تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 5

تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 5

الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أذى بني إسرائيل لموسى عليه السلام وتوبيخه لهم

يفسر السعدي قول موسى لقومه: لِمَ تُؤْذُونَنِي، مبينًا أن الأذية شملت الأقوال والأفعال كمخالفة أمر ذبح البقرة وطلبهم إلهاً غير الله ورفضهم القتال وعبادة العجل واتهامهم موسى بقتل هارون ونسبتهم إليه العيوب الجسدية، فبرأه الله مما قالوا.

تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بصبر موسى على أذى قومه

تعرض موسى عليه السلام لأذى شديد من بني إسرائيل رغم معرفتهم بصدقه وظهور المعجزات، فبرأه الله مما نسبوه إليه حين فر الحجر بثيابه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُتعزى بصبر موسى عند أذى قومه كما في قصة حنين مع تباين بين جحود بني إسرائيل وطاعة الصحابة في بدر.

تحذير الأمة من مشابهة بني إسرائيل في إيذاء الأنبياء

يحذر الله الأمة من إيذاء نبيه كما آذى بنو إسرائيل موسى، مبيناً أن زيغ القلوب وانحرافها عن الحق هو عقوبة إلهية عادلة لمن اختاروا الضلال بعد تبين الهدى، وتؤكد النصوص النبوية أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وأن الإضلال جزاء من جنس العمل.

خاتمة تفسير السورة وتفويض العلم لله تعالى

يختتم المفسر بيانه بالإشارة إلى أن ما سبق هو ما ورد في السورة أو الآية محل الشرح، مع تفويض العلم المطلق لله تعالى بقوله: والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾. يقول رحمه الله: وإذ قال موسى لقومه موبخًا لهم على صنيعهم، ومقرعًا لهم على أذيته، وهم يعلمون أنه رسول الله. هذا تلطف من موسى نبي الله عليه الصلاة والسلام -على نبينا- فكان يقول لقومه: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ﴾. أنا في قومي، فيه من باب التلطف والتأدب، وأيضًا لأجل أن يحرك الرابطة التي بينه وبينهم؛ لأن موسى من بني إسرائيل، موسى من بني إسرائيل، وهو الذين يخاطبهم هم بني إسرائيل، فلذلك قال لهم: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ﴾. قال: بالأقوال والأفعال، فأنا يؤذون نبي الله موسى بأقوالهم وكذلك بأفعالهم. وهذه الأذية المقصود بها أذية في الرسالة، يؤذونه في دعوته، أو قد يكون حتى في غير دعوته، وأذية في جسده. فمن هذه الأذية أنهم كانوا يخالفونه فيما يقول، ولا يتجرؤون عليه، مثل ما حصل في قصة البقرة، لما قال لهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾، قالوا: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾. وأيضًا لما اتخذوا، أو لما رأوا أناسًا يعبدون غير الله بعد أن نجاهم الله من البحر، بعد أن نجاهم الله عز وجل من البحر، وجدوا أناسًا يعبدون أصنامًا، فقالوا: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾، قال: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾. وعيضًا كذلك قولهم: ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾. وأيضًا اتخاذهم العجل، من العجل إلهًا من دون الله، لما جاءهم السامري وأخبرهم أن هذا إله، إله موسى، وأشياء كثيرة من الأذية. وعذوه حتى في اتهموه في رسالته، من ذلك أنه اتهموه أنه هو الذي قتل هارون. وهارون أخو موسى كما هو معلوم، ورسول أيضًا بعثه الله عز وجل معه، لكن قُتل قبل موسى، قبل أن يموت موسى قُتل هارون، ولا يدرى من الذي قتله، فقام بعض بني إسرائيل واتهموا موسى أنه قتله. وكانوا كما قال مجاهد وغيره: كان بنو إسرائيل يميلون إلى هارون أكثر. والمهم أنهم اتهموا موسى عليه السلام أنه قتله، فبرأه الله عز وجل مما قالوا. قال بعض أهل التفسير -وهي من قصة بني إسرائيل-: أن الله عز وجل أحياه، فأخبرهم أن موسى لم يقتله. فهذا أيضًا من الأذية. وقد قال الله عز وجل في سورة الأحزاب أيضًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾. في هذه الآية قالوا: أنه كان عنده مرض، مرض الخصية الكبيرة الذي يسمى الأدر، أنه كان أدر، فكانوا يقولون: أن موسى لا يغتسل معنا لأنه أدر. وكان بنو إسرائيل يغتسلون معنا عُراة، وكان نبي الله موسى حييًّا لا يفعل مثل ما يفعلون. وهذا لا يجوز، فلذلك اتهموه بهذا وعيروه بهذا التعيير. لكن الله عز وجل أراد أن يبرئه، كما جاء في الصحيحين: فكان اغتسل ووضع ثيابه في الحجر، فمشى الحجر، معناه: أدهده الحجر ونزل من مكانه والثياب فيه، فكان موسى يركض خلفه ويقول: «ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر»، حتى رآه بنو إسرائيل، ورأوا أن الذي يذكرونه غير صحيح، فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيهًا. فهذا كله من أذاهم، كما قال: ﴿ وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾. لماذا تؤذونني؟ ولهذا من كثرة أذية بني إسرائيل لموسى، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوذي تُعزّى به. فجاء في الصحيحين في حديث عبدالله بن مسعود: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، فقال الرجل وهو ذو الخويصرة التميمي: «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله». فأخبر ابن مسعود النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبًا شديدًا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر». مع أن الأنبياء جميعًا قد أوذوا، سواء كان أوذوا بالأفعال أو بالأقوال، منهم من هدد بالرجم، منهم من هدد بالقتل، ومنهم من هدد بالضرب، وغيرها من الأشياء التي حصلت للأنبياء. لكن موسى أوذي كثيرًا من بني إسرائيل، ولأنهم ليسوا من أهل الطاعة، يعني يقولون: سمعنا وعصينا، فلذلك تجد أنهم يجادلون في الأحكام، ويجادلون فيما يأتي به موسى عليه السلام. فهذا كله من أذايتهم. قال رحمه الله: وقوله: ﴿ وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾، والرسول من حقه الإكرام والإعظام، والقيام بأوامره، والابتدار لحكمه. وهنا قوله: ﴿ قَدْ تَعْلَمُونَ ﴾، «قد» هنا للتحقيق، أي أنكم تعلمون يقينًا أني رسول الله؛ لأن الله عز وجل أراهم آيات عظيمة، ونجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون بموسى عليه السلام، وفلق له البحر، وشق له البحر، وأدخلهم ونجاهم، حتى ثم أغرق فرعون وقومه، فهم يعرفون أنه رسول الله، وكانوا أيضًا ينادونه بذلك: ﴿ وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾. لكن لم يجلوه ولم يعظموه ولم يكرموه، وأيضًا كذلك تجروا حتى كما قلنا: قالوا: ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾. ولهذا قال المقداد بن الأسود كما في البخاري: فقال للنبي صلى الله عليه وسلم لما شاورهم في بدر، قال المقداد: «امض يا رسول الله، فإنا لا نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾، بل نقول لك: يا رسول الله، اذهب أنت وربك فقاتلا، وإنا معكم مقاتلون، وإنا معكم مقاتلون». فهذا من بني إسرائيل عدوا لموسى، ولم يجلوه لرسالته، ولأنه رسول الله إليهم. قال: وأما أذية الرسول الذي إحسانه إلى الخلق فوق كل إحسان بعد إحسان الله، ففي غاية الوطأة والجراءة والزيغ عن الصراط المستقيم، الذي قد علموه وتركوه. لهذا حذر الله عز وجل هذه الأمة أن تفعل مثل ما فعلت بنو إسرائيل، قال: ﴿ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾، أي: لا تفعلوا مثل ما فعلت بنو إسرائيل، تؤذوا نبي الله عليه الصلاة والسلام، كما آذت بنو إسرائيل نبيهم. قال: ثم لهذا قال: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾، أي: انصرفوا عن الحق بقصدهم، أزاغ الله قلوبهم عقوبة لهم على زيغهم الذي اختاروه لأنفسهم ورضوه لها، ولم يوفقهم الله للهدى؛ لأنهم لا يليق بهم الخير، ولا يصلحون إلا للشر. أن قلوبهم زائغة، أزاغ الله قلوبهم بسبب زيغهم، يريدون أن يؤذوا موسى، وكذلك أيضًا لا يحبون الخير ولا يحبون الهدى. ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾، الجزاء من جنس العمل. وهنا بين النبي عليه الصلاة والسلام في مسألة القلوب، أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أزاغها وإن شاء هداها، كما جاء في صحيح مسلم. وجاء في الصحيحين: «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء». وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». فقال أنس: يا رسول الله، أتخاف علينا ونحن قد آمنا بك وصدقناك؟ فقال: «إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أزاغها وإن شاء هداها». وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فزيغ القلوب من الله. لكن ربنا سبحانه وتعالى جعل لنا أسبابًا للخير وأسبابًا للشر، فمن أراد الشر فهو أراد الزيغ لقلبه، ومن لم يحافظ على قلبه، فإن القلب سرعان ما يقلب ويزيغ. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ثم قال جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾، أي: الذين لم يزل الفسق وصفًا لهم، ليس لهم قصد في الهدى، بل أرادوا الزيغ، وأيضًا قلوبهم تحب الفسق، تحب المعصية، وهم مستمرون على ذلك. قال: وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعبيده ليس ظلمًا منه، ولا حجة لهم عليه. من الذي يقول: أن الله ما هداني، هذا كذب. فالله عز وجل يهدي من أراد الهداية وتسبب للهداية، فمن أراد الله عز وجل أن يهديه يشرح صدره للإسلام. وقال الله عز وجل: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾. قال: وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعدما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ. ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾، يعنون يعرفون الهدى بعدما تبين لهم الهدى، فهذا من تسليط الشيطان عليهم. قال: وتقليب القلوب عقوبة لهم وعدلًا منه بهم، كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾. وهذا بسبب زيغهم وفسادهم وفسقهم، عاملهم الله عز وجل بعدله سبحانه وتعالى. فهذا ما يذكر في هذه السورة، أو في هذه الآية، والله تعالى أعلم.