المحاضرة بعنوان همة طالب العلم، والتي كانت بمخيم شباب مدينة صباح الأحمد بدولة الكويت يوم الأربعاء 4 جمادى الأولى 1446هـ الموافق 6 نوفمبر 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشدد على أهمية طلب العلم وعلو الهمة في تحصيله، ويُبين أن العلم النافع يحصن المسلم من الفتن والشرور. العلم واجب في بعض جوانب الدين مثل العقيدة والعبادة والمعاملات.
العلم النافع هو العصمة بعد عصمة الله، به تدفع الشهوات والشبهات، ويرتقي الإنسان إلى أعلى درجات الدين. العلماء يخشون الله على بصيرة، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات.
يُشدد على أهمية طلب العلم والحرص على نشره، ويُذكر أمثلة من الصحابة والتابعين الذين بذلوا جهودًا كبيرة في طلب العلم ونشره. الهمة العالية ضرورية لتحقيق الفلاح ونشر الدين.
يُشدد على أهمية الرفقة الصالحة وصحبة العلماء في طلب العلم، ويُحذر من صحبة الكسالى والأشرار. الرفقة الصالحة تلعب دورًا هامًا في تحصيل العلم.
المتحدث يختم كلامه بشكر الله والاعتذار عن الإطالة، ويطلب من الله التوفيق والهداية. يُنهي كلامه بالصلاة على النبي ودعاء بالخير للجميع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنرحب في هذه الليلة بالمشايخ الفضلة من اليمن، فضيلة الشيخ عبدالله بن عمر بن مرعي القائم على دار الحديث في الفيوش وفي الشحر، ومؤسس الجامعة الإسلامية في عدن، ورئيس مجلس الأمناء فيها. فمرحبا بالشيخ وأهلا وسهلا به في بلده الثاني وبين إخوانه وأحبابه. كذلك نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور عارف بن حسن اليافعي القائم على مسجد أكبر المساجد في يافع في مدينة رصد، ومستشار في وزارة التربية والتعليم في اليمن. فمرحبا بالشيخ ومرحبا بالمشايخ جميعا وأهلا بهم بين إخوانهم وأهليهم. وحقيقة اقتنصنا فرصة وجود المشايخ لترتيب هذا اللقاء الطيب، والذي سيكون إن شاء الله كلمة للشيخين الفضل. الكلمة إلى فضيلة الشيخ عبدالله بن مرعي العدني، فليتفضل فضيلته مشكورا مأجورا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا بزيارة آبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه البلدة الطيبة المباركة، وفي هذه المنطقة المباركة. أن يسر الله عز وجل بهذه الزيارة نجتمع في ذات الله، لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى. وهذه نعمة عظيمة أخرى من نعم الله عز وجل أن جمعنا الله عز وجل في مثل هذا المجلس الطيب المبارك، نجتمع لنتذاكر من العلم النافع ما يعيننا على العمل الصالح. ونحن بفضل الله عز وجل في نعمة أنزرنا أهل هذا البلد الطيب المبارك، وإخواننا أهل السنة والجماعة الذين عرفناهم. وكذلك كانت لهم الجهود المباركة الطيبة. وحقيقة نعمة عظيمة أن يجتمع المرء بإخوانه وأحبابه في مثل هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن وعمت فيها المحن، والمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى. فتعانض أهل الحق بالزيارة والأخوة والتعاون على البر والتقوى يعتبر من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا نعمة وأن يزعنا على شكرها سبحانه وتعالى. وبادئ ذي بدء أتقدم بالشكر لكل من شارك في هذا الخير، سواء بنفسه أو ماله أو جهده بقليل أو كثير، وأن كان سببا في مثل هذه المجالس الطيبة المباركة. وأتقدم بالشكر على وجه أخص لفضيلة الشيخ الدكتور أبي عبدالله حمد الهاجر حفظه الله، ومن معه من المشايخ والإخوان الذين لهم اللمسات الطيبة المباركة والجهود العظيمة، والتي كما سمعنا لا أدل على ذلك اجتماع هذه الوجوه النيرة وهذا الجمع المبارك في مثل هذا المجلس الذي لطالما سمعنا عن نظائره وأمثاله في أيام عديدة ماضية، ولا زالت بفضل الله سبحانه وتعالى تؤتي ثمارها. بل الجهود المباركة التي يبذلها حفظه الله تعالى، سواء في هذه البلاد المباركة الطيبة أو في خارجها، حتى بلادنا اليمنية بفضل الله سبحانه وتعالى يصلها من جهوده المباركة. نسأل الله عز وجل أن يبارك فيه في أهله وماله وجهده وجميع إخوانه، وأن يجعلنا وإياه وإياكم مفاتيح خير مغاليق شر، اللهم آمين. أيها الأحبة، كما سمعتم في الكلمة المعلن عنها همة طالب العلم، هذه المسألة والكلمة تعتبر من المواضيع المهمة التي يحتاج أن يذكر بعضنا بعضا فيها، وأن كذلك يعين بعضنا بعضا فيها حتى يعيننا ذلك أيها الأحبة على الإصلاح من الكثير من المسائل والأمور التي تمر بنا في حياتنا اليومية، مما يحتاج المرء في نفسه وفي أهله وولده وفي مجتمعه. وقد سمعتم في كلمة أخينا الشيخ الدكتور عارف حفظه الله تعالى فضل طلب العلم، وطلب العلم له منزلة عظيمة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل في دين الله عز وجل. لو لم يكن إلا أن أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالعلم، كما أنزل عليه قوله جل وعلا: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾. أيها الأحبة، منزلة العلم عظيمة، ومن عظم منزلته أنه سبب في علو همة المسلم عموما وطالب العلم خصوصا في تحصيل هذا العلم. فإن المسلم إذا نظر إلى تلك الفضائل العظيمة التي وردت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمله وتدبرها، دفعه ذلك إلى أن تعلو همته في تحصيل هذه الفضائل، وأن كذلك يتحلى بها ليحفظ دينه وليحفظ دين أسرته وليحفظ دين أولاده. لأن العلم النافع أيها الأحبة حصن حصين يتحصن به المسلم من سائر الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن. فهذا بعض فضائله. فإن من فضائل العلم النافع أنه يحميك ويقيك، ولهذا جاءت تلك الفضائل العظيمة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويزداد الأمر تأكيدا أيها الأحبة أن العلم النافع لا يكتصر على المندرج والمستحب، بل منه ما هو من واجبات الدين في عقيدتنا وفي عباداتنا وفي معاملاتنا وفي أخلاقنا وسلوكياتنا وآدابنا، بل وفي منهاجنا. فإن المسلم لا يستغني أن يتعلم من مسائل العقيدة والعبادة والمنهاج والأخلاق والآداب والسلوك ما يعينه على الثبات على الصراط المستقيم، وأن يحفظ نفسه من أن يزيغ إلى طريق أهل الجحيم. أيها الأحبة، إن المسلم بحاجة إلى أن يذكر نفسه بذلك الفضائل العديدة وتلك المناقب الكبيرة التي تعينه على أن يندفع لتعلم العلم النافع، فيكون بذلك بإذن الله سبحانه وتعالى عنده من الهمة ما يرفع عن نفسه الجهل وعن أسرته وعن أبنائه وعن مجتمعه. ما يعين نفسه أن يتحصن بهذا العلم من الفتن الكثيرة التي ابتليت بها المجتمعات، وخصوصا في مثل زماننا هذا التي عمت فيها من أنواع الفتن والمحن ما كانت سببا في صرف الكثير من الناس عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي بعث به نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم. أيها الأحبة، حين تسمع قول الله عز وجل: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾، ثم ترى حال الناس في هذا المجتمع كيف أن المرأة بالعلم استطاع أن يحفظ نفسه وأسرته وأبنائه على الصراط المستقيم والدين القويم، وأن بالبعد عن العلم والغفلة عنه والجهل به كان عرضة للفتن فجرته أو جرت أسرته أو بعض أبنائه وبعض أفراد أسرته تلك الفتن من فتن الشهوات أو فتن الشبهات، والمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى. ولا عاصمة بعد عصمة الله عز وجل مثل العصمة بالعلم النافع الذي به تدفع الشهوة وبه كذلك تحمي نفسك من الشبهة، العلم النافع الذي به كذلك تحمي ولدك وأسرتك من تلك المضلات الكثيرة التي حذرناها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. حين تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث ثوبان ومعناه كذلك من حديث معاوية رضي الله عنه وارضاه: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، فعلامة إرادة الله عز وجل بعبد من عباد الخير أن يفقه بدين الله عز وجل. ثم ترى في واقعك وفي مجتمعك يكون الرجل بعيدا عن دين الله منغمسا في أنواع الذنوب والمعاصي والسيئات غارقا في أنواع الشهوات، ثم يهديه الله عز وجل أن يسلك طريق المسجد فيقبل على تعلم العلم، فإذا به يتغير حاله فيكون بعد أن كان على ذاك الحال وفي ذاك الوحل والأمور التي سمعناها يكون بفضل من الله سبحانه وتعالى. ثم بعد توفيق الله له في إقباله على العلم يرتقي درجة درجة حتى يصير من خيرة عباد الله الصالحين. وصدق الله عز وجل الذي يقول: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. فالرفعة رفعتان: رفعة الإيمان ورفعة العلم، وبالعلم يرتقي الإنسان إلى أعلى درجات هذا الدين. لأنه بإذن الله سبحانه وتعالى يعبد الله عز وجل على بصيرة ويعبد الله عز وجل بعلم، كما قال الله عز وجل: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. العلماء كانت لهم الخشية التي كان سببها هو العلم بعظمة الله والعلم بدين الله والعلم كذلك بحقوق الرب العظيم ودينه القويم وحال نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. عند ذلك تفهم وتعرف معنى قول الله عز وجل: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾. وحين تسمع قول الله عز وجل: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كما الذي يمشي في الظلمات ليس بخارج منها﴾. قسم الله عز وجل الناس إلى أحياء وأموات، فمن وفقه الله لنور العلم والإيمان فهو من الأحياء، ومن حرم نور العلم والإيمان فهو من الأموات، وليس معه مصباح. ذاك مثل الذي حرم العلم والإيمان فلا يدري: ﴿أيسقط في حفرة﴾ أو يضرب في شجرة أو يتعثر كذلك بحجرة أو غير ذلك. معاشر الحاضرين والمستمعين، أن نقبل على هذا العلم لأجل أن لا يفوتنا من هذه الفضائل ما يكون سببا ليس فقط في فوات الأجر والخير، ولكن ربما كان ما هو أعظم من ذلك هو وقوع الشر والضير. لأن حرمان الفضائل لا يكون دائما بعدم الخسائر، بل قد يكون معه مقترنا بحصول بعض الخسائر والعواقب السيئة الحاضرة والآجلة. ولذلك أيها الأحبة ترون المجتمعات التي حرمت العلم كيف يحصل فيها من أنواع الشرور والآفات والجرائم والمصائب بقدر بعدها عن العلم النافع. فإذا قارنت بين مجتمع المسلمين ومجتمع الكافرين، مجتمع أهل التوحيد من مجتمع أهل الشرك، مجتمع أهل السنة من مجتمع أهل البدعة، ترى ذلك البون الشاسع والفرق الواسع بين ذلك المجتمع والآخر. لماذا؟ لأن ذلك المجتمع فيه نور الإيمان، وذلك المجتمع الآخر فيه ظلمة الكفر. لأن ذلك المجتمع فيه نور التوحيد، وذلك المجتمع فيه ظلمة الشرك. فبينما الناس يتوجهون بقلوب واحدة وأجساد واحدة لعبادة رب العباد سبحانه وتعالى، تجد أن أهل الشرك متفرقون في عبادة الأحجار والأشجار والقبور وكذلك غيرها، وهم على ذلك قلوبهم متعلقة بغير الله، تعلقت بالخرافة وتعلقت كذلك بالوثنية وغير ذلك مما لا يخفى من الآثار السيئة التي هي من آثار الجهل والبعد عن العلم. وهكذا كذلك مجتمع عمى بفضل الله عز وجل بالسنة، فإنه ليس فقط ينعم بالإيمان والإسلام، ولكن ينعم بما هو أعظم اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو طريق الأمان وطريق السلامة وطريق الأجر وطريق كذلك الفوز والفلاح. فلذلك تجد ذلك المجتمع قد عصم من المذاهب الردية والطرق غير السوية، فكان مجتمعا على الخير والهدى واتباع سلف هذه الأمة أئمتها وعلمائها ودعاتها، فكانوا بذلك على خير عظيم، وكذلك في نعمة عظيمة. والفضل بعد فضل الله عز وجل هو العلم، العلم بالسنة. بينما مجتمع آخر جهل الناس فيه السنة ودخلت فيه البدعة، فإنهم يتخبطون في تلك البدع سواء كانت بدع في العقائد أو كانت بدع في المناهج أو كانت بدع كذلك بالعبادات أو غيرها، متفرقون متمزقون ومشتتون. وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾. وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم محذرا من التفرق والتمزق: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾. فهذا الإنقاذ باتباع الإسلام الصحيح، وذلك بالأمر وكل ذلك بسبب الجهل بالعلم، الجهل بالسنة. وهكذا كذلك إذا نظرت إلى جوانب كثيرة من أمور الدنيا والدين، فإن من حرم العلم حرم خيرا كثيرا. وبه يصح ويتأكد قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». ويتأكد قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري من حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه في قوله عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه». ويتأكد قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ومن دعا إلى هدى كان له بأجر من دعا لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا». وحديث جرير بن عبدالله في صحيح مسلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سنّ سنة حسنة فكان له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا». انظروا إلى هذه الأجور العظيمة وهذه الفضائل الكثيرة التي هي كفيلة بأن تدفع المسلم أن لا يحرم نفسه من طريق العلم. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الثلاثة الذين جاءوا إلى المسجد وهو في حلقة من حلقات العلم، فقال: «ألا أخبركم بنبي الثلاثة؟ أما الأول آوى فآواه الله، وأما الثاني استحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث أعرض فأعرض الله عز وجل عنه». من منا يريد أن يكون الثالث الذي يعرض عن العلم فيكون سببا لإعراض الله عز وجل عنه؟ وأنت ترى ذلك جليا في واقعنا. كم من الناس من أعرض عن طريق العلم فأثمر ذلك شؤما بحياته، شؤما في أسرته، شؤما كذلك في ذريته، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى ورده إلى الحق ردا جميلا. فلذلك أيها الأحبة لا ينبغي للإنسان أن يغفل، وقد جاء عن جماعة من الصحابة: «خير الناس أرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». أيها الأحبة، العلم مهم في إصلاح الإنسان في ظاهره وباطنه، في إصلاح قلبه وفي إصلاح نفسه، في إصلاح أسرتك وفي إصلاح ذريتك. والله عز وجل حين يقول: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. زكاها بماذا؟ بالعلم النافع والعمل الصالح، زكاها بالعلم والإيمان، زكاها بأن روّى ذلك. ومما يعيننا أيها المسلمون والمسلمات، وأيها الأحبة الحاضرون والمستمعون، أن المسلم عموما وطالب العلم خصوصا يعرف هم إصلاح هذا الدين للغير، من الذي سيحمل هم هذا الدين فيوصله لمن يحتاجه إذا لم يكن عندنا همة في أخذ شيء من العلم ونقله إلى من يحتاجه؟ ولهذا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم علموا مقدار هذه المسؤولية وهذه الأمانة، فأخذوها وبلغوها من خلفهم، فكانوا يأتون يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم. مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مأوى المسلمين من كل مكان، هذا سلمان الفارسي وذاك صهيب الرومي وذاك بلال الحبشي وذاك فلان اليمني وذاك فلان النجدي وذاك فلان الطائي، وكذا وكذا كل أولئك جاءوا ليتعلموا العلم من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل سافرت قبائل بأكملها، جاء الأشعريون مهاجرون بأنفسهم وأبنائهم وأزواجهم ليتعلموا العلم والدين من النبي صلى الله عليه وسلم، فسكنوا المدينة بعد أن لم يكونوا قد سكنوها، فنفعهم الله بذلك أو بتلك الرحلة. وهكذا كذلك نقل الصحابة هذا العلم لغيرهم حتى حصل هذا الخير، فبلغ خير هذه الأمة ما لم يبلغ في تاريخ من ممالك أهل الأرض. فبلغت مملكة ودولة الإسلام إلى أقصى الشرق شرقا وأقصى الغرب غربا وأقصى الشمال شمالا وأقصى الجنوب جنوبا، بماذا؟ إن كان هناك أناس صادقون كانت عندهم من الهمة العالية ومن كذلك الحرص على أخذ تلك التركة حتى نقلوها وأوصلوها إلى مشارق الأرض ومغاربها. انظروا إلى آثار هذا الدين العظيم إلى أين بلغ، مع أنه كان في فترة وجيزة وفي مدة قصيرة. وإنما هذا بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بتلك الهمة العالية التي كانت عند سلفنا وإمتنا رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى. وأذكر لكم قصة ذكرها أهل التاريخ والسير عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على تعلم العلم، فقال لزميل له من الأنصار: «تعال نتعلم العلم ونأخذه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال له ذلك الأنصاري: «أتظن أن الناس يحتاجون إليك وأنت ترى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه هؤلاء يعني الصحابة الكبار وما عندهم من العلم؟». فتركه عبدالله بن عباس، فأقبل على تعلم العلم وصبر على ذلك التلقي حتى كان يتوسد دار زيد وغيره من الصحابة، حتى إذا خرج في الظهيرة أخذ عنه العلم. القصة باختصار، فمرت السنون، فإذا بذلك الأنصاري يرى بعد موت كبار الصحابة عبدالله بن عباس الذي كان شابا صغيرا يطلب العلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس متحلقون حوله يأخذون منه العلم. فقال ذلكم الأنصاري: «لقد كان هذا الفتى أعقل مني». يعني كانت همة عبدالله بن عباس سببا في حفظ العلم. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ دعا له فاستجاب الله دعاءه وتحقق، فكان حبر هذه الأمة وكبير علمائها. وهكذا كذلك الكثير من الصحابة، حرصهم وجدهم واجتهادهم كان سببا في حفظ الدين ونقله. انظر إلى المكثرين من الصحابة السبعة أهل الرواية الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كيف حصل هذا العلم؟ كان بالهمة العالية. هذا أبو هريرة رضي الله عنه وارضاه آثر على نفسه الدنيا بأن يصبر على الجوع ليلازم النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ العلم، حتى كما قال عن نفسه: «قال إن كان يغمى عليه فيظن النبي من جنون، ووالله ما بي من جنون ولكنه الجوع». وكان عمر رضي الله عنه وارضاه يحرص، ولكن كان يجعل لنفسه وقتا لأنفق على نفسه وأسرته. كما جاء في صحيح البخاري باب التناوب في العلم، ثم ذكر حديث عمر وتناوبه مع الأنصار يوما بيوم، يأتي أحدهم يستمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي الآخر فيستمع في اليوم الآخر، فيبلغ أحدهما ما فاته في اليوم الذي لم يحضره. وهذا يدلك على حرص الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم على العلم مع فقرهم وفاقتهم. تأمل ماذا كان عندهم؟ هل عندهم القصور والدور والسيارات الفاخرة والمراكب العظيمة؟ لا، ولكن مع ذلك ما منعهم ذلك من طلب العلم. سأله عمر: «من وليت على أهل الوادي؟ يريد وادي الجموم أو بتحصيل العلم». وكانت عندهم همة عالية. وبذلك نحن نرى هذه الأسماء المشهورة من أئمة الهدى ومصابيح الدجى من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين، هؤلاء ما وصلوا إلى ما وصلوا عليه براحة الجسد، ولكن بالتعب وبالجد والاجتهاد. هذا الإمام الشافعي رحمه الله قال: «كنت فقيرا وكانت أمي تعينني على طلب العلم بغزلها». قال: «فكنت لا أستطيع أن أشتري الورق فأكتب، فكنت آخذ العظم ألقاه أكتب فيه العلم وأضعه ثم أجمعه». ومع ذلك نفع الله عز وجل به حتى كان الإمام الشافعي. وهذا الإمام أحمد رحمه الله رحل كما قال عنه تلميذه: «الدنيا مرتين في جمع مسنده». رحمه الله تعالى. ويقول عن نفسه: «قال رحلت إلى مكة والمدينة والحجاز واليمن والعراقين والمغرب وذكر بلدانا كثيرة رحل إليها في طلب الحديث وجمع العلم». حتى أنه ذكر أنه فاته بعض المحدثين، وقال: «منعني من ذلك أن كنت مريضا فلم أستطع أن أجمع تسعين درهما لأجل أن أرحل إليه وأخذ منه الحديث». وقد وصلت إلى الكوفة، وكان عبدالله يعني في الري، فعجز عن النفقة فتندم أنه لم يسمع منه لأجل قلة النفقة، مع أنه كما قيل جمع حديث الدنيا رحمه الله تعالى. وكذلك رحم الله جميع العلماء. وهذا الإمام البخاري رحمه الله يقول: «شربت الدم أو قال بلت الدم مرتين في طلب الحديث». ويقول بعضهم: «أكلت العشب في طلب الحديث». كانوا يصبرون ويجدون ويجتهدون في تعلم العلم، وكذلك تحصيله لعلمهم عظيم منزلة هذا العلم، ولحملهم هم هذا الدين. بل منعوا أنفسهم الشهوات والمشتهيات لأجل طلب العلم، ربما لم يتزوج لأجل طلب العلم. وإذا تأملت في سيرة الكثير من العلماء ممن يعني صرفهم جدهم وحرصهم على العلم وشغلهم ذلك عن الزواج، حتى ألف بعض العلماء مؤلفا في العلماء الذين لم يتزوجوا لانشغالهم. وماذا يعني تفرغهم؟ وكذلك انغماسهم في العلم. وهكذا حتى بعض ما يشتهي الإنسان ربما يعني يكون المانع والحاجز له هو العلم. وهذا من الهمة العالية. كما ذكر ابن الجوزي رحمه الله قال: «حكى لنا بعض الفقهاء أنه عشر سنين اشتهى الهريسة وما استطاع أن يأكلها لأن بائعها في مكانه كان لا يأتي إلا في وقت مجلس العلم». يعني انظر يشتهي شيء ما استطاع أن يأكله لأجل ماذا؟ أنه إذا أكله سيفوته مجلس العلم فما أكله. ويذكر كما ذكر الخطيب البغدادي في الرحلة في طلب الحديث قصة عجيبة عن بعض الأئمة، عن ابن أبي حاتم في قصة طويلة خلاصتها أنهم كانوا يطلبون الحديث في النهار ويكتبونه في كتبهم في الليل. فما استطاعوا أن يأكلوا إلا ما يسد جوعهم من الخبز مع الماء أو نحو ذلك. فجاءوا في أحد الأيام أحد المشايخ فوجدوه مريضا ولم يخرج إلى المجلس، فقالوا: «لنا زمنا طويلا لم نأكل السمك اشتهينا أن نأكل سمكة». قالوا: «فاشترينا سمكة فأخذناها فقبل أن نطبخها قال أخبرنا بأن أحد المشايخ حضر دخل البلاد وبدأ مجلس التحديث». قالوا: «فتركنا السمكة وأنكببنا على العلم». فصاروا في النهار يسمعون وفي الليل يكتبون. قال: «حتى مرت ثلاثة أيام والسمكة لم تطبخ فظهرت رائحتها فتذكرنا السمكة». قال: «فأكلناها نيئة كما هي خشية أن نرميها». أو كما قال رحمه الله تعالى. وهذا ابن عقيل يقول عن نفسه: «إن كنت أن أذَر الوقت في العلم على أن آكل الطعام حتى إني لأستق الكعكة بالماء فرق ما بينه وبين غيره من سائر الطعام». انظر كيف كانوا يحرصون على الوقت وعندهم هذه الهمة العالية في تحصيل العلم. حتى ألف كتابه «الفنون» أحد كتبه ومؤلفاته الذي بلغ يعني مئات المجلدات. وهكذا كل إمام ممن نسمع أسماءهم وممن يعني يعلو ذكرهم، ستجد في سيرته وفي تاريخه يعني شيء عظيم من الجد والاجتهاد والهمة. هذا الإمام النووي رحمه الله كان له أكثر من 12 درس في تحصيل العلم في اليوم الواحد، حتى قال بعض تلامذته: «ما رأيت نائما على الأرض، إن كان ينام ورأسه في دفتي كتاب أو متكئا على جدار لشدة مواصلته في تحصيل العلم». ويقول جار المنذري رحمه الله: «قال قعدت سنين ولم أرى دار الإمام المنذري تنطفئ نوره في الليل لانكبابه على العلم» رحمه الله رحمة واسعة. وهكذا كذلك ذكر في عدد ما ألف بعض أهل العلم، كما ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية وبالجوز وجماعة، لو قدر ما كتبه على سائر أيام حياته من يوم ولد إلى أن مات، لقدر أنه في كل يوم كان يكتب أكثر من خمس وعشرين صفحة. أكثر من خمس وعشرين صفحة، يعني معناه أنهم فاقوا أعمارهم في الجد والاجتهاد في تحصيل العلم. مثل هذه الأخبار تدفعك يا طالب العلم ويا أيها المسلم أن تبدل القليل من وقتك لتحفظ به الكثير من دينك. تبدل القليل من وقتك في تحصيل العلم ما يحفظ لك الكثير من دينك. ما هو الفرق بين أن تكون غافلا بعيدا من العلم وأن تكون مقبلا على العلم؟ ستجد الفرق ذلك في عبادتك في صلاتك في سائر حياتك، وهكذا في حال أسرتك وحال أبنائك بما يكون من إقبالهم على العلم. ونختم ونختم بنقاط ثلاث تكون دافعا لنا في حفظ أنفسنا وأسرنا وأبنائنا وتوجهنا إلى العلم. منها أن المسلم عموما وطالب العلم خصوصا ينظر دائما إلى الرفقة الصالحة التي تعينه على الجد والاجتهاد في تحصيل العلم. فأنت إذا صاحبت الكسالى فإنه سيصيبك من كسلهم، كما أنك إذا صاحبت الأشرار فإنك سيصيبك من شرهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند صحيح: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». أي من يصاحب. وهكذا الحديث الآخر في الصحيح المشهور: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ» الحديث المشهور. وكما قال القائل محذرا من الصحبة السيئة: «عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي». فإذا كان قرينك مجدا مجتهدا، فسيدفعك كذلك بإذن الله على الجد والاجتهاد. فكما أنك تقرأ في سير العلماء وتقرأ في تاريخهم، فكذلك تقرأ كذلك وتصاحب من يعينك بحياته على هذا الجد والاجتهاد. وهكذا كذلك أمر آخر، أنك تنظر في حال العلماء المعاصرين. انظر حال علمائنا ومشايخنا الذين عرفناهم، كيف وصلوا لما وصلوا إليه من العلم والدين إلا بالإقبال والهمة العالية في تحصيل العلم. هؤلاء المشايخ الكبار: الشيخ عبدالعزيز بن باز، الشيخ ابن عثيمين، الشيخ الألباني، الشيخ مقبل رحمه الله، وغيرهم من المشايخ الذين نسمع عنهم الخير الكثير. كيف وصلوا لما وصلوا إليه؟ وكيف حصل لهم هذا الخير؟ إلا بالهمة العالية في تحصيل العلم. فإذا قرأت في سيرة كل واحد منهم ستجد العجب العجاب من الجد والاجتهاد. أذكر شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، من جدة حرصه على وقته، أنه ما كان يفوت وقتا إلا في العلم أو مذاكرته أو العمل به. ما رأيته في غير هذا رحمه الله. إما أن يقرأ عليه كتاب، وإما أن يدرس في درس، وإما أن يسأل في مسائل العلم، وإما أن ينصح ويعظ ويأمر بما فيه العمل بالعلم. حتى أنه كان إذا خرج من مكتبه وركب على السيارة، أول ما يركب قارئه يفتح الكتاب ويقرأ عليه رحمه الله رحمة واسعة. وإذا دخل إلى المجلس، أول ما يبدأ يبدأ كذلك بالعلم. كل هذا أيها الأحبة يدفعنا إلى الجد والاجتهاد. وهكذا غيره من المشايخ والعلماء، تعرفون جدهم واجتهادهم في سيرتهم وفي تاريخهم، ما يدفعنا إلى الجد والاجتهاد والأخذ بسيرهم والاتساء بطريقهم. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد. وأخيرا مما يعيننا على علو الهمة والثبات على الخير، أن نحرص على أهل السنة والجماعة الذين يرتبون لك بالموازين الشرعية والقواعد المرعية الأولويات في هذا الدين. إنك إذا حرمت طريق السنة وطريق أهل السنة، تتلخبط عليك وتتبعثر عندك الأولويات. وعند ذلك ربما تطلب العلم فترة، فإذا بك تنصرف وتخرج عنه. فمثلا بعض الناس بسبب أخذه من قبل بعض الجماعات المنحرفة، يقبل على طالب العلم، فإذا به يصرف إلى مناصب أو إلى حزبيات أو إلى سياسات تصرفه عن طريق العلم الذي كان عليه وكان فيه. أو آخر إلى مناهج منحرفة، ما يدرى بنفسه إلا وهو يفجر نفسه مع تلك الدعوات التكفيرية التي نهايتها التفجير. أو كذلك ما يدرى كان في البداية يطلب العلم عند المشايخ، فجر إلى بعض الجماعات التي أثمرت انصرافته عن طريق الاستقامة إلى بعض الطرق غير المستقيمة، كجماعة التبليغ أو غيرها من الجماعات الأخرى. فمن الصوارف ومما لا يعين على الجد والاجتهاد في العلم والاستمرار فيه، تلك المناهج المنحرفة. ولهذا كان بعض سلفنا وإمتنا يقولون: «إن من نعمة الله على الحدث والأعجمي يعني إذا أقبل على الدين وأسلم، أن يوفق لصاحب السنة من أول أمره». لماذا؟ لأن صاحب السنة عنده أولويات وعنده قواعد مرعيات، يعينه بها على أن يسير في السير السليم والصراط المستقيم الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يدفع عنا وعنكم كل شر وضير. وسامحوني على الإطالة. كلمات متناثرة، وكذلك نصائح أنصح بها نفسي وإخواني متفرقات. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. وأستغفر الله العظيم. وأكرر الشكر لكل من كان سببا في هذا الخير. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع، وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير مغاليق شر، وأجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وبهذا القدر أكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرا. بارك الله فيكم وحفظكم. نفعنا الله