الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد الشيخ عبد الرزاق البدر على أهمية اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الأقوال والأفعال والأحوال، واتباعه دليل على صدق محبة الله. كما يشدد على ضرورة اتباع سنته في تزكية النفس.
يحذر الشيخ من طرق أئمة الضلال وأهل البدع الذين يبتدعون طرقا لتزكية النفس تخالف هدي النبي، مثل الانقطاع عن الجماعات وترداد أذكار خاصة، ويؤكد أن هذه الطرق منكرة.
يجب على المسلم أن يجاهد نفسه في الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم وترك الابتداع، ويتأسى به في جميع أحواله وأموره، وترك البدع والمحدثات جزء من تزكية النفس.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر قواعد في تزكية النفوس»، القاعدة الرابعة: «اتخاذ الأسوة والقدوة». قال الله عز وجل: ﴿قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾. قال ابن كثير رحمه الله: «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله». ذكر هذا رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية. هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي، أي بالاتباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله، ما قاله عليه الصلاة والسلام وحثنا على فعله ورغبنا فيه، كالأذكار والأدعية الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام، أو كذلك أيضا ما أمرنا به من العبادات والطاعات، كالصلوات والنوافل ونحوها. وهكذا أيضا في أفعاله، ما فعله عليه الصلاة والسلام على جهة التعبد لله جل وعلا، فإننا نقتدي به ونتأسى به، إلا ما فعله على جهة الخصوصية، فهو خاص به. لكن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام هو أننا نتأسى به ونقتدي به. وهكذا في سائر أحواله، في سائر أحواله مما صح عنه عليه الصلاة والسلام، في أخلاقه، في تعامله، في بيعه وشرائه، وهكذا أيضا في سائر أبواب العلم والفقه وأحكام الدين. فهذه الآية أصل كبير في ذلك، في التأسي به عليه الصلاة والسلام. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، أسوة حسنة. من أراد أن يتأسى وأن يقتدي وأن يتبع، فيقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام ويتأسى به. وهكذا أيضا في باب العبادات، في باب العبادة، كيف يعبد الله عبادة صحيحة، يتأسى بالنبي عليه الصلاة والسلام. إذا أراد أن يتقرب إلى الله جل وعلا بطاعة وعبادة، فلابد أن يكون موافقا لهديه عليه الصلاة والسلام. وإلا لو أتى بعبادة من عنده، لكان مجانبا للحق والهدى، وبعيدا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو أكمل الهدي وأفضل الهدي وأحسنه. قال الحسن البصري رحمه الله: «قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: إن نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾». ذكر هذا الأثر الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره. قال قوم، يقول الحسن البصري رحمه الله، إمام أهل البصرة، العالم العابد، الزاهد. قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا نحب ربنا»، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. أي لا يتحقق لكم ذلك، لا يتحقق هذا المشروط إلا بوجود شرطه، وهو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. إن كنتم تحبون الله، أنتم تدعون وتزعمون أنكم تحبون الله، وكل واحد من الناس يقول: «أنا أحب الله». من الذي يقول: «أنا ما أحب الله»؟ إلا من كان ميتا، ميت القلب. كل محب للخير يقول: «أنا أحب الله». هذه الدعوة تحتاج إلى إثبات، وإلى دليل يدل على صدقها. ما هو دليل صدق محبة الله؟ هو اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، اقتدوا بي والتأسوا بي في عقيدتي، في عبادتي، في أخلاقي، في هدي، في سلوكي، في سائر أعمالي. لابد أن تكون متبعا للنبي عليه الصلاة والسلام إذا أردت أن يحبك الله. وكذلك أيضا زعمت أنك تحب الله جل وعلا، فإذا حصل ذلك، هنا يحببكم الله، تحصل لك محبة الله، ويغفر الله عز وجل لك، يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. أما تقول: «أنا أحب الله»، ثم في حالك وفي أفعالك وفي أقوالك، أنت في جانب، وأحكام الله جل وعلا في جانب آخر، والنبي صلى الله عليه وسلم في جانب، وأنت في جانب آخر، ثم تدعي محبة الله، هذا يدل على كذب دعواك، وأنك لم تصدق في دعواك أنك تحب الله جل وعلا. إذن دليل صدق محبة الله جل وعلا هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا أخبر الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. إذن هذا منطوق الآية، أن العبد لا ينال محبة الله إلا باتباع رسوله عليه الصلاة والسلام. مفهوم الآية، مفهوم المخالفة، أن من لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، بل خالف سنته وخالف هديه، فإنه لا يكون محبا لله، لا يكون محبا لله، وإن زعم ذلك وإن ادعى ذلك، فإن أفعاله وأقواله تدل على كذب هذه الدعوة إن لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به دليل على صدق محبة الله تعالى، لأن الاتباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والسير على منهاجه القويم هو عين التزكية». يعني من أراد أن يزكي نفسه، لا يستطيع، ولا يمكن أن يزكي هذه النفس بغير طريق وبغير سلوك هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا يحصل له تزكية نفسه إلا بالتأسي به عليه الصلاة والسلام. قال: «ولا يمكن الوصول إليها بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم»، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو أزكى الخلق، أزكى الخلق قلبا، وأزكى النفوس نفسا، فهو خير الأنبياء والرسل، وشريعته ودينه خير الأديان. نعم، وهو من أشد الناس خشية لله وعبادة لله. فكيف يتحصل العبد على تزكية نفسه وهو يسير على غير ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبغير ما جاء به عليه الصلاة والسلام؟ قال: «ويحدث أئمة الضلال في كل زمان طرقا منكرة يدعى فيها أنها تزكي النفوس وتهذب القلوب وتقوي الصلة بالله إلى غير ذلك مما يقال». يعني إما يزعمه أهل البدع والضلال أن هذه العبادات وأن هذه الطاعات مما تقربهم إلى الله ومما تزكي نفوسهم. قال: «ويصون بالانقطاع عن الجماعات والخلوة في أماكن مظلمة وترداد أذكار خاصة وألفاظ معينة». يوصون بالانقطاع للجماعات، أي ترك حضور الجماعات، فتجدهم يتخلفون عن صلاة الجماعة. ما لك يا فلان؟ يقول: «أنا أتعبد لله، أخلو بنفسي». يذهب ربما يصعد إلى الجبال ويترك صلوات الجماعة، يريد أن يزكي نفسه. أرواحهم تذهب فيغلق على نفسه في غرفة أيام وليالي، يزعم بهذا أنه يزكي نفسه. بل بعضهم ربما يجلس في الزبالات، كما ذكر هذا في تراجم بعض المتصوفة ممن يزعم أنهم من أهل الزهد، أنه كان يجلس في زبالة يزكي نفسه. قال: «وترداد أذكار خاصة»، يعني لم يأت بها النبي عليه الصلاة والسلام. يقول: لو قيل له: «لماذا ما تسبح مثل ما كان يسبح النبي صلى الله عليه وسلم دبر كل صلاة؟ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». يقول لك: «هذا ذكر العامة، هذا ذكر عامة الناس، عندنا ذكر أحسن من هذا». ما هو؟ يقول لك: «ذكر الخاصة: الله الله الله الله الله». هذا ذكر الخاصة أحسن من هذه الأذكار التي تقولونها وتتبعون بها النبي عليه الصلاة والسلام. وأفضل من هذا ذكر خاصة، ذكر خاصة الخاصة، وهو أن ينبح مثل الكلب. ذكر عبادة يتقرب بها إلى الله ويرى أنها تزكي نفسه. أذكار ما أنزل الله بها من سلطان وما أتى بها النبي عليه الصلاة والسلام. انظروا كيف لعب بهم الشيطان حتى جعلهم يخالفون هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ويرون أنهم أفضل على طريقة وعلى عبادة أفضل مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: «ألفاظ معينة»، يرطن بألفاظ ما يدري السامع ماذا يقولون، غير مفهومة، ويتعبد الله بها. قالوا: «ألفاظ معينة يزعم أنها تزكي وتهذب وترب النفوس»، إلى غير ذلك من الدعاوى الباطلة. بل ربما يرقص ويغني ويسقط، يعني مثل البهيمة، ويرى أن ذلك عبادة وطاعة وقربة ويهذب نفسه بذلك. كما قال القائل: ألا قل لهم قول عبد النصوح ومن حق النصيحة أن تستمع متى علم الناس في دينهم بأن الغنى سنة تتبع وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا الفضع قال كذلك البهائم إن أشبعت يرقصها ريها والشبع ويسكره الناي ثم الغنى ويا سين لو تليت من صدع هذا حل بعض أهل التصوف الذين تلعب بهم الشيطان، جعلوا الغنى والرقص واللعب واللهو طاعة وقربة وسببا تزكى به النفوس. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «تزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد». تزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان. لو كان البدن فيه مرض وفيه جرح، فعلاجه سهل، ليس فيه شيء من الصعوبة. لكن تزكية النفوس وتهذيب هذه النفوس والسعي إلى إصلاحها وإلى أكمل أحوالها، هذا فيه شدة وصعوبة، يحتاج إلى مجاهدة، أن يجاهد العبد نفسه، أن يجاهد العبد نفسه، لأن النفس أمارة بالسوء كما قال الله جل وعلا: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. فلابد للعبد أن يجاهد هذه النفس حتى يسوقها إلى طاعة الله وإلى رضوان الله وإلى ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة. قال: «فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرسل، هو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه». وأين يقع رأيه؟ وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ لو أن إنسانا به مرض، قالوا له: «نعالجك، نأخذك إلى الطبيب». يقول: «لا، أنا أعالج نفسي، أنا سأعالج نفسي بنفسي، وأرى الذي أراه مناسبا لعلاج مرضي». وما عنده خبرة ولا معرفة، ما عنده خبرة ولا معرفة، هل سيصل إلى دواء مرضه وعلاجه بسبل صحيحة وطرق سليمة، ويضع الدواء على الداء كما يعرف المريض الداء؟ الطبيب الداء وما له من دواء؟ الجواب: لا، بلا شك أن الطبيب أعرف وأعلم. كذلك أيضا من أراد أن يزكي نفسه بطريقة هي مخالفة لطريقة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام مزكي النفوس، والرسل والأنبياء هم أطباء القلوب، أطباء القلوب، وشفاؤها يعلمون أمراض القلوب وكيف تعالج وما هو أدويتها. فلو أنه قدم رأيه وقدم فكره على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لا شك أنه سيكون بعيدا عن الصواب. قال: «فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم»، أي بما جاء به الرسل من عبادة وطاعة وسلوك وأخلاق وآداب إلى آخر ذلك. قال: «وعلى أيديهم وبمحظ الإنقياد والتسليم لهم». والله المستعان. هذا الكلام نقله المصنف حفظه الله من كتاب «مدارج السالكين» للإمام ابن القيم رحمه الله. قال: «وأيضا فجميع الأعمال التي ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم مردودة على صاحبها»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». أي مردود على صاحبه. والحديث رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. وذلك أن الأصل في العبادات التوقيف، أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. فلا يحل للإنسان أن يأتي بعبادة وبعمل يزعم أنه طاعة، ولم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شرعه، ولا حث عليه، ولا رغب فيه. فإذا كان الأمر كذلك، أتى بعمل أو بقول يتقرب به إلى الله، وهو ليس من دين الله، فهذا العمل مردود، غير مقبول منه. من عمل عملا ليس عليه أمرنا، أي ليس عليه ديننا وسنتنا وهدينا، فهو رد، أي مردود على صاحبه، غير مقبول منه. لأن العمل كما تعلمون لا يقبل إلا بشرطين: الإخلاص والمتابعة، الإخلاص لله جل وعلا، والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام. فإذا اختل أحد الشرطين، ردت العبادة ولم تقبل. فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. ولا يكون العمل صالحا حتى يكون خالصا لله، موافقا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن كان العمل غير خالص لله، كان شركا. وإن كان خالصا لله، ولم يكن موافقا لهدي رسول الله، كان بدعة محدثة. قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر». هو الميزان الأكبر، فعليه تعرض الأشياء، على خلقه وسيرته وهديه. فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل. ذكر هذا الأثر الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله في مقدمة كتابه «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع». يقول الإمام سفيه أبو محمد الهلالي رحمه الله: «يقول النبي عليه الصلاة والسلام هو الميزان الأكبر الذي تعرض عليه الأشياء». يعني الأعمال والأقوال التي يراد تقويمها ومعرفة صحتها ومعرفة صحتها من خطئها، تعرض على خلقه، على هديه، على سيرته، على سنته. هل توافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم أم تخالف؟ فإن وافقت فهي حق، وإن خالفت فهي باطل، مردودة. هذا ميزان يجب أن توزن به سائر الأعمال والأفعال والأقوال. وكل من ادعى أن هذا العمل عبادة أو طاعة أو قربة، أقول: «اعرضه ها على سنة النبي صلى الله عليه وسلم». ليس فلانا أو فلانا من الناس، لا، على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى دينه وشرعه. إن كان حقا، موافقا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فحيها، لا عمله وتقرب إلى الله به. وإن كان مخالفا، فعليك أن تتركه وأن تجتنبه، فهو باطل. قال: «ولهذا وجب على من أراد تزكية نفسه أن يجاهد نفسه على الاتباع والاقتداء والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم». والحذر من المحدثات والمخترعات والطرائق المبتدعات التي يدعي أربابها أنها تزكي النفوس. فتزكية النفس بمجاهدته على الاتباع، هذا يحتاج إلى قوة وإلى صبر وتحمل. نعم، لأن هذا الأمر ليس بالأمر الهيين السهل. كل الإنسان يفعل ما يشاء وما يريد وما تحب له نفسه. من لعب ولهو، هذا أمر سهل جدا. النفوس لا شك أنها تحب الراحة والخمول والكسل واتباع اللذات والشهوات. لكن كونها يأخذ بها إلى سبيل الاقتداء والاتباع والأخذ بالأمور بالحزم والقوة، وكذلك أيضا بالتأسي، هذا أمر يحتاج إلى مجاهدة، إلى جهد. فينبغي ويجب على المسلم إذا أراد أن يزكي نفسه أن يجاهدها في الاتباع وترك الابتداء، التأسي به عليه الصلاة والسلام في سائر أحواله، وفي سائر أموره، وترك البدع والمحدثات. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.