عشر قواعد في تزكية النفس 7

الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية إغلاق منافذ المعاصي

يؤكد الشيخ على أهمية إغلاق منافذ المعاصي لتحقيق تزكية النفس، مستشهدا بحديث نبوي عن الصراط المستقيم. يشدد على سلوك هذا الصراط واجتناب المحرمات للنجاة والفلاح.

أثر الشهوات والشبهات على الانحراف

يشرح كيف تؤدي الشهوات والشبهات إلى انحراف الإنسان عن الصراط المستقيم، ويبرز أهمية غض البصر وحفظ الفرج. ينبه إلى أن إطلاق البصر يمكن أن يؤدي إلى الوقوع في المعاصي.

خطورة الفضول واستخدام الأجهزة الحديثة

ينبه إلى خطورة فضول الكلام والنظر واستخدام الأجهزة الحديثة في الوصول إلى المحرمات. يشدد على أهمية الحرص على سلامة الدين ومجاهدة النفس لسد أبواب الشرور.

سد أبواب الشر والانحراف

يشرح المقصود من سد أبواب الشر وأسباب الانحراف لتجنب إزاغة الشيطان والابتعاد عن الحق. يتضمن تجنب أسباب الرذائل والشهوات واللجوء إلى الله للسلامة من الفتن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر قواعد في تزكية النفوس»: قال القاعدة السادسة: «إغلاق المنافذ التي تخرج بالإنسان عن التزكية، وتبعده عن الفضيلة، وتوقعه في الرذيلة». قال حفظه الله: «فيحتاج العبد حاجة ماسة إلى إغلاق المنافذ التي تدنس نفسه وتدسيها، يعني الأسباب والطرق والوسائل التي توقع العبد في المعاصي والذنوب والانغماس في الشهوات المحرمة. فإذا أراد العبد أن يزكي نفسه، فلابد أن يغلق هذه المداخل، وأن يسد هذه الأبواب التي ينزلق بسببها في حياض الخطايا والذنوب، فتدنس هذه النفس، وكذلك تصاب بأنواع الذنوب والخطايا التي تكون سببا في دناءتها، وفي كذلك ضياعها وهلاكها». قال: «وقد ضرب لنا في السنة مثل يبين خطورة ولوج العبد فيما يضيع عليه دينه، ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيمة، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخات، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، أدخلوا الصراط جميعا، ولا تتفرقوا»، يعني لا تميلوا يمينا ولا شمالا. قال: «وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه»، يعني إذا فتحت هذا الباب، فإنك ستدخل في داخله، ويكون ذلك سببا في هلاكك وانحرافك عن الصراط المستقيم. قال: «والصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم». الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وهو حديث صحيح. فهذا مثل ضربه الله جل وعلا، وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: صراط مستقيم، وعلى جنبتي الصراط، يعني عن يمينه وشماله، السوران، وعلى كل سور أبواب مفتحة، وعلى هذه الأبواب ستور مرخاة. وعلى باب الصراط داع يدعو الناس، يقول: «يا أيها الناس، أدخلوا الصراط جميعا، ولا تتفرجوا»، أي لا تميلوا يمينا ولا شمالا. وداع يدعو من فوق الصراط. ثم فسر ذلك، وقبل ذلك قال: «فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه». هذا الصراط هو الإسلام، الصراط المستقيم هو الإسلام الذي أمرنا الله جل وعلا بالإيمان به وبإتباعه، وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. والسواران التي على جنبتي الصراط هي حدود الله، هي حدود الله، يعني الواجبات والفرائض التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على العباد، والتي يجب على المسلم إذا أراد أن يسير على هذا الصراط المستقيم أن يحفظ هذه الحدود، وأن لا يضيعها، يعني يحافظ على الفرائض والواجبات، ويؤديها كما أمر الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، المراد بها هنا الفرائض، الواجبات. قال: «والأبواب المفتحة محارم الله»، الأبواب التي على السوارين هي محارم الله، يعني الذنوب والسيئات والمحرمات التي حرمها الله جل وعلا، وهي المراد بقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، أي المحرمات. فالحدود الله تطلق ويراد بها الواجبات والفرائض، كما في الآية الأولى: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، وتطلق ويراد بها المحرمات، وهي المراد بقوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، أي لا تقتربوا منها، ولا تفعلوها. فهذه الأبواب المفتحة على هذين السوارين هي المحارم، هي المحارم، محارم الله التي إذا فتح الإنسان بابا منها فإنه يلجه، أن يدخل في الوقوع في المحارم، فينزلق وينحرف ويميل عن الصراط المستقيم الذي يجب عليه سلوكه. قال: «وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله»، كتاب الله الذي يعني يدعو العبد إلى أن يسلك الصراط المستقيم. فالله عز وجل أمرنا باتباع كتابه، وكذلك أيضا تحليل حلاله، وتحريم حرامه، وإقامة أحكامه. وبهذا يسلك العبد السبيل الذي ينجو به من الضلال والغواية، ويسلم من الزيغ والانحراف. «والداعي الآخر الذي يدعو فوق الصراط، فهو واعظ الله في قلب كل مسلم». فالله عز وجل بين للعبد سبل الهداية، فأمره باتباعها، وبين له سبل الغواية، فأمره باجتنابها. وهو القائل جل وعلا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾، أي سبيل الخير، وسبيل الشر. وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالعبد إذا سلك سبيل الهداية، سيسلكها بإرادته وبرغبته، وإذا سلك سبيل الغواية، فهو يسلكها بإرادته ورغبته. فإذا علم أن هذا السبيل هو السبيل الذي به نجاته وفوزه وفلاحه في الدنيا والآخرة، فينبغي عليه أن يسلكه. وإذا علم أن هذا السبيل إذا سلكه كان سببا في غوايته وضلاله وانحرافه وهلاكه وخسارته في الدنيا والآخرة، فعليه أن يجتنبه، وأن يبتعد عنه. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «ومن كان في الدنيا قد خرج عن الاستقامة على الصراط، ففتح أبواب المحارم التي في ستور الصراط يمنة ويسرة، ودخل إليها، سواء كانت المحارم من الشهوات أو من الشبهات». لأن أسباب الانحراف عن الصراط المستقيم إما أن تكون بسبب شهوة من شهوات الدنيا وملذات هذه الحياة الفانية، وإما أن تكون بسبب شبهة. فقد يزيغ الإنسان بسبب شهوة كشهوة الزنا، أو شهوة المال، أو شهوة كذلك الرئاسة، أو غير ذلك من الشهوات التي قد تكون سببا في انحرافه، فيترك الاستقامة، ويترك الصراط المستقيم بسبب ذلك. فكم من الناس من زاغ بسبب ذلك، بسبب اتباع شهوات نفسه وملذاتها. ومن الناس من قد ينحرف عن الصراط المستقيم بسبب شبهة، ربما كان بعيدا عن الشهوات المحرمة، لكن دخلت عليه الشبهة التي كانت سببا في انحرافه عن الصراط المستقيم. قد يقع في البدع والمحدثات، فيميل عن الصراط المستقيم، ويكون ذلك سبب انحرافه. ربما كانت الشبهة ما هو أعظم من ذلك، قد تكون بدعا مكفرة كبدع الجهمية، وغلاة الروافض، والصوفية، والباطنية، ونحوهم. قال: «أخذته الكلاليب التي على ذلك الصراط يمنة ويسرة، بحسب ما فتح في الدنيا من أبواب المحارم، ودخل إليها». يعني أنه إذا مال إلى تلك الأبواب التي في جنبتي الصراط، وعليها الستور المرخاة، وهي المحارم، فيكون له من الانحراف عن الصراط بقدر انخراطه في هذه الأبواب. فكلما زاد في الوقوع في المحارم، وفي ارتكاب المعاصي والذنوب، كلما كان ذلك أبعد له عن الصراط المستقيم. فكلما زاد من الذنوب والخطايا والسيئات، واتباع الشهوات أو الشبهات، كان ذلك أبعد له عن سلوك الصراط المستقيم. قال: «ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾». قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله: «قدم غض البصر على حفظ الفرج، لأن النظر بريد الزنا، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر». وهذا في كتابه رحمه الله «البحر المحيط في التفسير». يقول رحمه الله في هذه الآية في أمر الله عز وجل بغض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، فبدأ الله عز وجل أولا بالأمر بغض البصر، ثم ثنى بعد ذلك بالأمر بحفظ الفرج. قال: «قدم غض البصر على حفظ الفرج، لأن النظر بريد الزنا»، يعني السبب الذي قد يوقع العبد في الزنا هو النظر، هو النظر. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة. العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، وكذلك القدمان تزنيان، وزناهما الخطى، والأذنان تزنيان، وزناهما السمع»، إلى أن قال: «ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه». يعني أول ما يتسبب في وقوع الإنسان في الزنا هو النظر، لما ينظر يبدأ يفكر، ثم بعد ذلك يسعى إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء حصل بعد ذلك المحظور. كما قيل: «نظرة ففكرة فلقاء»، ثم بعد ذلك يقع ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه. وكما قال القائل: «كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر». فإذا أطلق الإنسان بصره كان ذلك سببا في ميله عن الصراط المستقيم. فهذه من المداخل التي تدخل على العبد، إنها تبعده عن الهدى والاستقامة. إذا أطلق بصره في النظر إلى النساء، أو إلى الأفلام والمسلسلات، والنظر للنساء الكاسيات العاريات، إلى آخر ذلك، سيتعلق قلبه، ويبقى قلبه مريضا. ربما يعشق أولئك النساء، أو صور النساء، ونحو ذلك. أو ربما كذلك أيضا ما يتعلق بالمردان، إذا لم يغض بصره عن النظر إليهم، فإن ذلك قد يكون سببا في وقوعه في فحشة اللواط. فلهذا أمر الله عز وجل بحفظ الأبصار أولا، ثم أمر بحفظ الفروج، لأنه إذا حفظ البصر حفظ الفرج، وإذا أطلق البصر فإنه في الغالب لا يسلم المرء من حفظ فرجه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾، يعني إذا غضوا أبصارهم، وحفظوا فروجهم، حصل لهم بذلك التزكية. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾، إذا أرادوا أن يزكوا أنفسهم، فيحرصوا على غض البصر، وعلى غض البصر، وحفظ الفرج. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، الله عز وجل يعلم ما يصنعه العبد، وما يفعله من إطلاق بصره، أو كذلك عدم حفظ فرجه. فالله عز وجل يعلم ذلك كله، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. قال: «وقال الشيخ السعدي رحمه الله: فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله بسبب ترك المحرم الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه». فمن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. ذكر هذا رحمه الله في تفسيره. فكما أن الإنسان إذا أطلق بصره أصابه بذلك المرض، مرض القلب، مرض الشهوات، وحبها، والسعي إلى تحصيلها، فيصير قلبه قلبا دنيسا خبيثا، بعيدا عن الخير. فإذا حرص على غض بصره، وإن كان سيجد في أول الأمر شيئا من الصعوبة، فهو يفعل ذلك لنيل رضى الله عز وجل، فيجاهد نفسه على أن يغض بصره، وأن يترك شهوة نفسه. فإذا فعل ذلك عوضه الله عز وجل خيرا مما ترك، بأنه يجد في قلبه الراحة والطمانينة والسعادة، فتزكو نفسه، وتطهر، وتطيب بسبب ذلك، فيحصل له الخير في الدنيا والآخرة. ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. الله عز وجل يعوضه في الدنيا بلذة الإيمان، ولذة الطاعة، ولذة العبادة، والشعور بالحياء السعيدة، وطمانينة القلب، وانشراح الصدر. ويعوضه في الآخرة بنعيم الجنة، بنعيم الجنة، وما فيها مما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. قال: «ولذا كان من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه من فضول الكلام، والنظر، وغير ذلك». قال ابن القيم رحمه الله: «وأكثر المعاصي إنما تولدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان». فإن جارحتيهما لا يملآن، ولا يسأمان. ذكر هذا رحمه الله في كتابه «بدائع الفوائد». فابن القيم رحمه الله يقول: أكثر المعاصي إنما تتولد وتحصل بسبب فضول الكلام، والنظر. فضول الكلام أن يتكلم بشيء لا حاجة إلى أن يتكلم به. فإذا أطلق العبد لسانه بالكلام من غير خطام ولا زمام، أو قوع أو قيد، ذلك في أنواع من الذنوب، الخطايا. ربما يكذب، ربما يسب أو يشتم، أو يلعن، أو يغتاب، أو ينم، أو غير ذلك من أنواع الذنوب، بسبب فضول الكلام. يتكلم من غير نظر إلى هذا الكلام، وعواقبه. هل هناك يعني فائدة؟ هل هناك نفع؟ هل هذا الكلام الذي سيتكلم به يقربه إلى الله، أو يبعده عن الله؟ هل سيثاب ويؤجر، أم أنه سيأثم ويؤزر؟ ولا يبالي بذلك. فبهذا بسبب ذلك أوقعه فضول الكلام في أنواع من المعاصي والذنوب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت». إما يتكلم بخير، وإما أن يسكت، ولا يتكلم. «قل خيرا تسلم، أو اسكت عن شر تغنم». هكذا ينبغي أن يكون العبد، إما يتكلم بخير، وإما أن يسكت. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صمت نجا». من سكت، وأمسك لسانه، كان ذلك سببا في نجاته. وإذا أطلق هذا اللسان كان سببا في هلاكه. أو في حديث معاذ عند الترمذي وغيره، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ أمسك عليك هذا». وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه. قال معاذ: «يا رسول الله، وإننا لمؤاخذون بما نتحدث به؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» يعني هل يدخل الناس النار إلا سبب الألسنة، وإطلاقها، والكلام بها، وعدم أخذ هذا اللسان. وكذلك النظر فيما يتكلم به، وهكذا أيضا فضول النظر. كذلك فضول النظر: النظر إلى الشيء الذي لا يحتاج أن ينظر إليه. فإطلاق البصر هو أيضا من أسباب وقوع الإنسان في أنواع من الذنوب والمعاصي والخطايا. فهما من أوسع مداخل الشيطان على الإنسان: فضول الكلام، وكذلك فضول النظر. قال: «فينبغي على العبد أن يكون عاقلا كيسا»، يعني فطنا. «فيسأل الله عز وجل الصبر والنجاة، وأن يقطع كل الطرق المؤدية لضياع نفسه وفجورها». يعني يدعو الله عز وجل كما مر معنا في القاعدة الثانية من هذه القواعد التي بها تزكو النفس: دعاء الله عز وجل. تدعو الله أن يزكي نفسك، تدعو الله عز وجل أن يوفقك للأعمال الصالحة، وأن يجنبك الأعمال السيئة، وأن يسد عليك أبواب الشر والسوء. قال: «فدين العبد رأس ماله، والتاجر حريص على سلامة رأس المال». يحرص على أن رأس ماله ما يخسره، لأنه إذا خسر رأس المال خسر تجارته. خسر تجارته. فالدين دين الإنسان هو رأس ماله الذي إن خسره خسر سعادته في الدنيا والآخرة. فلذا ينبغي أن يحرص على سلامة دينه. قال: «وفي ضياعه خسارة الدنيا والآخرة، لا سيما في زماننا الذي وقعت فيه الفتن على الناس كوقع المطر». يعني لكثرتها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرى الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر». قال: «وانفتحت فيه أبواب الشبهات والشهوات، مع هذه الأجهزة الحديثة، والمواقع المشبوهة، والبرامج المنحرفة، حتى ساقت كثيرا من الناس إلى الغواية، وصرفتهم عن الهداية». نسأل الله العافية. والأمر كما قال حفظه الله: «فإن هذه الأجهزة الحديثة، سواء كانت وسائل الإعلام المرئية كتلفزيونات، والدشوش، أو كذلك كانت الجوالات المحمولة، فقد سهل الوصول إلى المعاصي والذنوب عن طريقها». وسبيلها أصبحت تبث الشرور، وتبث الآثام، وكذلك تبث الرذائل، وأفلام الإباحة. فأصبح الإنسان إذا أراد أن يقف على شيء من الشر كان ذلك بكل سهولة. فأصبح الوقوع في أحياض الذنوب والمعاصي أمر يعني سهل وميسر. فلذا تشتد الفتنة حينئذ على العبد في مثل هذه الأزمان. فيحتاج العبد أن يجاهد نفسه على سد هذه الأبواب، سد هذه الأبواب التي توقع في الشرور، وتوقع في الأثام والمعاصي والذنوب. فلهذا يحرص المرء على أن يجاهد نفسه في ذلك. فإن اقتنى جوالا من جوالات اللمس الحديثة، ينبغي أن يعني يصون نفسه من أن يقع في شيء من حياض، وولوج أبواب المحرمات، وولوج أبواب المحرمات. وكذلك أيضا كذلك من تحت يده من أولاده وذريته، ينبغي كذلك الاعتناء بهذا الأمر، وعدم التساهل في ذلك. تجد بعض الآباء يمكن ولده أو ابنته من جوال اللمس، ثم كذلك أيضا تجد شبكة النت موجودة. ماذا تنتظر بعد ذلك؟ إذا لم يكن هذا الأمر أخذ به بالحزم والشدة، لا شك أن الشر سيكون أعظم، وانفتاح أبواب الشهوات، وأسباب الانحراف والزيغ ستكون ميسرة ومسهلة لديهم. فلذلك ينبغي أن ينظر في هذا الأمر بحزم. وكذلك أيضا أن يوخذ بعين الاعتبار، فلا يفتح الباب لنفسه، ولا لأولاده ينظرون إلى ما شاءوا، ويفتحون جوالات متى ما شاءوا، لا يبالي بذلك، ولا يراقبهم، ولا ينصحهم، ولا يوجههم. ولا كذلك أيضا يعني يفتح جوالات بين الحين والآخر لينظر هل وقعوا في شيء من ذلك؟ فيسد الباب، ويجعل الأمر يعني مفتوحا بغير قيود، فيكون ذلك سببا في زيغهم وانحرافهم. بل ينبغي أن لا يمكنوا أن لا يمكن الأبناء، وهم في سن يعني المراهقة، أو ما كان قرب البلوغ، بمثل هذه الجوالات، لأن ذلك قد يكون سببا في انحرافهم، وزيغهم عن الصراط المستقيم. إلا إذا كان بضوابط، وكذلك أيضا بقيود قد تكون سببا في عدم انخراطهم في أبواب الشهوات. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. فالمقصود من هذه القاعدة أن المسلم يسد أبواب الشر، وأسباب الزيغ والانحراف على نفسه، التي قد يدخل منها الشيطان فيزيغه عن الصراط المستقيم، ويبعده عن الحق والهدى، وكذلك يوقعه في أسباب الرذائل والشهوات. نسأل الله عز وجل أن يسلمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله تعالى أعلم.