شرح مسائل الجاهلية  114

شرح مسائل الجاهلية 114

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 114، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم التكذيب بلقاء الله وتفسيراته

يتناول هذا الفصل معنى التكذيب بلقاء الله ويبين أنه يحتمل معنيين: الإيمان بالبعث واليوم الآخر، أو رؤية الله سبحانه وتعالى، مستندًا إلى تفسيرات السلف للنصوص الشرعية.

تفسير اللقاء في القرآن والسنة ومعناه رؤية الله تعالى

استعرض هذا الفصل تفسير العلماء للقاء الله تعالى في القرآن والسنة، حيث أجمع أهل اللغة على أن اللقاء يعني الرؤية، واستدل ابن القيم بذلك على رؤية الله تعالى يوم القيامة.

التكذيب بلقاء الله وخصائص أهل الجاهلية

يشرح هذا الفصل أن التكذيب بلقاء الله يشمل أمرين: التكذيب باليوم الآخر وإنكار رؤية الله، وكلاهما من خصائص أهل الجاهلية، ومن كذب بلقاء الله فقد شابه أهل الجاهلية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة بعد المئة، التكذيب بلقاء الله، والتكذيب تفعيل من الكذب، أي شدة الكذب لهذه المسألة، التكذيب بلقاء الله. وقد كان أهل الجاهلية كفروا وكذبوا بلقاء الله سبحانه وتعالى، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿بل هم بلقاء ربهم كافرون﴾، فأهل الجاهلية وأهل الكفر قد كفروا بلقاء الله سبحانه وتعالى، فهذه من خصائصهم وهذه من صفاتهم. لكن بقيت مسألة: ما المقصود هنا بلقاء الله؟ لأن لقاء الله سبحانه وتعالى، كما دلت عليه النصوص الشرعية، يحتمل أمرين اثنين، إما أن لقاء الله هنا بمعنى الإيمان بالبعث وباليوم الآخر، وإما أن لقاء الله يحمل على معنى الرؤية، رؤية الله سبحانه وتعالى. فقوله رحمه الله تعالى: التكذيب بلقاء الله، هل بمعنى التكذيب بمعنى البعث والنشور، أو بمعنى التكذيب برؤية الله سبحانه وتعالى؟ هذا يحتمل، وهذا يحتمل؛ لأن النصوص الشرعية ما جاء في الكتاب والسنة دلت على أن لقاء الله يحمل على هذا ويحمل على ذاك. فمثال الأول، على أن لقاء الله سبحانه وتعالى بمعنى الإيمان بالبعث والنشور، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا﴾، قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند تفسيري لهذه الآية: قال: «قال الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالمعاد إلينا ولا يصدقون بالبعث»، فأول رحمه الله تعالى أي فسر هنا: لا يرجون لقاءنا، أي لا يرجون لقاء الله بمعنى اليوم الآخر، فلا يؤمنون بالمعاد ولا يصدقون بالبعث. وهكذا ما رواه ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾، نقل عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى أنه قال: «من كان يخشى البعث في الآخرة»، معنى من كان يرجو لقاء ربه، أي من كان يخشى البعث في الآخرة. فدلت هذه النصوص على أن السلف رحمه الله تعالى كان يفسرون لقاء الله بمعنى الإيمان باليوم الآخر وما يصاحب ذلك من البعث والنشور. والوجه الثاني: أن لقاء الله سبحانه وتعالى أيضًا من السلف من كان يفسره برؤية الله، يفسره برؤية الله سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما في «مجموع الفتاوى»: «قال: أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة»، وأما اللقاء، أي النصوص الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله وفيها لفظ اللقاء، وهي آيات كثيرة وما تصرف منها، قال رحمه الله تعالى: «فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة». ومن ذلك ما أثر كذلك في قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا﴾، نقل عن ابن مسعود رحمه الله تعالى أنه قال: «من أراد أن ينظر إلى وجه الله»، من أراد أن ينظر إلى وجه الله فليعمل عملا صالحا ولا يخبر به أحدا، هذا الذي أثر عن تفسير ابن مسعود لهذه الآية: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بربه أحدا﴾، قال: «من أراد أن ينظر إلى وجه ربه فليعمل عملا صالحا ولا يخبر به أحدا»، فلا يخبر بعمله أحدا، أي ابتعادا عن الرياء. فالحاصل أن نفسر هنا لقاء الله بمعنى رؤية الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا كان العلماء، قال ثعلب رحمه الله تعالى، وهو من أئمة اللغة، قال عند قوله تعالى: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾، يوم يلقونه هنا اللقاء لقاء الله سبحانه وتعالى، قال ثعلب رحمه الله تعالى: «أجمع أهل اللغة على أن اللقية هنا هي الرؤية»، تحيتهم يوم يلقونه السلام، قال: «أجمع أهل اللغة على أن اللقية هنا هي الرؤية؛ لأنه لا يمكن ملاقاة وتحية وخطاب إلا برؤية». وهكذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى، مما يعين على فهم آيات اللقاء الموجودة في القرآن والسنة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأجمع أهل اللسان - بمعنى أهل اللغة - على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية»، قال رحمه الله تعالى: «وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية»، إذن هذه من تفاسير السلف في مسألة اللقاء، أن لقاء الله سبحانه وتعالى يحمل على معنى الرؤية. لكن هنا أشكل على العلماء، أو هذه من الشبه التي دندن حولها المبتدعة عندما أرادوا أن يلغوا رؤية الله سبحانه وتعالى، فلما دليت لهم الأدلة الدالة على أن اللقاء بمعنى الرؤية ردوا ذلك، قالوا: إذا كنتم تقولون أن اللقاء يأتي بمعنى الرؤية، فما تقولون في قوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾، هذا الخطاب للمنافق لأهل النفاق، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه، على قولكم يا أهل السنة أن المنافق سيلقى الله، أي سيرى الله، وهل تقولون بأن المنافق يرى ربه سبحانه وتعالى؟ رد ابن القيم رحمه الله تعالى على هذا الاستدلال، قال: نعم، المنافق يرى ربه، وبين رحمه الله تعالى على أن هذه الآية، وأن المنافق يرى ربه، هذا ما يكون في عراصات القيامة، ما يكون في عراصات يوم القيامة، العراصات جمع عرصة، والعرصة هو المكان الفسيح المكان الواسع الذي ليس فيه فناء ولا بناء لأحد، في هذا الموقف الناس على أقسام ثلاثة، عراصات القيامة يحشر رب سبحانه وتعالى الناس في هذا المكان الفسيح الواسع، وهم على درجات ثلاث، وعلى أحوان ثلاث، هناك المؤمن، المؤمنون الخلص، وهناك الكفار الخلص، وهناك أهل النفاق. أما المؤمن فإنه يرى ربه سبحانه وتعالى في عراصات القيامة، ويرى ربه في الجنة، وأما الكافر فإنه لا يرى ربه مطلقا، الكافر لا يرى ربه مطلقا، وإن كان بعض العلماء يقول: لا يراه، لكن رؤية غضب، ومن ضعف ذلك، والصحيح أن الكافر لا يرى ربه مطلقا، لقول ربنا جل وعلا: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، والقول الثالث، وهو صنف ثالث، وهو المنافق، فإن المنافق يرى ربه في عراصات القيامة فقط، ثم يحتجب عنهم الرب سبحانه وتعالى، فالكافر لا يرى ربه، لكن في هذا المحل، في عراصات القيامة، ثم يحتجب عنه، ويدخل معهم كذلك مع النفاق يدخل طوائف من أهل الكتاب، كما جاء ذلك في أحاديث الشفاعة، في أحاديث الشفاعة. إذن هذه الآية على كما قال علماء: فيها إثبات الرؤية، فعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه، فاللقيا أيضًا بمعنى الرؤية. وهذا الذي بينه إخواني في الله، كان أهل السنة والجماعة إذا أرادوا أن يستدلوا على أهل البدع بإثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، كانوا يستدلون بآيات اللقاء، ومن نظر في الكتب المطولة المتعلقة بكتب الاعتقاد في باب الأسماء والصفات، تجد هذه الآيات موجودة، أن من أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى، رؤية اللقاء، آيات اللقاء وأحاديث اللقاء. إذن خلاص إخواني في الله، علمنا أن لقاء الله سبحانه وتعالى جاء في الكتاب والسنة على معنيين اثنين، بمعنى اليوم الآخر، وبمعنى رؤية الله سبحانه وتعالى، وحتى على قول بأن اللقية تأتي بمعنى الإيمان باليوم الآخر، فهي متضمنة لرؤية الله سبحانه وتعالى. طيب بعد هذا نأتي الآن إلى قول المؤلف رحمه الله تعالى، قال: التكذيب بلقاء الله، ما الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى؟ هل المؤلف هنا أراد التكذيب بلقاء الله، أي أن من خصال أهل الجاهلية التكذيب بيوم القيامة والتكذيب بالبعث والنشور؟ أم يؤخذ على قول المؤلف على القول الثاني: أن التكذيب بلقاء الله بمعنى التكذيب برؤية الله سبحانه وتعالى؟ وهذا الذي اختلف فيه الشراح، من من حمله على ذا، ومن من حمله على ذا. من الشراح من يرى أن من المناسب أن يقال: أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد بقوله التكذيب بلقاء الله بمعنى التكذيب برؤية الله، وأنه ليس من اللازم، ومن المناسب أن يقال: هو التكذيب بيوم الآخر، لماذا؟ لأن الفقرة السابقة قد مرت، الفقرة السابعة، قال المؤلف: الكفر بيوم الآخر، فلا نجعل المؤلف يكرر الفقرة بعد الفقرة، الكفر باليوم الآخر، ثم التكذيب باليوم الآخر، بمعنى واحد. إذن قالوا: ماذا نأتي بالمعنى الثاني؟ فإنه مناسب، ومنهم من حمل على المحمل الأول، يقال: أن هذا من باب التأكيد، ومن باب التكذيب. وعلى كل، الفقرة تحتمل هذا وتحتمل هذا؛ لأن كما قلنا: لقاء الله سبحانه وتعالى في الكتاب والسنة يحمل على هذا ويحمل على ذاك. وعلى كل، فإن من خصال أهل الجاهلية أنهم كانوا يكفرون باليوم الآخر، ومن خصال أهل الجاهلية أنهم كذبوا برؤية الله سبحانه وتعالى، هذا من خصائصهم، وهذا من خصائصهم. فمن وجد من هذه الأمة من تشبه بالكفار بهذه الخصلة أو بهذه الخصلة، فقد وقع في أمرهم. فمن كان من أهل الإسلام وكذب باليوم الآخر، فكذب لقاء الله سبحانه وتعالى، وقد مر ذلك معنا في الدرس السابق، عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وأن من كفر باليوم الآخر»، وذكر ذلك عن بعض القرامطة من الباطنية ممن أول ممن حرف الإيمان باليوم الآخر، من كان من كاتب، من كان من طبيب، من كان من متفلسف، من كان من متصوف، قال: «أن هؤلاء كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان»، قد مر ذلك معنا. وعلى قول أن التكذيب بلقاء الله بمعنى التكذيب برؤية الله، وأن هذا من خصائص أهل الجاهلية، فإنه من أنكر الرؤية، من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى، جنح جماعة من أئمة السنة على تكفيره، على تكفيره، وهذه رواية مشهورة عن إمام أحمد، رواية مذكورة عن إمام أحمد، يرى أنه من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى فقد كفر، لماذا كفر؟ لأنه رد النصوص الصحيحة الصريحة، والأدلة الكثيرة المستفيضة، وإجماع السلف، فإن السلف قد أجمعوا، لا خلاف بينهم على أن الله سبحانه وتعالى يرى. وهكذا الأدلة الكثيرة، وقد ذكر العلماء من الأحاديث المتواترة أحاديث الرؤية، ذكر ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى أن عدد الأحاديث المروية عن الصحابة في رؤية الله سبحانه وتعالى جاءت عن ثلاثين صحابية، روى الأحاديث المفضية إلى رؤية الله سبحانه وتعالى، وأنه يرى يوم القيامة، وأنه يرى، حتى أنشد من أنشد في قولهم: «ومما تواتر حديث من كذب، ومن بنى بيتا لله واحتسب، ورؤية شفاعة، وحوض، ومسح الخفين»، وهذه بعض فقوله: «ورؤية»، أي أن من الأحاديث المتواتر رؤية الله سبحانه وتعالى. وكذب العلماء لم يكفر هذا الصنف لوجود التأويل، ووجود الشبهة. فالحاصل إخواني في الله، فهذه الفقرة: التكذيب بلقاء الله، تحتمل أو يحمل على أمرين اثنين، والمقام يقضي هذا ويقضي هذا، وكل ذلك من خصائص أهل الجاهلية، فمن كذب بلقاء الله، فكذب باليوم الآخر، فقد شابه أهل الجاهلية، ومن أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى، فكذلك شابه أهل الجاهلية. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.