الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 12، ألقاها
يناقش المقطع آراء الإمام أحمد بن حنبل في اللفظية وتصنيفهم كجهمية، وعلاقتهم بالقول بخلق القرآن. يُظهر المقطع أيضًا موقف الإمام الطبري والصابوني من هذه القضية.
اللفظية قالوا بخلق لفظهم بالقرآن، وهم شر من الجهمية. الإمام أحمد وصف من نفى خلق لفظه بالقرآن بأنه مبتدع.
أهل السنة سلكوا مسلكين في التعامل مع الألفاظ المجملة، إما إغلاق الباب أو التوقف في اللفظ. القرآن الكريم كلام الله وغير مخلوق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، كان آخر ما توقفنا عنده قول ابن جُرَيْر الطبري رحمه الله تعالى في كلامه على اللفظ بالقرآن، ونقله عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «اللفظية جهمية»، وأنه قال: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهم، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع». قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «قال قلت: وهو -أعني محمد بن جرير- قد نفى عن نفسه بهذا الفاصل الذي ذكره في كتابه كل ما نُسب إليه وقُذف به من عُدول عن سبيل السنة أو ميل إلى شيء من البدعة». وفي هذا إشارة إلى ما حصل من الشائعات في بعض الأزمان عن الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى أنه وقع منه شيء مما يخالف فيه أهل السنة والجماعة، وحاشاه رحمه الله؛ لأنه كان من أئمتهم رحمه الله تعالى. وإنما نقل عنه من نقل خطأ عليه أو إرادة لشينه رحمه الله تعالى، وهو من ذلك براء. قال رحمه الله -أي الإمام أبو عثمان الصابوني-: «والذي حكاه عن أحمد رضي الله عنه وأرضاه قوله رضي الله عنه وأرضاه عن أحمد رضي الله عنه وأرضاه فيه دلالة على جواز الترضي عن غير الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه». وهذا مذهب الجمهور، أي جواز الترضي على من سوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأئمة الذين قد شهد لهم بالإمامة في الدين، رحمهم الله وغفر الله لهم. ويكون الترضي عليهم من باب الدعاء، كما يقول رحمه الله: «من باب الدعاء»، أي: «اللهم ارحمه». كذلك يقال: «رضي الله عنه» من باب الدعاء، أي: كأنه يقول: «اللهم ارض عنه». فهو كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: «من باب الأسلوب الخبر الذي أريد به الإنشاء»، أي: أريد به الدعاء. قال: «والذي حكاه عن أحمد رضي الله عنه وأرضاه أن اللفظية جهمية، فصحيح عنه، وهو كما تقدم معنا قد ذكره عنه ولده وتلميذه الإمام عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى في كتاب السنة». قال: «وإنما قال ذلك -أي الإمام أحمد رحمه الله تعالى-: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهم؛ لأن جهما وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، أي قالوا بأن القرآن مخلوق». قال: «والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن، فأدرجوا في هذا القول ذي اللبس؛ لئلا يعدوا في زمرة جهم الذين هم شياطين الإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا». فذكروا هذا اللفظ وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد رحمه الله جهمية. وحكي عنه أيضًا أنه قال: «اللفظية شر من الجهمية». وهذا كذلك ثابت عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، رواه كذلك عبد الله بن أحمد في كتاب السنة في فصل كلام على اللفظية. ومنه يُعلم معنى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى حينما قال: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي». أراد الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن يبين أن من قال هذه المقالة أن قوله يفضي إلى القول بخلق القرآن، ولا سيما في ذلك الزمان؛ لأن من أحدث هذا القول وقال بهذا القول إنما هم من أتباع جهم. ولكن لما ظهر للناس في ذلك الزمن في زمن الأئمة رحمهم الله أن قول جهم قول منكر بل كفر بالله العظيم، أرادوا أن يأتوا بلفظ آخر يروج بين الناس والمعنى هو المعنى، فأتوا بهذا اللفظ: «لفظي بالقرآن مخلوق»، وأرادوا بذلك أن القرآن مخلوق، لذا قال إمام أحمد: «من قال هذه المقالة فهو جهم». والحكم في الجهمية قد تقدم: الذين يزعمون أن القرآن مخلوق. وقوله رحمه الله تعالى: «اللفظية شر من الجهمية»، اللفظية شر من الجهمية؛ من هم اللفظية؟ اللفظية هم الذين أظهروا وأفشوا هذه المقالة: مقالة أن لفظي بالقرآن مخلوق. هؤلاء كانوا يسمون في عهد الأئمة «لفظية». والإمام أحمد رحمه الله تعالى قال بأنهم شر من الجهمية؛ وذلك لما في قولهم من اللبس والخبث. اللبس؛ لأنهم لبسوا على الناس، لبسوا الباطل بلباس الحق وزخرفوه وزينوه لينطلي على الناس، فهم بهذا الاعتبار شر بهذا الاعتبار هم شر من الجهمية. ولأنهم هم في الحقيقة في باطن الأمر جهمية، هم والجهمية في حقيقة الأمر في معناه سواء؛ الكل يقول بأن القرآن مخلوق، ولكن الجهمية صرحوا، فأخمد الله تبارك وتعالى فتنتهم بأئمة أهل السنة والجماعة، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله. فأتى هؤلاء اللفظية بهذه المقالة الخبيثة التي فيها التلبيس، والمقصد هو المقصد، والقول هو القول، والمعنى هو المعنى من قول الجهمية بأن القرآن مخلوق، فكل القولين سواء، ولكن اختلف اللفظ وإلا فالمعنى هو المعنى. قال: «وأما ما حكاه محمد بن جرير عن أحمد رحمه الله أنه قال: من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع؛ فكما تقدم معنى قول الإمام أحمد رحمه الله: من قال إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهم، وعلمنا لماذا سماه جهميًا». وقال: «ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق -يقول إمام أحمد رحمه الله- فهو مبتدع؛ لماذا؟ قال أبو عثمان الصابوني: فإنما أراد به أن السلف من أهل السنة لم يتكلموا في باب اللفظ». السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان رضي الله عنهم وأرضاهم لم يتكلموا بهذا الكلام: «لفظي بالقرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟» لذا قال: «لم يتكلموا في باب اللفظ ولم يحوجهم الحال إليه». وإنما حدث الكلام في اللفظ من أهل التعمق وذوي الحمق الذين أتوا بالمحدثات وعتوا عما نوه عنه من الضلالات والذميم من المقالات، وخاضوا فيما لم يخض فيه السلف من علماء الإسلام. فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «هذا القول في نفسه بدعة، ومن حق المتسنن -أي من أهل السنة والجماعة المتبع لأهل السنة والجماعة ولسلف الأمة ولأئمتها رحمهم الله ورضي الله عنهم- أن يدعه ولا يتفوه به، ولا بمثله من البدع المبتدعة». ويقتصر على ما قاله السلف من الأئمة المتبعة: «أن القرآن كلام الله غير مخلوق»، ولا يزيد عليه إلا تكفير من يقول بخلقه. إذن الإمام أحمد رحمه الله تعالى حينما وصف من قال بأن لفظه بالقرآن غير مخلوق وصفه بأنه مبتدع؛ وذلك كما ذكر الصابوني رحمه الله أن هذا القول محدث لم يتفوه به أحد من السلف، لا من الصحابة، لا من التابعين، لا من تابعيهم رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا. وإنما أول من أحدثه أهل الأهواء والبدع، فنهى عنه الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ لأنه قول مبتدع في نفسه، أي: لم يؤثر هذا القول عن أحد من الأئمة قبلهم، ولا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا تابعيهم بإحسان. هذا أمر، وأمر آخر قد يتوجه، وهو أن الإمام أحمد رحمه الله نهى عن هذا إلى جانب ما تقدم عن الصابوني رحمه الله تعالى. أمر آخر وهو أن قول القائل: «لفظي بالقرآن مخلوق» لفظ مجمل؛ لأن قوله «لفظي» لفظ مصدر، والمصدر قد يراد به قد يكون على بابه، وقد يراد به المفعول -اسم المفعول-، فيراد باللفظ ملفوظي: «لفظي بالقرآن ملفوظي بالقرآن». وقد يراد «لفظي بالقرآن» على بابه. فإذا أراد «لفظي بالقرآن مخلوق» وأراد بذلك ملفوظي -أي الملفوظ الذي أتلفظ به وهو القرآن أو من القرآن- فهو مخلوق؛ فمعنى هذا الكلام أن القرآن مخلوق، وهذا كلام باطل، بل كفر بالله العظيم. وإن أراد «لفظي بالقرآن» -أراد المصدر على بابه- أي: التلفظ وفعله بفعله بحركاته وصوته ونبراته بأن فعله مخلوق -أي فعل العبد مخلوق- فالكلام صحيح، ولكن اللفظ مجمل. فلعل الإمام أحمد رحمه الله تعالى نظر إلى هذا المعنى؛ فلأجله نهى وقال بأن هذا الكلام مبتدع: «من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع؛ لماذا؟ لأن قوله غير مخلوق إن أراد ملفوظه -أي ما تلفظ به- أي: الملفوظ، إن أراد بذلك القرآن بأنه غير مخلوق فالكلام صحيح». وإن أراد المصدر على بابه فالكلام باطل؛ لأن معناه أن أفعال العباد غير مخلوق، وهذا باطل. إذن ننتبه ونفرق في الألفاظ المجملة. وأهل السنة والجماعة طريقتهم في الألفاظ المجملة يسلكون معها مسلكين: أهل السنة والجماعة يتعاملون مع الألفاظ المجملة بمعاملتين، ولهم في ذلك مسلكان. المسلك الأول: إغلاق هذا الباب رأسًا وأصلًا، وعدم التكلم بهذه الألفاظ مطلقًا، والنهي عن التكلم بهذه الألفاظ مطلقًا؛ لماذا؟ لأن إثباتها مطلقًا خطأ؛ لأنها بالإثبات المطلق إثبات للحق والباطل، ونفيها مطلقًا باطل؛ لأنه نفي للحق والباطل، وكلاهما خطأ. فلهذا كان من أهل السنة والجماعة من يغلق هذا الباب أصلًا ورأسًا، ويحكمون على هذه الألفاظ بأنها ألفاظ مبتدعة لا يتكلم بها، ولا ينبغي أن يتكلم بها؛ لماذا؟ لأنها تفتح بابًا من أبواب الشر والبدع على المسلمين. ومن هؤلاء الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإسحاق بن راهويه، ومن كان على شاكلتهم من الأئمة رحمهم الله؛ نهوا عن هذا الباب. المسلك الثاني من مسالك أهل السنة والجماعة في الألفاظ المجملة: وهو الذي اضطر إليه طائفة من الأئمة المتقدمين، كالإمام البخاري رحمه الله؛ توضيحًا لهذه المسألة وتقريرًا لها. وسار الناس بعد ذلك بسيره، وحققها ونقحها ووضحها وبيَّنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ذلك بيانًا واضحًا جليًا كافيًا شافيًا، وبعدهم تلميذه البار الإمام ابن القيم رحمه الله. وسار الناس بعدهم بسيرهم. وخلاصة ذلك أنهم يسلكون في الألفاظ المجملة أنهم يتوقفون في اللفظ من حيث الإطلاق نفيًا وإثباتًا، يتوقفون في اللفظ من حيث الإطلاق نفيًا وإثباتًا، ثم يستفصلون في المعنى، يستفصلون في المعنى، فيثبتون الحق وينفون الباطل. فيقولون للقائل: لمن قال: «أن لفظي بالقرآن مخلوق»، ماذا أردت؟ فإن قال: «أردت بلفظي بالقرآن مخلوق أن أفعال -أفعال الذي هي أفعال العباد- أي: صوت، قراءة، كتابة للقرآن في المصحف، هذه مخلوقة؛ لأنها من أفعال، وأفعال المخلوق مخلوقة». فيقال: «نعم، هذا المعنى الصحيح، لكن ماذا تقول في كلام الله؟ وماذا تقول في القرآن؟ هل هو من كلام الله تبارك وتعالى؟ هو غير مخلوق؟» إن قال: «نعم»، نقول: «حسن، ولكن لا تتكلم بهذا الإجمال، قل كما قال السلف، ولئلا رحمهم الله، قل: أفعال -قراءة، كتابة، صوت- بالقرآن مخلوق؛ لأنه من فعل المخلوق، أو تولد عن فعله، وما كان كذلك فهو مخلوق لله تبارك وتعالى القائل في كتابه: ﴿الله خالق كل شيء﴾، والقائل في كتابه: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾». وأما إن أراد بقوله: «لفظي بالقرآن» أن القرآن مخلوق؛ فهذا قول منكر وكفر بالله العظيم؛ لأنه صرح بأن القرآن مخلوق، ومن قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم. هذا من حيث الإثبات، ومن حيث النافي كذلك: إذا قال قائل: «أنا أقول لفظي بالقرآن غير مخلوق»، نقول له: «ماذا تقصد بهذا النفي؟ هل تقصد بأن القرآن غير مخلوق؟» فيقول: «نعم»، نقول: «المعنى صواب، ولا تعبر بهذا اللفظ، بل عبر بما عبر به السلف». وإن قال: «قصدته وعنيته بلفظي بالقرآن غير مخلوق أن أفعالي غير مخلوق»، فنقول: «هذا قول باطل؛ لأن أفعال العباد مخلوقة لله تبارك وتعالى، والقول بأن أفعال العباد غير مخلوق إنما هو من قول القدرية المعتزلة». فننتبه ونفرق بين هذا وذاك. فالحاصل من هذا أنا نقول -كما قال إمام رحمهم الله تعالى-: «أن صوت القارئ بالقرآن، لفظ القارئ بالقرآن، كتابة الكاتب بالقرآن، حفظ الحافظ للقرآن؛ هذه من أفعال المخلوق، أو متولدة عن أفعال المخلوق، وما كان من أفعال المخلوق فهو مخلوق». وأما المقروء الذي هو القرآن، أو المكتوب في المصاحف الذي هو القرآن، أو المحفوظ في الصدور الذي هو القرآن؛ فهذا من كلام الله تبارك وتعالى، وكلام الله تبارك وتعالى غير مخلوق. هذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة، والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.