شرح عقيدة السلف للصابوني 28

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 28، ألقاها

خطورة الأهواء والبدع مقارنة بالذنوب والمعاصي

يُبين الإمام الشافعي رحمه الله أن الوقوع في الأهواء والبدع أشد خطرًا من الوقوع في الذنوب والمعاصي لأنها تنبع من الشبهات التي يصعب التخلص منها. البدع تؤدي إلى ضلال دائم بينما الذنوب يمكن التوبة منها.

خطر البدعة على صاحبها ومقارنتها بالمعصية وتأثيرها على التوبة

المبتدع يتقرب ببدعته إلى الله مما يجعل توبته صعبة، بينما العاصي قد يتوب بسبب تحرجه من إثمه. السلف حذروا من الأهواء والبدع وأهلها حفاظًا على الدين.

تحذير السلف من مجالسة أهل الأهواء والبدع وأثرهم على الدين

السلف حذروا من مجالسة أهل الأهواء والاستماع إليهم حفاظًا على الدين، واستشهد بأقوال أيوب السختياني وأبي قلابة الجرمي في ذلك. الابتعاد عنهم ضروري لحماية الدين.

التحذير من الأهواء والبدع والتمسك بدين الفطرة

ينصح الشيخ بالتمسك بدين الفطرة وترك ما يخالفه من أقوال وأفعال ومعتقدات، ويحذر من المنافقين العلماء باللسان الذين قد يكونون سببًا في الوقوع في الشر والخطر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف، قال: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدين الفقيه، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خل الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء». هذا الأثر ثابت إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وله كلام كثير في هذا المعنى في ذم أهل الأهواء والتحذير منهم والتنفير عنهم، رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. فمنها هذه العبارة التي أُوثرت عنه وتناقلها الأئمة رحمهم الله تعالى عن هذا الإمام: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خل الشرك، كل ذنب معاصي يفعلها لكن سوى الشرك»، يقول الشافعي رحمه الله تعالى: «أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء». وهذا يدلنا على أن خطر الأهواء والبدع أشد من خطر الذنوب والمعاصي؛ لأن الكل يشمله أنه من الذنوب والمعاصي، ولكن المعاصي التي سببها الشهوات في نظر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى - وهو الحق الذي عليه كذلك السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم - وتوافقت عباراتهم في هذا المعنى على هذا المضمون، وهو أن البدع أشد خطرًا على العبد من الذنوب والمعاصي. وإن كانت الذنوب أصلًا ورأسًا هي من أعظم الخطر على العبد بل وعلى مجتمعه، لكن الذنوب تتفاوت، فالمعصية التي سببها الشهوة تتفاوت، وكذلك الأهواء أو المعاصي التي سببها الهوى والشبهات تتفاوت، لكن من حيث الجنس، فجنس البدع أشد خطرًا على العبد من جنس المعاصي والذنوب. لذا قال الشافعي رحمه الله تعالى هذه العبارة: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خل الشرك»، أي كل الذنوب سوى الشرك، يفعل معاصي خير أو أهوى من أن يفعل شيء من البدع. كأن الشافعي رحمه الله تعالى يقول: أي الرجلين عندك أحب: رجل مثلًا شرب الخمر، أو رجل من أهل الأهواء والبدع؟ لا شك ولا ريب أن الكل قد وقع في معصية وكبيرة وذنب، لكن من فعل معصية ذنبها أهوى، أهوى ممن فعل بدعة ومحدثة في الدين؛ لأن السبب الباعث في المعاصي - ومعصية الشهوات - والإنسان بغريزته فيه معنى الميل إلى الشهوات إلا من عصمه الله تبارك وتعالى ووفقه الله تبارك وتعالى، فمنعه الخوف من الله جل وعلا من ارتكابها. بخلاف الشبهات، الشبهات بابها واسع، لذا أُوثر كذلك عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى أيضًا بإسناد صحيح عنهم أنه قال: «إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية»، قال: «وذلك لأن المبتدع لا يتوب، بخلاف العاصي فإنه ربما تاب». يعني كلام الإمام سفيان الثوري إلى من وقع في معصية ومن وقع في بدعة، فكان من ظنهم إلى التوبة وإلى عدمها. فيقول صاحب المعصية إذا ارتكب المعصية، ارتكب المعصية هو في قرارة نفسه يعلم بأنه مذنب، ويبقى في نفسه حرج من فعله لتلك المعصية، بخلاف المبتدع، المبتدع يفعل البدعة وهو متقرب بها إلى الله، يعني يعمل المعصية ويتقرب بهذه المعصية إلى الله جل وعلا، فهل يرجى له توبة أو يمكن منه توبة في الأصل ما دام أنه على هذه الحال ولم يفق منها بتوبة من الله تبارك وتعالى ينزلها عليه وتوفيق، فإنه لا يكاد يتوب منها إلا أن يشاء الله جل وعلا. فهذا يدلنا على خطر البدعة على صاحبها؛ لأنهم يتقرب بها إلى الله، المبتدع يتقرب ببدعته إلى الله جل وعلا، فلا يرجى منه توبة لأجل هذا، بخلاف العاصي فإنه ربما فعل الإثم ويتحرج منه، وربما يكون ذلك سببًا لتوبته وأوبته إلى الله جل وعلا. هذا باعتبار العامل، وباعتبار العامل كما تقدم في كلام الشافعي رحمه الله: أن جنس البدعة أخطر وأشد إثمًا من جنس المعاصي، أي سوى الشرك بالله جل وعلا. فاجتمع عندنا أن البدعة أشد من المعصية من حيث الجنس، والمبتدع أشد خطرًا وإثمًا من العاصي لما تقدم ذكره، فمنه يعلم خطر الوقوع في شيء من الأهواء والبدع. قال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: أخبرني أبو الطاهر محمد بن الفضل، قال: حدثنا أبو عمر الحيري، قال: حدثنا أبو الأزهر، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: «إلزم دين الصابين في الكتاب والأعراب، واهجر عما سوى ذلك». وهذا فيه كذلك نصح السلف رضي الله عنهم وأرضاهم والأئمة لمن سألهم عن الأهواء بأن يتباعدوا عنها وأن يجتنبوا منها وأن يتباعدوا عن أهلها حفاظًا على الدين، حفاظًا على القلب من الوقوع في الشبهات. وكما أُوثر عن بعض السلف رحمهم الله تعالى - يعني جاء هذا المعنى عن سفيان فيما أذكر - أنه قال: «إذا أصغى المسلم إلى المبتدع فقد أسقط عن نفسه عصمة الله جل وعلا له، ووكل إلى نفسه». أي أن الله جل وعلا قبل وقوعه في هذا الأمر كان معصومًا بعصمة الله جل وعلا له، فإذا أصغى كان ذلك الفعل منه سببًا لنزع ذلك الحفظ وتلك العصمة من الله جل وعلا، وأن يوكل إلى نفسه. وهذا ومعنى الخذلان والعياذ بالله؛ لأن حقيقة التوفيق أن يسددك الله جل وعلا، وأن يكون الله جل وعلا معك في كل ما يصدر منك من قول، من فعل، من اعتقاد، هذا هو معنى التوفيق. والخذلان هو أن يكلك الله جل وعلا إلى نفسك، أن يكلك الله جل وعلا إلى نفسك. فالأئمة رضي الله عنهم ورحمهم الله كانوا حذرين محذرين لغيرهم من الكلام مع أهل الكلام والأهواء والبدع، أو الإصغاء لهم أو الاستماع لهم. كما جاء عن بعضهم أنه قال: «الشبه خطافة والقلوب ضعيفة»، وكما جاء أيضًا عن بعضهم - يعني رؤيا عن أو ثبت عن أيوب السختياني رضي الله عنه ورحمه الله - جاءه رجل من أهل الأهواء والبدع، فقال له: «أقرأ عليك آية»، فماذا كان منه رضي الله عنه ورحمه الله؟ قال: «ولا نصف آية»، معاملة لأهل الأهواء بهذه المعاملة لا يصغى إليهم ولو بشيء، ولو زعم وادعى أنه سيسمعك من كتاب الله جل وعلا آية. لا تقول: يا أخي لعل الحق معه، لعل عنده شيء من الحق نسمع ما عنده من الحق، كما يحصل من بعض من في دينه ريب في قلبه ريب في أمره ريب وشك مما هو عليه، يقول: لعل، ليش لماذا، لماذا لما نباعد هؤلاء؟ لعل عندهم شيء من الحق نسمع ما عندهم من الحق، فإن كان عندهم حق قبلناه، وإن كان عندهم باطل رددناه، وما شابه ذلك. يا مسكين، هل تستطيع أن تملك قلبك؟ إن كان نعم فقد خذلت، وإن كان لا، فعليك بما عليه السلف من المباعدة. من أنا وأنت عند مثل هذا الإمام رحمه الله تعالى ورضي الله عنه؟ أيوب بن أبي تميمة السختياني إمام من أئمة المسلمين، رضي الله عنه ورحمه الله، إمام في التقى، إمام في السنة، إمام في الزهد، إمام في الحديث، إمام في الفقه، ومع هذا يأتيه الرجل فيقول: «ولا نصف آية»، لا أسمع لك، أنت من أهل الأهواء من أهل البدع، لا أسمع لك ولا شيء. بل يقول أبو قلابة الجرمي - وهو من أئمة التابعين رحمه الله تعالى ورضي الله عنه -: «لا تجالس أهل الأهواء، ولا تخالطهم، ولا تستمع إليهم؛ فإني أخشى عليكم أن يلبس عليكم دينكم». هذا في زمن متى؟ في زمن العافية، في زمن التابعين وتابعيهم، في زمن وصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأنه خير القرون: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ومع هذا يقول أبو قلابة الجرمي رحمه الله هذا الكلام لمن حوله: «لا تجالس أهل الأهواء»، فكيف بحالنا اليوم؟ قد كثرت الأهواء بشتى أنواعها، بل دخلت الأهواء إلى كثير من الناس إلى بيوتهم، كم من البيوت اليوم يفتحون القنوات يتكلم فيها كل صاحب فكر يتكلم فيها كل صاحب فكر ورأي وهوى بما يتكلم به، والناس ينظرون، بل ربما حصل شيء من المناظرات بين بعض المنتسبين إلى السنة أو من أهل السنة ممن أخطأوا في هذا الباب يناظرون غيرهم علانية أمام العوام، تنقل في التلفاز إلى العوام في القنوات إلى العوام. ورب شبهة يلقيها المبتدع فتقع في قلب أحد هؤلاء الناس أو طائفة من الناس فينحرف قلبه من السبب، ثبت عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «لا تجادل أهل الأهواء»، قال: «فإنهم لا يرجعون عن باطلهم»، قد يقول قائل: ألم يناظر الإمام أحمد غيره من أهل الأهواء؟ ألم يناظر غيره من الأئمة غيره من أهل الأهواء؟ شيخ الإسلام ابن تيمية وفلان وفلان من الأئمة؟ نقول: نعم، لكن بضوابطها، بضوابط المناظرة التي وضعها العلماء رحمهم الله تعالى، وبشروطها، لا يكون الأمر مفتوحًا على كيفية لا يرضاها أحد من العقلاء فضلًا عن العلماء. رحم الله علماءنا أحياء وأمواتًا، قال رحمه الله تعالى: قال: «فإلزم دين الصبي»، أي ابقَ على دين الفطرة، الصبي على أي دين؟ جماعة على دين الفطرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «كل مولود يولد على الفطرة»، فينصح أن يبقى الناس على دين الفطرة، على دين الصبيان. قال: «والأعراب»، أي الأعراب الذين بعيدون عن هذه الأهواء والبدع، ينصح كذلك أن يكون الإنسان على دين الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال رحمه الله تعالى: «واهجر عما سوى ذلك»، أي دع كل ما يخالف دين الفطرة من الأقوال، من الأفعال، من المعتقدات، ولو كان صاحبها وقائلها والمتكلم فيها عالِم اللسان. فقد جاء في الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم: «أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان»، لسانه كما يقال عسل، عليم اللسان، لكن في هذا العسل السم الزعاف، من دنى منه وذاقه وقع في الشر العظيم والخطر الجسيم، نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا الأهواء والأدواء، إنه قريب مجيب. صلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على