الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح العلامة السعدي معنى «أظلم» في آية الافتراء على الله مبيناً أن الكذب على الله أعظم درجات الكذب. ويناقش كيفية الجمع بين آيات «من أظلم» في منع المساجد والتصوير والافتراء موضحاً أن المراد التخصيص أو التساوي في درجة الظلم وأن الشرك هو أظلم الظلم.
يقسم المقطع الظلم إلى أكبر وهو الشرك وأصغر ويبين أن الله لا يهدي من أصر على ظلمه وعادى الحق. ويصف حال الداعين إلى الضلالة ومحاولتهم إطفاء نور الله مؤكداً تكفل الله بنصر دينه وإتمام نوره.
يؤكد المقطع تكفل الله بنصر المؤمنين وتمكين دينهم إذا نصروه مستشهداً بآية الاستخلاف. ويبين أن محاولات الكفار لإطفاء نور الله بالمال والشبهات تفشل وينتشر الإسلام في ديارهم.
يختم المفسر بالحديث عن الطائفة المنصورة التي تبقى قائمة على الحق لا يضرها من خذلها مستدلاً بالآيتين. ثم يختم بالدعاء بالتوفيق للخير والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. يقول رحمه الله: بهذا أو غيره، والحال أنه لا عذر له وقد انقطعت حجته؛ لأنه يدعى إلى الإسلام، وتبين له براهينه، وتبين له براهينه وبيناته. يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ﴾. كذب على الله وافترى على الله عز وجل الكذب، إما بتحليل الحرام أو عكسه، أو كذلك بالقول على الله عز وجل بغير علم، أو بإتيان حكم من يقول أنه حكم الله وهو كذب، أو يقول أن الله يقول كذا وهو يعرف أنه لا يقول. كل هذا يعتبر من الافتراء على الله، وصوره كثيرة. وقوله هنا: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾، ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ ﴾، معنى: لا أحد أظلم منه، لا أحد أظلم منه. والله عز وجل أن يقضون، قال: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾. وفي الحديث: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، يريد المصور. ﴿ فَلْيَخْلُقْ ذَرًّا أَوْ لْيَخْلُقْ شَعِيرًا ﴾. معنى: كيف الجمع؟ يكون لأن المراد من ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ أي لا أحد أظلم منه. وهنا قد ذكر الله عز وجل المانع الذي يمنع الناس من المساجد، وهذا المفتري على الله. وفي الحديث أيضا المصور. فكيف الجمع بين هذه الآيات والأحاديث؟ فهناك عند العلماء جموع، منها: أن المراد به التخصيص، المراد به التخصيص. ومعنى ذلك: أنه لا أحد أظلم في المنع من... من يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا أحد أظلم ممن يكذب... هو ممن يكذب على الله عز وجل ويفتري على الله. معنى الكذب كله حرام، سواء كان على الله أو على عباد الله أو على النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه درجات. فالكذب على الناس ليس كالكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، وأعظم هو الكذب على الله جل وعلا. فأظلم... فلا أحد أظلم ممن يفترى على الله الكذب من هؤلاء الكذابين. أنا أختص بالكذب. وأيضا: ﴿ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ خَلَقَ كَخَلْقِي ﴾، أي من هؤلاء الذين يريدون أن يصنعوا مثل صنع الله، فهذا أظلمهم. فهكذا فسرها بعضهم. وبعضهم العلماء قال: المراد من ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ أي لا أحد أظلم منهم، لكن قد يكون في درجته. فالمفتري على الله، والمانع من مساجد الله، وكذلك من يصور ويريد أن يصور خلق الله جل وعلا، كل ذلك... كل هؤلاء في منزلة واحدة، لا أحد أظلم منهم، لا أحد أظلم منهم. وهنا الظلم حمله العلماء على الشرك؛ لأن الشرك هو أظلم الظلم. ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾. وأيضا الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم أكبر، وظلم أصغر. معنى: هناك ظلم دون ظلم. فالظلم الشرك، والظلم أيضا غير الشرك. قال: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾، أي الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان، ولا برهان. ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. معنى: ليس على ظاهرها، إنما المراد: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾، أي كما قال شيخنا: الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، مستمرين في ظلمهم. فالله عز وجل ما دام أنهم أهل ظلم ومستمرون في الظلم، فلا يهديهم الله، ولم يهديهم الله عز وجل. وقيل: أن المراد ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾، أي الذين علم ربنا جل وعلا أنهم سيموتون وهم على هذا الظلم، أنهم سيموتون وهم على هذا الظلم، فربنا جل وعلا لم يهديهم. قال: خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل. على هؤلاء الذين يقابلوا الحق، يردوا الحق، وينصروا الباطل. يريدون الباطل ينتشر في الناس، فينشرون الباطل، ويعادون الحق وأهله، ويعادون الحق وأهله. وهؤلاء كثير من الفساق، وأيضا من أهل البدع، سواء كان من البدع الشركية، أو من البدع التي لا تصل إلى الشرك. قالوا: لهذا قال عنهم: ﴿ وَهُمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ﴾، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم قذفوا فيها. قال: ولهذا قال عنهم: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾، أي بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير معرفة بما هم عليه من الباطل. معنى: يجندوا أنفسهم في دفع الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾. انظر الآن إلى الكفار، ممن يأتي من بلاد الكفر إلى بلادنا وينشر الباطل. فهم يريدون يطفئوا نور الله، يطفئوا الإسلام، فينشرون الرذيلة، وينشرون أيضا الإلحاد، وينشرون أشياء من الباطل ضد الإسلام. ينتشر من... يعني ينتشر، تجد أنه ينتشر في بلاد الإسلام من يعترض على دين الله، ومن يعترض على حكم الله، ويدعي أنه مسلم. فلهذا هؤلاء يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم. لكن الله عز وجل قد تكفل بنصر دينه، كما قال المؤلف رحمه الله عند قوله: ﴿ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. أي: قد تكفل الله بنصر دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإظهار نوره في سائر الأقطار، ولو كره الكافرون. قالوا: بذلوا بسبب كراهته، ربنا جل وعلا تكفل بنصر هذا الدين لمن نصره. فإذا نصره أهل الدين، نصرهم الله عز وجل: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾. فربنا جل وعلا مع أهل الإيمان، لكن إذا كانوا أهل إيمان معه، إذا كانوا معه في نصر دينه وإحقاق الحق، وكذلك أيضا اتباعه، فإن الله عز وجل تكفل بنصرهم ونصر دينهم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. وبدلوا بسبب كراهتهم، كل ما قدروا عليه مما يتوصلون به إلى إطفاء نور الله، فإنهم مغلوبون. ونور الله هو دينه، جاء أنه الإسلام، وجاء أنه القرآن، أقصد في تفسير السلف، وجاء أنه محمد صلى الله عليه وسلم. وكل ذلك يصب في مصب واحد، وهو دين الله. فهؤلاء يريدون أن يطفئوا نور الله ودينه بشتى الحيل، يتكالبون على أمة الإسلام، وأيضا يفعلون الخطط التي يهدم بها أهل الإسلام وشبابهم. يأتون من ناحية الشهوات، ويأتون من ناحية الأفكار، يغزون أفكار شباب المسلمين بهذه الوسائل. وسائل التواصل سهل عليهم، نشروا دينهم، ونشروا ما هم عليه من الكفر، وإبطال... يريدون أن يبطلوا الحق. لكن تجد أن الله عز وجل ينشر هذا الحق، ويخمد باطلهم. فغالبا الحق ينتشر، وهم يريدون أن يطفئوه. ولهذا الآن المشاهد أن هؤلاء دول الكفر يريدون أن يفسدوا دين الله في بلاد الإسلام. والله عز وجل جعل انتشار دينه في بلادهم، أن في السنوات الأخيرة دخل إلى الإسلام كثير من هذه الدول، سواء كان من فرنسا التي هي أشد الناس محاربة لدين الله، أو بريطانيا، أو أمريكا، أو غيرها. فتجد أن كثيرا منهم... من كان كافرا يسلم، ويدخل دين الله جل وعلا. وهم يأتون إلى بلاد الإسلام ليفسدوا أهل الإسلام، ويصدوهم عن دينهم، ويبدلون الأموال الطائلة. معنى: تجد أن بعض أصحاب هذه المنظمات يعطي أموالا لا يبالي، معنى: يعطي حتى يعطي الفرد أكثر من مئة دولار، معنى: وصلت إلى أنهم يعطون الفرد ثلاثمائة دولار، وغيرها من هذه الأموال التي يبدلونها في غير ذلك. وكل ذلك يريدوا أن يستعطفوا أهل الإسلام، ثم بعد ذلك يصدونهم عن دينهم. قالوا: مثلهم كمثل من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها. فأنا هؤلاء الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، مثل من ينفخ عين الشمس يريد أن يطفئ نورها. معنى: كيف سيطفئ نور هذه الشمس وهو في الأرض؟ وأيضا هذه بعيد، فنفخه هباء. وهكذا هؤلاء الذين يريدون أن يصدوا عن دين الله، فهم ينفقون ويحرصون على الصد عن دين الله، وتجد أن دين الله عز وجل ينتشر. فقال المؤلف: فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها. أنا هذا بسبب أنهم يريدون يطفئوا نور الشمس، ويريدون أن يطفئوا عين الشمس، فهذا خبل في العقل، وهذا نقص في العقل وقدح فيه. فلهذا الله عز وجل أبطل سعيهم، وأفشل ما يسعون إليه من الباطل، وأنشر ربنا جل وعلى الحق. ولا تزال طائفة منصورة قائمين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هاتين الآيتين. ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.