الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع آيات سورة الصف التي تعرض تجارة رابحة مع الله قوامها الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله بالمال والنفس. ويوضح أن النداء بـ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ﴾ يحث على الثبات وزيادة الإيمان بتصديق القلب وقول اللسان وعمل الجوارح.
يبين المقطع حكمة تقديم المال على النفس في آيات الجهاد، مستشهداً بصدقات أبي بكر وعثمان، ويؤكد أن بذل المال والنفس تجارة تكفر الذنوب وتورث النصر في الدنيا والجنة في الآخرة. ويسوق أدلة من أحاديث المغفرة للمجاهدين وقصة عمير بن الحمام في بدر.
يصور المقطع نعيم الجنة من أنهار الماء واللبن والخمر والعسل التي لا تُسكر ولا تُصدع، ومساكنها من لبن الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ والمرجان. ويشير إلى أن الجنة دار إقامة لا موت فيها، ونعيمها يفوق الوصف حتى كاد أهلها يموتون فرحاً لولا ثبات الله.
يختتم المؤلف بيانه مؤكداً أن الآيات تدل على تجارة عظيمة وربح عظيم عند الله، وأن من طلبها بصدق وجدها لديه. ويكتفي بهذا القدر من التفسير مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾. يقول رحمه الله: هذه وصية، ودلالة، وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين؛ ليعظم تجارة، وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم. وهذه الآية جاءت فيها آثار عن السلف، وهي مراسيل: أن ناساً قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: أي الأعمال أحب إلى الله جل وعلا؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآيات، ومنها هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. أعلى مرغوب، وأجل مطلوب، وهو جنة الله جل وعلا، والنجاة من عذاب الله. فعليكم بهذه الأشياء التي ذكرها الله عز وجل: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. هذه التجارة الرابحة، هذه التجارة الرابحة العظيمة التي دل ربنا جل وعلا الرحيم بعباده، دلهم على هذه التجارة العظيمة معه سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ يُرِيدُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾. يريدون تجارة لن تبور، أي لن تخسر أبداً، بل تجارة رابحة. وتجارة أيضاً كذلك يتحصل منها العبد أشياء عظيمة من رضوان الله جل وعلا، ومن النجاة من عذاب الله، والفوز بالنعيم المقيم، كما قال المؤلف رحمه الله. قال رحمه الله أيضاً: هنا قال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾، قال: وأتى بأداة التعجب الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل معتبر، ويسمو إليه كل لبيب. فكأنه قيل: ما هذه التجارة التي هذا قدرها؟ إن بدأ ربنا جل وعلا بقوله: ﴿ أَلَا هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾، هذا عرض: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. وهنا قوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ مع أنه قد ناداهم بنداء الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وهذا تحفيز، وأيضاً إيقاظ لأهل الإيمان. ثم قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. لهم مؤمنون، ثم يأمرهم الله عز وجل أيضاً بالإيمان. فهذا مثل قول الله عز وجل في سورة النساء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. والمراد عند أهل التفسير أن قوله جل وعلا: ﴿ آمِنُوا ﴾ أي: اثبتوا على إيمانكم، اثبتوا على إيمانكم. وأيضاً بعض المفسرين يقول: أي ازددوا إيماناً مع إيمانكم. وهذا حث على الأعمال الصالحة التي تزيد في الإيمان. معنى: لا تكتفون بما عندكم من الإيمان، بل زيدوا في إيمانكم. وهذا الدليل أيضاً من الأدلة المتكاثرة في كتاب الله على أن الإيمان يزيد وينقص. كذلك كما قال الله عز وجل: ﴿ يَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾. هم مؤمنون لكن يزيدون هذا الإيمان. فالإيمان كما جاء أيضاً في الحديث: «يخلق كما يخلق الثوب»، معنى: يبلَى هذا الإيمان، يبلَى في قلب المسلم. «فجددوا إيمانكم». فلا بد من تجديد الإيمان، ولا بد من أيضاً كذلك ازدياد الأعمال الصالحة لتقوى الإيمان ويثبت. وإلا فإن العبد إذا لم يزد في إيمانه، ولا يقوّي إيمانه، فقد يذهب ذلك الإيمان والعياذ بالله، فيذهب عليه إما إلى نفاق وإما إلى كفر والعياذ بالله. فلذلك يحتاج إلى الأعمال الصالحة التي تثبت الإيمان بإذن الله جل وعلا. فقال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. قالوا: من المعلوم أن الإيمان التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، التي من أجلها الجهاد في سبيله. ولهذا لا بد من الأعمال في الإيمان، فهي داخل في مسمى الإيمان. فلما يقول: ﴿ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ﴾، أي: تؤمنون بقلوبكم، وبأقوالكم، وبأعمالكم. فالإيمان هو قول وعمل واعتقاد: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. فلا بد أن تجتمع هذه الأمور في الإيمان. قال: «التي من أجلها الجهاد في سبيله»، أي: من أجل هذه الأعمال الجهاد في سبيل الله. لأن العبد يقدم نفسه وروحه لله، وهذا من أعظم الأشياء. وهذا من أعظم الأشياء: أن العبد يقدم نفسه للذي خلقها، شهداء لدين الله جل وعلا، ولأجل إعلا كلمة الله جل وعلا، ولأجل إعلا الإسلام. فهذا من أجل الأعمال. قال: ﴿ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾. بأن تبذلون نفوسكم ومهجكم - أو مهجكم - لمصادمة أعداء الله، والقصد دين الله، وعلى كلمته. وتجد في الآيات كثيراً ما يقدم الله عز وجل في الجهاد الأموال على الأنفس: ﴿ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾. وليس معنى ذلك أن الجهاد بالمال أعظم من الجهاد بالنفس. لكن قال بعض العلماء: الحكمة من ذلك أن الإنسان غالباً قد يبخل بماله ولا يبخل بنفسه، قد يبخل بماله ولا يبخل بنفسه. فقدم المال على النفس. وقيل: أن المال هو عون للنفس، عون للنفس. فإذا قدم، معنى: قدم الإنسان ماله في سبيل الله جل وعلا، فهو لا شك أنه سيقدم نفسه كذلك، ويكون هذا المال إعانة على الجهاد في سبيل الله. ولهذا هناك من الصحابة رضي الله عنهم من كان يقدم ماله في سبيل الله، وفي الدعوة إلى الله. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما نفعني مال مثل ما نفعني مال أبي بكر». وقال عليه الصلاة والسلام في أبي بكر: «وآساني بماله ونفسه، وآساني بماله ونفسه». وعثمان رضي الله عنه جهز جيش العسرة بماله الخاص، جهز جيش العسرة بماله الخاص، رضي الله تعالى عنه. وغير ذلك مما حصل من الأموال العظيمة التي نصر الله عز وجل بها دين الله. وأيضاً هذه الأموال صرفت في سبيل الله، في الدعوة إلى الله، وفي الخير. فهذا جهاد عظيم: أن يجاهد الإنسان بماله، وكذلك بنفسه. وهذا تمام الجهاد: أن يجاهد بماله، فيبذل ماله ونفسه في سبيل الله جل وعلا. لأنه يعلم أن الله عز وجل هو الذي خلق، فيبذل نفسه لخالقها. والله عز وجل اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾. فهذا البيع، وهذه التجارة العظيمة التي ينبغي المسلم أن يحرص عليها. قالوا: تنفقون ما تعسر من أموالكم في ذلك المطلوب. فإن ذلك وإن كان كريهاً للنفوس، فعن النفوس جبلت على محبة المال والبخل به. لكن من بذل هذا المال، وترك شح النفس، فلا شك أنه من أهل جنة الله جل وعلا. كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. فإذا اتقى الله عز وجل، ووقي شح هذه النفس وبخلها، وصار من أهل الإيمان، من أهل البذل، فإن الله عز وجل يجازيه بجنته سبحانه وتعالى. قال: وإن كان كريهاً للنفوس، شاقاً عليها، فإنه خير لكم إن كنتم تعلمون. فإن فيه الخير الدنيوي: من النصر على الأعداء، والعز، والمنعة، والذل - والرزق الواسع، وسعة الصدر والشراحة. هذا المال الذي يبذل في سبيل الله، وكذلك الأنفس. قال: والخير الأخروي، يعني: يكون في الدنيا خير من النصر على الأعداء والتسلط عليهم، وأيضاً العز الذي يكون فيه أهل الإسلام، والرزق الواسع، وسعة الصدر، وانشراحه بما يجده الإنسان من هذا المال الذي يبذله لله جل وعلا. قال: والخير الأخروي: بالفوز بثواب الله، والنجاة من عقابه. ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة فقال: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾. وهو شامل للصغائر والكبائر. فإن الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، مكفر للذنوب، ولو كانت كبائر. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله رجل، قال: يا رجل من الصحابة، قال: يا رسول الله، أرأيت إن أقبلت في جهاد في سبيل الله، مقبلاً غير مدبر، هل يغفر الله عز وجل لي؟ قال: «نعم، إذا جاهدت في سبيل الله، مقبلاً غير مدبر، أي: لم تدبر ولم تهرب، غفر الله عز وجل لك ذنوبك». ثم قال: «إلا الدين». قال عليه الصلاة والسلام: «إلا الدين». وفي حديث في الصحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: بعد ما شاور الصحابة على قتال الكفار، كفار قريش في بدر، فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». قوموا إلى جنة، أي: قيامكم هذا إلى جنة الله. وقال عمير بن الحمام للنبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قتلت يا رسول الله، أدخل الجنة؟» قال: «نعم». قال: فكان معه تمرات في قرنه، فأخرجها وقال: «إن بقيت آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة». فقاتل وقتل، رضي الله عنه. قال: ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. أي: من تحت مساكنها، وقصورها، وغرفها، وأشجارها. أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى. ولهم فيها من كل الثمرات. وإن كان من المقربين، فهذه العيون تنضخ من تلك الجنات. وإن كان من أصحاب اليمين، فهي تجري في هذه البساتين العظيمة، تجري من تحتها الأنهار. فهذا نعيم من أعظم النعيم الذي يجعله الله عز وجل لأهل الجنة. عندهم أنهار الماء غير آسن، لا يتغير أبداً، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين. وخمر ليس كخمر الدنيا، تصيب - معنى: تنقص البطن، وأيضاً تصيب الرأس. بل خمر لذة للشاربين. وأيضاً يجدون فيها اللذة العظيمة. وكما قال الله عز وجل: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وقد قال الله عز وجل في خمر الجنة: ﴿ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ﴾. ليس هناك يصيبهم صدع، ولا يصيبهم النزف، وهو ألم البطن. ليس هذا في خمر الآخرة، وإنما هذا في خمر الدنيا: أي إصابة بالصدع والرأس، وأيضاً ألم البطن، إنما يكون من خمر هذه الدنيا؛ لأنه خمر، بخلاف خمر الآخرة. خمر الجنة فهو شراب طهور. قالوا: ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾. أي: جمعت كل طيب من علو وارتفاع، وحسن بناء وزخرفة. كل علو في هذه الجنة. ومعنى جنات عدن: أي جنات إقامة. عدن: معنى إقامة. قال: حتى إن أهل الغرف من أهل علين، من أهل عليين، يتراءاهم أهل الجنة، كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي. الكوكب الدري: أي المضيء. فأهل الغرف يتراءون فيما بينهم. معنى: أن صاحب الجنة يرى الذي فوقه، كما يرى الكوكب الدري. الكوكب: أي النجم المضيء، يرى إضاءته فوقه. قالوا: حتى أن بناء الجنة، بعضه من لبن ذهب، وبعضه من لبن فضة. وخيامها من اللؤلؤ المرقّل. وأيضاً من القصب. ببعضها: أعطى الله عز وجل خديجة بيتاً من قصب. والقصب: هو اللؤلؤ المجوف. وهذا ما لا يكون في الدنيا أبداً: أن اللؤلؤ يجوّف، وهذا اللؤلؤ. وأيضاً كذلك: فضة مجوفة. قالوا: بعض من لبن فضة، وقيامها من اللؤلؤ والمرجان. وبعض المنازل من الزمرد والجواهر الملونة بأحسن الألوان. حتى إنها من صفائها يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. وهذا لتجويفها وشفافيتها. قالوا: فيها من الطيب والحسن ما لا يأتي عليه وصف الواصفين، ولا خطر على قلب أحد من العالمين. لا يمكن أن يدركوه حتى يروا، ويتمتعون بحسنه، وتقر به عينهم. هذا النعيم العظيم الذي جعله الله عز وجل لعباده الصالحين. قال: ففي تلك الحال، لولا أن الله خلق أهل الجنة، وأنشأهم نشأة كاملة لا تقبل العدم، لأوشك أن يموتوا من الفرح. عندما يدخل الجنة، فليس هناك موت. يذبح كبش الجنة بين الجنة والنار، ويقال: أهل الجنة خلود فلا موت، ويقال لأهل النار خلود فلا موت. قال: «لأوشك»، معنى: يقول المؤلف رحمه الله: من كثرة النعيم الذي يكون في الجنة، والفرح، فإن العبد قد لا يستطيع أن يتقبل هذا. ولولا أن الله عز وجل كتب الحياة عليهم، وعدم الموت، وعدم العدم، فإنه لأوشك أن يموت من الفرح. فسبحان من لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحد من خلقه. وتبارك الجليل الجميل الذي أنشأ دار النعيم، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقول الخلق، ويأخذ بأفئدتهم. وتعالى من له الحكمة التامة، الذي من جملتها: أنه لو رأى العباد الجنة، ونظر إلى ما فيها من النعيم، لما تخلف عنها أحد. كما قال جبريل لما رأى الجنة: «يا رب، لا يسمع بها أحد إلا طمع أن يدخلها». قال: ولما هانت عليهم العيش في هذه الدار المنقصة، المشوب نعيمها بألمها، وفرحها بترحها. ولما علم أهل الإيمان التام من الصحابة رضي الله عنهم، ومن التابعين لهم بإحسان، لما علموا هذه الحقيقة، صارت أنفسهم لله جل وعلا، وفدوا أنفسهم في سبيل الله سبحانه وتعالى. وصارت أنفسهم رخيصة لأجل الله جل وعلا، ولأجل أن يتحصلوا على هذا النعيم العظيم. لأن هذه الدنيا دار ممر، ونعيمها زائل، وفرحها أيضاً ينقلب حزناً. لكن الجنة نعيمها دائم ومقيم، وفرحها دائم، ليس فيها حزن، وليس فيها بؤس، وليس فيها شيء مما يكدر الحياة في هذه الدنيا. قالوا: سميت جنة عدن لأن أهلها مقيمون فيها. لأن عدن: معنى إقامة. لا يخرجون منها أبداً، ولا يبغون عنها حِوَلاً. ذلك الثواب الجزيل عما يحبون أن يتحولوا من هذا النعيم. قال: ذلك الثواب الجزيل، والأجر الجميل، وهو الفوز العظيم الذي لا فوز مثله. فهذا الثواب الأخروي. فهذا شيء ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذه الآيات العظيمة، في ما دل ربنا - ما دل ربنا جل وعلا عباده على التجارة العظيمة، والربح العظيم، الذي من أراده فهو عنده، وقد دل عليه الرب جل وعلا. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.