تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 4

تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 4

الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الصف وبيان معاني التراص القلبي والبدني

يُفسر المقطع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ بأنها حث على الجهاد بصفوف متراصة منظمة، مبيناً أن المراد بالصف ليس مجرد تراص الأجساد بل وحدة القلوب والتعاضد، مستدلاً بترتيب النبي ﷺ للجيش في غزوة أحد كما ورد في سورة آل عمران.

معنى الصف في القتال: بين الاستفاف الظاهري وائتلاف القلوب

يفصل المقطع أن الاستفاف الجسدي كان مناسباً لزمن السيوف، أما الحروب الحديثة فالتطريس والتفرق، وأن المراد بالصف في الآية هو صف القلوب وتآلفها على طلب الآخرة، محذراً من تفرق القلوب وطلب الدنيا، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾.

اجتماع الأعداء وحرص الصحابة على أحب الأعمال وقصة طلب الشهادة

يبيّن المقطع اتحاد أعداء الإسلام على محاربة المسلمين، ثم يستعرض حرص الصحابة على سؤال النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله مع ذكر أحاديث متنوعة (إيمان، جهاد، صلاة، زكاة، صلة رحم، سلام، طعام)، ويختتم بقصة طلب الراوي الشهادة ودعاء النبي ﷺ له بالغنيمة والسلامة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد حفظه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾، قال رحمه الله: هذا حث من الله تعالى لعباده على الجهاد في سبيله صفا متراصا متساويا من غير خلل يحصل في الصفوف، وتكون صفوفهم على نظام وترتيب، به تحصل المساواة بين المجاهدين والتعاضد وإرهاب العدو وتنشيط بعضهم بعضا. فهذه الآية هي جواب كما ذكر بعض العلماء: جواب الله عز وجل من سأل عن أحب الأعمال. جاءت مراسيل كثيرة عن قتادة، وكذلك عن بعض التابعين كسليمان بن حيان وجماعة من التابعين، جاءت عنهم مراسيل أنهم قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أحب الأعمال إلى الله، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في صدر هذه السورة، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾. أي أن الله عز وجل - أو أحب الأعمال إلى الله - هو الجهاد في سبيله على قلب واحد وعلى صف واحد. وأكثر المفسرين يحمل هذه الآية على ظاهرها، وأن المراد بقوله «صفا» أن يصطفون للقتال، وتكون صفوفا مرتبة كما ذكر الشيخ حفظه الله، وتحصل المساواة بين المجاهدين والتعاضد. ولكن الظاهر أن هذا ليس المراد فقط التراص بالأجساد، وإنما يدخل فيه التراص بالقلوب وجمع القلوب. ولأن الحرب يكون فيها الكر والفر، ويكون فيها التقدم والتأخر، لا بد أن يحتاج إلى مثل هذه الأمور. فليس أن الحرب تكون على صف فقط، لكن في بداية الأمور ممكن يحتاجون إلى الصفوف. وأيضا كذلك قد يفرق القائد جنوده في أماكن معينة. ولهذا في سورة آل عمران قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾ أي في الغدو الفجر، ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي خرجت من عند أهلك وخرجت إلى الحرب وإلى ملاقات العدو. ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ أي تريهم مقاعدهم: أنت هنا، وأنت هنا، وهذا هناك. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يرتب جيشه، فيجعل على الميمنة قائدا، وعلى الميسرة قائدا، وعلى الصدر قائدا أيضا، وهكذا. إن احتاج إلى الرماة جعلهم مثلا في المؤخرة كما فعل في أحد، وهكذا إن احتاج إلى السقاية - أقصد الساقة - الذين يكونون خلف الجيش، وغير ذلك، يحصل تفرق المجاهدين. وزد على ذلك أن في وقتنا هذا لا يحصل النفع بالاستفاف، وإنما هذا كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وما بعده، لما كان الناس يتحاربون بالسيوف والرماح وغير ذلك. لكن الآن لا يحتاج أهل الحرب إلى الاستفاف، وإنما يحتاجون إلى التطريس في أماكن كثيرة، أن يعملون التطريس، وأيضا حمايات للجيش. فما يحتاجون إلى أن يجتمعوا في مكان واحد، فالاجتماع في مكان واحد قد يكون سببا للهزيمة وسببا لذهاب أرواح كثيرة. فلهذا قال بعض المفسرين: إن هذه الآية ليس المقصود منها الصف الظاهر، وإنما المراد بها الصف الباطن، وهو ائتلاف القلوب. لقوله جل وعلا: ﴿ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ﴾ أي بقلوبهم، ليست قلوبهم مشتتة، بل قلوبهم متآلفة وأفكارهم واحدة، كلهم يريدون الله والدار الآخرة. ليس أن هناك من يريد الدنيا، لأن هذا قد يفشل. ولهذا لما ذكر الله عز وجل في أحد قال: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ ثم صرفكم عنهم ليبتليكم. أيضا من الأمور التي حصلت بها معنى ما حصل في أحد: أن هناك أناسا يريدون الدنيا، ويريدون الدنيا أي المغانم. فلا تكون هذه الأفكار عند أهل الجيش الواحد، وأهل الإسلام يكونون متآلفين، وكذلك أيضا متعازرين. لأن التفرق يحصل به الفشل: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾. فلهذا يحصل بالتشتت تشتت القلوب الهزيمة وغير ذلك. ولهذا ربنا جل وعلا أراد أن يشير إلى أن هناك أناسا من الكفار وهم اليهود، يحسبهم الذي يراهم أنهم على قلب واحد لاستفافهم معا ولقتالهم معا، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾. لماذا؟ لأنهم أرادوا الدنيا، كل واحد له فكرة في الدنيا: هذا يريد الأموال، وهذا يريد الجاه والرئاسة، وهذا يريد الوزارة، وهذا يريد كذا وكذا. فكلهم لهم مشارب دنيوية، لكنهم تجد أنهم يصطفون على من يريدون أن يقاتلونه كأهل الإسلام. الآن تجد مثلا هؤلاء اليهود يلتحم معهم الأمريكان، يلتحم معهم كذا وكذا من الكفار. فهل هؤلاء على قلب واحد؟ لا، كل واحد له مشرب، كل واحد يريد مصالحه، لكن يجتمعون على أهل الإسلام لأن عدوهم هو الإسلام وأهل الإسلام. هؤلاء عداؤهم، فلهذا فهم يحاولون أن يضعفوا أهل الإسلام. أيضا هذه الآية فيها فوائد عظيمة، من ذلك حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على السؤال عن أحب الأعمال إلى الله جل وعلا. وهذا السؤال تجد سبحان الله أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عنه أكثر من مرة، معناه ممكن يكون أكثر من عشرين مرة في الأحاديث المتفرقة. يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟ والنبي عليه الصلاة والسلام تجد أنه يختلف جوابه من مكان، من حديث إلى حديث. فمنهم من يقول له: إيمان بالله وجهاد في سبيل الله. ومنهم من يقول له: أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتأتي الزكاة وتصل الرحم، كما في حديث أبي أيوب في الصحيحين، لما جاء الأعرابي وقال: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار. وكان هذا بعد تبوك، حتى أن الصحابة لما حصل في تبوك من تآمر بعض المنافقين على رسول الله عند العقبة، فلما قرب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة جاء الأعرابي وأخذ بخطام ناقة، فكان الصحابة يجترونه مهـ، معنى: لا تقرب عند النبي عليه الصلاة والسلام. فقال هذا الأعرابي: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار. فقال الصحابة: ما له؟ ما له؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرب ما له، أرب ما له، أي: رابح ما له، يريد شيئا عظيما. فقال: تعبد الله، تقيم الصلاة المفروضة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصل الرحم. وهكذا أيضا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال لله، أيضا ذكر: أن تفشي السلام على من عرفت ومن لم تعرف، وأن تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. وقال أيضا أبو أمامة للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني يا رسول الله على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، بعد أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا أن يدعو الله عز وجل أن يجعله شهيدا. فكان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم غنمهم وسلمهم. قال أبو أمامة: فغنمنا وسلمنا. قال: ثم كتب لي في غزوة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن أكون شهيدا في هذه الغزوة. فكان