس والقوى، وجعل الثأر على الظالمين، وعدم جعل الدنيا أكبر الهموم، ثم صلى على النبي محمد ووجه الحضور للقيام إلى الصلاة داعياً للاشتراك في القناة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من الصفات العظيمة، ومن السمات الجليلة، التي ينبغي أن يحرص كل مسلم عليها، وأن يتحلى بها، وأن يكون من أهلها، لكي ينعم بخيرها وفضلها، أن يتصف بصفة الحكمة. هذه الصفة التي بها يكون صاحبها عاقلًا رزينًا راشدًا مسددًا في أقواله، موفقًا في أعماله، صائبًا في أحكامه. وقد عرفت الحكمة بأنها وضع الشيء في مواضعه لغايات حميدة. ولعظيم أثر الحكمة على المجتمعات والأفراد، فإن الله جل وعلا قد امتن بها على العباد، قال سبحانه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ومن هنا وجب على من وجد من نفسه أن الله جل وعلا أعطاه حكمة في رأيه، والبصيرة في حكمه، والسداد والرشاد في حاله، أن يقبل على ربه بالحمد والشكر، أن خصه بهذه النعمة. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. واعلموا عباد الله أن الحكمة قد تكون هبة من الله جل وعلا، يهبها لمن يشاء من عباده فضلًا وتفضلًا، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾. ولربما كانت الحكمة تكتسب من خلال صفات ومواصفات يتحلى بها إنسان ما. وإن من أعظم ما تطلبه صفة الحكمة، أن يكون الإنسان سليم العقيدة والمعتقد، مؤمنًا بالله وباليوم الآخر، مستيقنًا بوعد الله ووعيده، مقبلًا على ربه وخالقه بقلبه وقالبه. لأن صفاء العقيدة هو إدراك فوق إدراك العقل، ونور فوق نور الفطرة، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. فالمسلم حي بعقيدته، يزداد نوره، يزداد إدراكه، كلما صفت ونقت عقيدته. لذا من فسدت عقيدته كالكفار والمشركين والزنادقة والمرتدين والملاحدة والمنافقين، وكل عدو لهذا الدين، فليس لهم من الحكمة نصيب. فلو كانوا حكماء لما كفروا برب الأرض والسماء. بل إن الله جل وعلا وصف جميع الكفار بأنهم سفهاء، كما قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. فالكافر سفيه، والسفيه لا يكون حكيمًا أبدًا. وأيضًا من أعظم ما تطلبه صفة الحكمة، أن يكون الإنسان معظِّمًا لمقام النبوة، مؤمنًا به، مصدقًا له، متبعًا لشريعته عليه الصلاة والسلام. فإن الله جل وعلا قد جمع منابع الحكمة في صدره، صلوات ربي وسلامه عليه. ففي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «بَيْنَا أَنَا فِي الْبَيْتِ نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ فَشَقَّ صَدْرِي فَغَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مَمْلُوءٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَغَسَلَ بِهِ صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ». فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو رأس الحكماء، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فرسول الله صلى الله عليه وسلم في غاية من الحكمة، ويعلم ذلك من حياته ومن سيرته. ومن هنا، من تمسك به واستمسك بأثره فله حظ من حكمته. قال الإمام لكثير رحمه الله تعالى: «وَلِأَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ حَظٌّ مِنْ خَيْرِيَّةِ الْحِكْمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ». وبهذا نعلم أن أهل البدع والأهواء قد خرجوا من مقام الحكماء، لأن حقيقة تدينهم إنما هو التعصب المقيت، والهوى المستميت للبدعة التي يبذلون في سبيلها كل غالٍ ورخيص، فخرجوا من مقام الحكمة لعرضهم واعتراضهم على مقام السنة. قال الإمام فضيل رحمه الله: «مَنْ جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ حِكْمَةً، مَنْ جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الْحِكْمَةَ». وأيضًا مما تطلبه صفة الحكمة، أن يكون صاحبها على طاعة وعبادة، وعلى تقوى وخوف وإنابة. فهذا هو أس وأساس الحكمة. قال الإمام البغوي رحمه الله: «كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَهُوَ حِكْمَةٌ». وقال الإمام قتادة رحمه الله: «الْحِكْمَةُ كِتَابُ اللَّهِ وَاتِّبَاعُ مَا فِيهِ». وقال مجاهد: «الْحِكْمَةُ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ وَالْفَهْمُ». وبهذا نعلم أن الإنسان متى ما كان متقربًا إلى ربه بالطاعة والعبادة والإخبات، فإن الله جل وعلا يفتح له من الفتوحات، ويجعله من أهل الولايات الذين قال الله فيهم: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ»، فيكون مسددًا في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، وفي كل تصرفاته. وبهذا نعلم أن لأرباب الشهوات والملذات، وأصحاب النزوات والمقاصد الدنيات، أن ليس لهم من مقام الحكمة نصيب، وقد غشى قلوبهم تلكم الذنوب التي استكثروا منها، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. والحكمة هي نور الله، ونور الله لا يُعطى عاصيًا. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. مما مضى علمنا عباد الله ما ينبغي أن يتحلى به كل إنسان إذا أراد أن يتصف بالحكمة. وأيضًا مما ينبغي أن يعلم ويضاف على ما ذكر، أن أصحاب الحكمة هم أهل خبرة وتجربة، فهم قوم خاضوا التجارب والوقائع والأحداث، فهم ليسوا بأغمار صغار أحداث، بل هم قوم قدَّمت بهم الأعمار، وحنكتهم الأيام، وصبروا الأنام، وخبروا الأحوال والأزمان، فأصبحوا حكماء عقلاء، يستطيعون تدبير أنفسهم في تحصيل كل منفعة وخير، وإبعادها عن كل سوء وشر وضرر. ألا فاعلموا عباد الله أن الحكمة ليست خيرية تقتصر على تدبير مصلحة نفسه، وإنما يتعدى إلى تدبير مصلحة مجتمعه، وذلك متى ما أخذوا بكلامه، واسترشدوا بإرشاداته وأحكامه. ومن هنا وجب على كل من تولى مسؤولية كبرى أو صغرى، أو قاد زمام الأمة، سواء كان على مستوى الدولة، أو كان مسؤولًا على جماعة أو هيئة أو أسرة، أو كان في مقام الدين، أو كان في ميدان الدنيا، على الجميع أن يتحلى بقدر عظيم من الحكمة، أن يتحلى بقدر عظيم من الحكمة، حتى يصلح الله الأمور. قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ»، ومنها: «رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ، وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ». فالحكيم هو الذي يستطيع في تدبير مصلحة نفسه، وتدبير مصلحة مجتمعه. فهو يبدأ بالأهم فالأهم، يبدأ بالكليات قبل الانشغال بالجزئيات، يعتني بمصلحة أمته قبل أن يعتني بمصلحة شخصه، يقدم أمر دينه على أمر دنياه ونفسه. الحكيم هو الذي لا يدخل ولا يدخل غيره إلا في أمر له معرفة تامة بمنفعته وثمرته، لا بأمر لا يدري بعاقبته، فضلًا أن يدخل في أمر فيه هلاكه وهلاك من تحت يده. الحكيم هو الذي يعطي لكل موقف ما يناسبه، فهو يتكلم إن كان في الكلام مصلحة، ويسكت إن كان في الصمت منفعة، فهو يقدم أحيانًا، ويحجم أحيانًا. فليس العبرة عنده بالشهرة والظهور، أو أن تلاحظه العيون، لا، بل إن الأمر لو اقتضى أن يدفن نفسه في مصلحة أمته ووطنه لفعل، لفعل. الحكيم بحكمته يكون دائمًا وأبدًا صمام أمان من الفتن والمدلهمات والمحن. ما كان يومًا محرضًا على سفك الدماء، أو على حرب شعواء، أو على فتنة عمياء. الحكيم هو الذي يخاطب الناس على قدر عقولهم، وينزل الناس منازلهم، ويعطي لذوي الحقوق حقوقهم، والقائمة تطول وتطول. عباد الله، فعلينا رعاكم الله أن نربي أنفسنا، وأن نعتني بهذا الخلق العظيم، وأن نتصف بالحكمة في كل شؤون حياتنا، في أقوالنا وأفعالنا، وخاصة من تحمل منا المسؤوليات على غيرنا، فإن بها يكون صلاح ديننا ودنيانا. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين. اللهم عليك باليهود الغاصبين، والرافضة المغتصبين الحاقدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل الدائرة عليهم، واقذف الرعب في قلوبهم. اللهم كن لإخواننا المجاهدين في الجبهات، اللهم أيدهم بتأييدك، وأنزل عليهم مددًا من عندك، اللهم ثبت أقدامهم، وسدد رميهم، اللهم كن معهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احفظ بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رحمكم الله. اشتركوا في القناة.