حرمة الأموال العامة والخاصة

حرمة الأموال العامة والخاصة

الخطبة بعنوان حرمة الأموال العامة والخاصة، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 20 رجب 1447هـ الموافق 9 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حرمة الدماء والأموال وعاقبة الغلول وأكل المال الحرام

يؤكد الخطيب حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم مستدلاً بالقرآن والسنة، مبيناً أن المال لا يحل إلا بطيب نفس من صاحبه. ويوضح خطورة الغلول وأكل أموال الناس بالباطل، وأن الظالم يُطوق يوم القيامة والمفلس الحقيقي من تذهب حسناته في مظالم العباد فيُطرح في النار.

تحريم الاعتداء على الأموال العامة وبيان حكمها

تؤكد الخطبة أن الأموال العامة أشد حرمة من أموال الأفراد مستشهدة بحديث التخوض في مال الله بغير حق. وتوضح أن ما يُغنم من أموال المسلمين في الفتنة لا يعد غنيمة باتفاق العلماء، داعيةً من أخذ شيئاً منها إلى رده للسلطات لتبرئة ذمته.

الصلاة على النبي والدعوة لإقامة الصلاة

يبدأ المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه وسلم. ثم يدعو الحاضرين للقيام إلى صلاتهم مع الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، جاء في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في خطبته في حجة الوداع: قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». فبين النبي عليه الصلاة والسلام حرمة الدماء والأموال والأعراض. وجاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». فالأصل في الدماء الحرمة، وكذلك الأصل في الأعراض والأموال الحرمة، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه». «إلا بطيب نفس منه»: أي إن طابت نفسه أن يعطيك هذا المال عن طريق البيع والشراء، أو عن طريق الهبة أو العطية، حل لك أخذ هذا المال. وأما أن تأخذه بغير طيب نفس منه، فلا يحل لك، ولو كان ذلك على سبيل الخجل والحياء. أي لو استحيى منك وأعطاك مالًا حياءً، كأن ترى معه قلما فتقول: ما أحسن هذا القلم! بكم اشتريته؟ ومن أين اشتريته؟ فحينئذ يستحيي منك ويقول لك: خذ هذا القلم. فلا يحل لك أن تأخذه؛ لأنه إنما أعطاك إياه على سبيل الحياء، وليس بطيب نفس منه. وهكذا أيضًا، كذلك لو أخذت ماله على سبيل المزاح والضحك، فإنه لا يحل لك ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جدًّا أو مازحًا إلا بطيب نفس منه». «إلا بطيب نفس منه». ولذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من أخذ مال أخيه المسلم بغير طيب نفس منه، فإنه سيتحمله يوم القيامة، وسيأتي به يحمله على ظهره في ذلك اليوم العظيم. جاء في البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا جاء به يحمله يوم القيامة، فلا ألفين أحدًا منكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر». وهذه أصوات هذه البهائم. ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه حتى رُئي بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت؟». نعم عباد الله، وجاء كذلك في حديث عدي بن عميرة في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة». لو كتم مخيطًا، تعرفون المخيط، ما أصغره وما أرخصه! لكنه أخذه بغير حق، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. والغلول هو الأخذ من مال الغنيمة قبل القسمة، وكذلك يطلق على كل خيانة في المال، على كل خيانة في المال. فإذا خان الإنسان في الأموال وأخذها بغير حق، فهو من الغلول الذي يوجب لصاحبه دخول النار، عياذًا بالله. وفي الصحيحين أن غلامًا كان على فقل النبي عليه الصلاة والسلام أن يحملوا أمتعته، يقال له: كركرة. فمات، فقال عليه الصلاة والسلام: «هو في النار». فذهبوا ينظرون، فإذا به قد أخذ عباءة من الغنيمة لم تقسم. فأحكم عليه الصلاة والسلام أنه في النار. فانظروا يا عباد الله، إن أمر الأموال أمرها عظيم، وجرمها كبير. بل رب شيء قليل يكون سببًا في حرمانك دخول الجنة، ويوجب عليك دخول النار. زياف: في صحيح الإمام مسلم عن أبي أمامه إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه» -أي حلف يمينًا أن هذا المال له وهو كاذب في ذلك- «إلا أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة». قالوا: يا رسول الله، وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراك» -أي عود المسواك-. لو أخذت عود المسواك من أخيك المسلم وحلفت أنه لك وهو ليس لك، لأوجب لك دخول النار، دخول النار، عياذًا بالله. فكيف بما هو أعظم من ذلك من الأموال؟ من يقتطع أراضي الناس ويأخذها بالتزوير، أو كذلك بالقوة، أو بغير ذلك من أنواع اللف والدوران، وربما يحلف الأيمان، أو يزور الأوراق إلى آخر ذلك، حتى يأخذ مال أخيه ظلمًا. في حديث عائشة بالصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من ظلم من الأرض قيد شبر، طُوّق يوم القيامة من سبع أرضين» -أي يجعل في عنقه طوق يعذب به يوم القيامة-. وقوله عليه الصلاة والسلام: «قيد شبر»، هذا على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، فلو كان أقل من ذلك أيضًا لعوقب به. نعم عباد الله، وهكذا أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من اقتطع مال أخيه المسلم بيمينه، لقي الله وهو عليه غضبان، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «تلقى الله جل وعلا وهو غاضب عليك». وإذا غضب الله عليك، فمن الذي يرحمك؟ ومن الذي كذلك يغفر لك؟ ومن الذي يرفع عنك غضب الله سبحانه وتعالى؟ فلذلك عليك أيها المسلم أن تحذر من أمر الأموال، ولا تستهين في أمرها، ولا كذلك في الحصول عليها، ولا تبالي أمن حلال أم من حرام. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، أمن حلال أم من حرام». رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. «يأتي على الناس زمان» وهو هذا الزمان، الذي لا يبالي فيه الإنسان من أين أخذ المال، ومن أين تحصل على المال، أمن حلال أم من حرام؟ همه أن يتحصل على الأموال وأن يجمعها، وهو لا يعلم أو يجهل أنه بهذا يجمع ما يكون سببًا في دخوله نار جهنم، عياذًا بالله. في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، الذي ما عنده أموال ولا عنده أمتعة، هذا هو المفلس فيما يتعارف عليه الناس. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فحمل عليه، ثم طرح في النار». هذا هو المفلس حقيقة، الذي تذهب حسناته بما عنده من مظالم وحقوق للناس في الدماء والأموال والأعراض، فلا ينتفع بحسناته، بل يأخذها عليه المظلومون، وهو يتحمل سيئاتهم، ثم يلقى في نار جهنم، عياذًا بالله. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إذا كان هذا الوعيد فيما يتعلق بأموال أفراد الناس، فإن الأموال العامة حرمتها أعظم، وإثمها أشد، وعقوبتها أكبر؛ لأنها تتعلق بحقوق الرعية جميعًا. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري من حديث خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها: «إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة». «إن رجالًا يتخوضون في مال الله»: أي يستعملون المال الذي هو لله، من الأموال العامة التي هي حق لجميع الناس، فيخوضون فيها ويستعملونها بغير حق. قال عليه الصلاة والسلام: «فلهم النار يوم القيامة». فإذن الأموال العامة حرمتها أعظم. فلذلك الواجب على المسلم أن ينتبه على نفسه، وأن يحذر فيما قد يقع فيه من ذنب عظيم من التساهل في الأموال العامة، سواء كان ذلك ما يتعلق بأموال الكهرباء أو المياه أو الدوائر الحكومية، أو كذلك ما يتعلق بالأسلحة والذخائر والسيارات وغير ذلك. فما وقع في الأيام الماضية من انتهاب الناس للأموال الكثيرة من أسلحة وذخائر ورصاص وسيارات، أو كذلك أيضًا غير ذلك من الأموال، فإنها من الأموال المحرمة التي لا يحل للمسلم أن يأخذ منها شيئًا. ولا تعد هذه الأموال غنائم؛ لأن الغنائم ما أخذ من أموال الكفار بعد قتالهم. ما أخذ من أموال الكفار بعد قتالهم. وأما أموال المسلمين، وإن حصل بينهم قتال، فإنها لا تعد غنائم. وقد نص العلماء على ذلك. قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه «روضة الطالبين»: «ولا تغنم أموال المسلمين في قتال الفتنة، ولا يملك منها شيء». وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه «المغني»: «وأما أموال المسلمين من أهل البغي، فلا تغنم، ولا يجوز أخذ شيء منها». وهكذا قال الإمام ابن رشد رحمه الله في كتابه «بداية المجتهد»: «وأما الغنائم فما أخذ من أموال العدو، ولا تكون من أموال المسلمين». وبذلك أفتت اللجنة الدائمة: أنه ما يحصل من قتال بين المسلمين، فلا يجوز أخذ أموالهم، ولا تعد غنائم. وهكذا أفتى مشائخنا، كالعلامة ابن باز رحمه الله، والعلامة ابن عثيمين رحمه الله، على هذا الأمر، ونصوا على ذلك: أن أموال المسلمين لا تعد غنائم. فإذا علمت ذلك أيها المسلم، وجب عليك أن ترد ما أخذت إلى السلطات وإلى الدولة، وهي قد فتحت أبوابها لاستقبال ما نهب من الأموال. فحري بك أن تبرئ ذمتك من هذه الأموال التي لا يحق لك أن تأخذ منها شيئًا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كانت له مظلمة لأخيه في مال أو دم أو عرض، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم». «قبل أن لا يكون دينار ولا درهم». رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. وإذا كان هذا كما سمعتم في الأموال الخاصة، فالأموال العامة من باب أولى؛ فإن جرمها أعظم، وكذلك خطيئتها أكبر. فلذلك عليك أيها المسلم أن ترد ما أخذت، وأن تتحلل من هذه الأموال، حتى تبرئ ذمتك من المؤاخذة، ومن المحاسبة، ومن العقوبة، على أن تأخذ شيئًا ليس لك فيه حق. فأسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يهدي ظالم المسلمين إلى الحق والهدى. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم واجعل لنا نصيبًا ممن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم واجعل بلدنا آمنًا مطمئنًا، وسائر بلاد المسلمين. اللهم من أرادنا والإسلام بخير، فوفقه لكل خير. ومن أرادنا والإسلام وبلادنا بسوء، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره. اللهم وخذ أخذ عزيز مقتدر، يا قوي يا عزيز. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قوموا إلى صلاتكم، يرحمكم الله.