الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 65، ألقاها
يشرح المقطع الأول معتقد أهل السنة والجماعة في طاعة ولاة الأمر ولو كانوا ظالمين، مستندين إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية. يُظهر أن طاعة ولاة الأمر تكون في المعروف وليس في معصية الله.
يبرز المقطع الثاني أهمية عقيدة أهل السنة والجماعة في طاعة ولاة الأمر، ويبين مخالفتهم للخوارج والروافض. يوضح أن هذه العقيدة تهدف إلى تحقيق الصلاح والإصلاح والأمان للمجتمع.
يؤكد المقطع الثالث على وجوب طاعة ولي الأمر المسلم ولو كان ظالمًا، مستدلًا بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والأئمة. يحذر من انتقاد هذه العقيدة ووصف المدافعين عنها بالعمالة.
يشرح المقطع الرابع مفهوم الفئة الباغية ويوجب قتالها عند دعوة الإمام واستنفار أهل الإسلام، مستندًا إلى عموم الآيات والأحاديث التي تأمر بطاعة ولي الأمر.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله وغيره: من الصلوات خلف كل إمام مسلم، برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفر معهم وإن كانوا جورًا فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل. هذا الأمر -أي طاعة ولاة الأمر المسلمين- ولو كانوا ظالمين عندهم ظلم، جور هذا من معتقد أهل السنة والجماعة. أهل السنة والجماعة قاطبة ممن ألف وصنف في أبواب الاعتقاد، فإنهم يذكرون هذه المسألة -مسألة طاعة ولاة الأمر- وذلك لأمور. أولها أن أدلة ذلك من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دلت على هذا -أي على وجوب طاعتهم- قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، الآية عامة لم يفرق بين ولي وولي، أي بين من كان طائعًا أو كان عنده شيء من المعاصي. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في أحاديث كثيرة أمر وحث على طاعة ولاة الأمر، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو تأمر عليكم عبد حبشي» كما قال العلماء رحمهم الله تعالى، فيه إشارة إلى أن الحكم ربما يكون عن غلبة، إذ أن الحبشي عند الاختيار ليس هو من أهل الولايات؛ لأن الولاية كما جاء في الحديث: «الخلافة في قريش». فكما قال من قال من الأئمة رحمهم الله تعالى -كالحافظ ابن حجر- قال: في هذا الحديث دلالة على أن الأمر يكون عن غلبة، أي الولاية ربما تكون عن غلبة وقهر. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو كان عبدًا حبشيًا»، جاء في بعض الرواية: «كأن رأسه زبيبة» -أي أسود- «لو تأمر عليكم أصبح إمامًا واستتب له الأمر ما دام أنه مسلم فإنه تجب طاعته»، «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي»، والأحاديث في هذا كثيرة. نبينا صلى الله عليه وسلم حينما أخبر أصحابه بأنه سيأتي عليهم زمان وأمراء يحصل منهم ما يحصل من المعاصي، من المخالفات، من الاستئثار بالدنيا لهم ولذويهم -أي عندهم معاصٍ- فقال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم: «يا رسول الله ألا ننابذهم بالسيف؟ أي ألا نخرج عليهم ونقاتلهم؟» قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة»، أي ما داموا على الإسلام، فإنهم لا يجوز الخروج عليهم وتجب طاعتهم، ويجب السمع والطاعة لهم بالمعروف. أما إذا كان في معصية الله جل وعلا فلا سمع ولا طاعة في معصية الله جل وعلا، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة بالمعروف»، كما في الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه وأرضاه. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كائنًا من كان، هذا المخلوق إمامًا أو أبًا محترمًا، لا طاعة له في معصية الله جل وعلا». الأمر الثاني أن أهل السنة والجماعة يذكرون هذا الأمر وهذه المسألة في كتب العقائد؛ لأن هذا الباب مما خالف فيه أهل السنة والجماعة غيرهم من أهل الأهواء. فأهل الأهواء وعلى رأسهم الخوارج والروافض لا يرون السمع والطاعة للأمير إذا كان عنده شيء من المعاصي والمخالفات، فيخرجون عنه ويسببون ما يسببون من الفتن. الخوارج لمعتقدهم الفاسد في أن من ارتكب معصية كبيرة فإنه يكون كافرًا، والروافض لمعتقدهم الفاسد أنه ليس هناك إمام معتبر إلا المعصوم الذي سيخرج في آخر الزمان، كل الولاة ليسوا ولاة شرعيين، إنما هم نواب عن الولاة إن ارتضوهم -أي إن كانوا من جنسهم من الرافضة أمثالهم-. فالحاصل من هذا أن أهل السنة والجماعة يذكرون هذه المسألة لأجل أن هذه العقيدة مما خالف فيها أهل السنة والجماعة غيرهم من أهل الأهواء. الخوارج أول فتنتهم وبدعتهم أن خرجوا على من خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وكان حينها في زمانه أرضى أهل الأرض وأفضل أهل الأرض، رضي الله عنه وأرضاه، خرجوا عليه وسموه كافرًا، قالوا: كافر علي بن أبي طالب، كافر، نعوذ بالله. إذا كان علي كافر -من المسلم يعني- تصور هؤلاء الخوارج حكموا على أحد الخلفاء الراشدين، وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم راشدون مهديون، أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل الجنة، وهو من أهل بدر، من أهل بيعة الرضوان، إلى غير ذلك من الفضائل التي حازها علي رضي الله عنه وأرضاه، ومع هذا لم يرضوا عن علي، فمن سيرضون عنه بعد علي؟ لذا كما ترون في كل زمان ومكان لا يرضون عن أحد لمعتقدهم الفاسد. والرافض كذلك لمعتقدهم الفاسد في ذلك، فهذا هو الأمر الثاني الذي لأجله يذكر أهل السنة والجماعة هذه المسألة في أبواب العقائد. الأمر الثالث أن أهل السنة والجماعة حينما يذكرون هذه العقيدة المنبثقة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي أجمع عليها السلف الصالح، أجمع عليها السلف الصالح، ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه في زمانه، حينما تغلب عبد الملك بن مروان على الأمر بايعه، وأرسل إليه بيعته، وبيعت أبناؤه معه، أنس بن مالك بايعه، وكل من كان حاضرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعهم وبايعوا من ولّوه من الأمراء، وصلوا خلفهم ولو كانوا فجرة ظالمين مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، كانوا يصلون خلفه. فهذه عقيدة الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فكما سمعتم أن الأمر الثالث أن أهل السنة والجماعة يقررون هذه العقيدة إلى جانب أنها منبثقة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعليها إجماع الصحابة رضي الله عنهم، إضافة إلى ذلك أنها من أعظم الأمور التي يكون بها الصلاح والإصلاح والأمان للمجتمع. وبنزع الطاعة عن الإمام والخروج عنه يحصل من الشر والخوف والفتن ما الله جل وعلا به عليم، والواقع خير شاهد. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك الذهب، ابن كثير، ابن رجب الحنبلي، ابن حجر، وعامة العلماء ممن عندهم خبرة واستقراء لتاريخ الإسلام وأحوال الخلافات والإمارات الإسلامية يقولون: ما خرج قوم على الإمام لأجل ظلمه إلا ترتب على ذلك الخروج من الفساد والظلم أضعاف أضعاف ما كانوا عليه قبل ذلك. الواقع خير شاهد يا جماعة، أم لا؟ الواقع خير شاهد ما تمر به المجتمعات الإسلامية في أيامنا هذه خير شاهد على ما ذكره أولئك الأئمة رحمهم الله، من أن من خرج عن الإمام إن كان ظالمًا بسبب ظلمه، ترتب على ذلك الخروج من الظلم وسفك الدماء وإزهاق الأرواح وإخافة الناس وقطع السبيل وإضاعة المال واضطراب المجتمعات اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا من جميع النواحي، يحصل بسبب ذلك الخروج. فأهل السنة والجماعة حينما يقررون هذه العقيدة الربانية لأجل أن يحصل للمجتمع الأمل المنشود والمطلب الذي يقصده كل منصف وكل محب للإسلام وأهله. وهذا من هذا الباب، فأهل السنة والجماعة يقررون هذه العقيدة التي هي عقيدة الكتاب والسنة، مأخوذة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. جاءت هذه العقيدة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله، ومما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ورضي الله عنهم. لذا كما سمعتم: يرون أصحاب الحديث ويرى أصحاب الحديث الجمعة -أي صلاة الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات- خلف كل إمام مسلم، برًا كان أو فاجرًا. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ينقل عن الإمام أحمد رحمه الله أن من ترك الجمعة خلف الإمام المسلم الظالم فلم يصل الجمعة لأجل هذا المعنى، قال: فإنه مبتدع، مبتدع، فتح على نفسه باب ضلالة وبدعة، ترك الجمعة لأجل أن الإمام ظالم هذا لا يجوز، بل هي بدعة مخالفة لهدي السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله، فلا يجوز ذلك، بل واجب أن يصلى خلفه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر عن أمراء آخر الزمان قال: ماذا قال؟ «صلوا خلفهم، صلوا خلفهم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم عليهم». ماذا بقي بعد هذا النص من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ «إن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم»، أي لكم الأجر والثواب وعليهم الوزر والعقاب إذا خالفوا أمر الله جل وعلا، «صلوا خلفهم» نص من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وسواء كانوا كما ذكر أبرارًا أو فجارًا. ويرون جهاد الكفر معهم وإن كانوا جورًا فجرة، هذا مما يعتقد أهل السنة والجماعة. وكما قال الإمام ابن بطة رحمه الله تعالى العكبري في كتابه «الإبانة» قال: أجمع المحدثون والفقهاء والزهاد والعباد من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: من عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا على وجوب طاعة الأمير برًا كان أو فاجرًا، وأن تصلى الجمع والجماعات، وأن يحج معه ويجاهد من ورائه إلى آخر ما ذكر. هذا محل إجماع، هذا محل إجماع لا خلاف في ذلك. ويأتي بعض الجهال اليوم فينكرون على من يدعوهم إلى هذا الأصل العظيم الذي دل عليه كتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وإجماع الأئمة عبر العصور. إذا سمع إنسان يقول: يجب طاعة ولي الأمر ما دام مسلمًا، قال هؤلاء: عميل الحكام، هؤلاء يدافعون عن الحكام، وما شابه ذلك من العبارات، وهو في قرارة نفسه يعلم أن أهل السنة والجماعة أبعد الناس عن الأطماع وعن أموال الحكام، ولكنها عقيدة، عقيدة ربانية عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تربوا عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربوا عليها من وراءهم. وهكذا تتابع الأئمة في كل زمان ومكان يوصون بهذه العقيدة، وما هذه المصنفات التي صنفها الأئمة رحمهم الله تعالى ويذكرون هذه المسألة خاصة إلا لأجل هذا الهدف. لو عرف المجتمع هذا الأمر واعتقده عقيدة صحيحة سالمة بعيدة عن التشويش والتشويه الذي يدخله عليهم أعداء الإسلام، وللأسف يسمعون أصواتًا من جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم فينشرون هذه الأفكار وهذه السموم. منهم من يفعله نفاقًا وكيدًا بالإسلام، ومنهم من يفعله تحمسًا وعاطفة من غير علم، ومنهم رعاع جهال أتباع كل ناعق، وما علم الكل أنهم أبواق تصيح بأصوات وأفكار أولئك الكفرة والعياذ بالله. قال: ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، لما تقدم ذكره، «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي»، «ألا ننابذهم بالسيف؟» قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة»، لا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا. ويرون قتال الفئة الباغية، الفئة الباغية هي التي تخرج عن طاعة الأمير، تسمى فئة باغية، تخرج عن طاعة الأمير تسمى فئة باغية، فإذا دعا الإمام إلى قتالها واستنفر أهل الإسلام لقتالها وجب عليهم ذلك؛ لأن هذا مما يجب فيه الطاعة لولي الأمر لعموم قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله». والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.