شرح كتاب الطهارة 18

الدرس في شرح كتاب الطهارة 18، ألقاها

سنن الوضوء وأحكامها

يشرح هذا الفصل سنن الوضوء وهي الأفعال المستحبة التي يؤجر عليها من فعلها، مثل التسمية والسواك وغسل الكفين ثلاثا. كما يوضح بعض الأحكام المتعلقة بهذه السنن مثل المبالغة في المضمضة والاستنشاق.

تفاصيل سنن الوضوء وتطبيقها

يتطرق هذا الفصل إلى تفاصيل بعض سنن الوضوء مثل تقديم اليمنى على اليسرى وتخليل اللحية وتثليث الغسل. كما يناقش الخلاف بين أهل العلم في بعض هذه السنن مثل تخليل اللحية الكثيفة.

أذكار ما بعد الوضوء

يتناول هذا الفصل الأذكار التي تقال بعد الوضوء، ويوضح أنه لا يوجد ذكر وارد عن النبي أثناء الوضوء. كما يشير إلى الأذكار الواردة بعد الفراغ من الوضوء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الخامسة: سننه، أي سنن الوضوء. قال: هناك أفعال يستحب فعلها عند الوضوء، ويؤجر عليها من فعلها، ومن تركها فلا حرج عليه، وتسمى هذه الأفعال بسنن الوضوء، وهي: أولًا: التسمية في أوله، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». هذا الحديث اختلف أهل العلم في تصحيحه، فمنهم من صححه، ومنهم من ضعفه. والإمام أحمد -رحمه الله- يقول: لا أعلم في هذا الباب حديث صحيح. وإذا صح منه شيء، فهو محمول على الاستحباب، والنفي يكون فيه للكمال، النفي فيه يكون للكمال، لا وضوء، أي لا وضوء كامل، ولا يدعى نفي الصحة. وذلك لأن الذين وصفوا وضوء النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكروا فيه البسملة، لم يذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمي في أوله. ولو كان فرضا أو واجبا لفعله عليه الصلاة والسلام. هذا إذا صح الحديث، فيحمل على نفي الكمال. فأقل أحواله هو الاستحباب، مع ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من استحباب التسمية في كثير من الأفعال. قال ثانيًا: السواك، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء». هذا الحديث ذكره البخاري -رحمه الله- معلقا بصيغة الجزم، ووصله النسائي -رحمه الله-. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك»، يعني أمر إيجاب، لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا فهو مستحب. قال ثالثًا: غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء، لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك، إذ كان يغسل كفيه ثلاثا، كما ورد في صفة وضوئه كما وصفها عبد الله بن زيد وعثمان -رضي الله تعالى عنهما-. فغسل الكفين في أول الوضوء مستحب، ليس بواجب، إلا إذا كان غسلها بعد الاستيقاظ من النوم، فهنا يجب. وأما إن كان الوضوء لم يسبق بنوم، فلا يجب غسل الكفين، وإنما يستحب. معناه: لو جاء الإنسان مباشرة إلى الماء وبدأ بمضمضة والاستنشاق وغسل الوجه، ثم غسل يديه وأتى ببقية الأعضاء والأركان، صح وضوءه، لأن غسل الكفين في أوله مستحب. قال رابعا: المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم، فقد ورد في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم: فمضمض واستنثر. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». هذا حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود والنسائي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». المبالغة في الاستنشاق، يعني المبالغة في إدخال الماء إلى داخل الأنف، تبالغ في ذلك إلا إذا كنت صائما فلا تبالغ، خشية أن يصل الماء من الأنف إلى الحلق فينزل إلى الجوف. والمضمضة والاستنشاق تكون ثلاثة مرات، بغرفة واحدة تكون بغرفة واحدة، تأخذ الماء، تتمضمض ببعضه وتستنشق ببعضه. هكذا المضمضة والاستنشاق المرة الثانية والثالثة تكون بثلاث غرفات. قال خامسا: الدلك وتخليل اللحية الكثيفة بالماء حتى يدخل الماء في داخلها، لفعله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا توضأ يدلك ذراعيه. وهذا الأثر رواه ابن حبان والبيهقي في السنن الكبرى. وكذلك كان يدخل الماء تحت حنكه ويخلل به لحيته، وهذا رواه أبو داود وصححه بعض أهل العلم. وهذه الأحاديث تدل على استحباب الدلك، يعني دلك العضو عند الغسل، تدلكه باليد الأخرى. وأيضا تخليل اللحية، وخاصة إذا كانت كثيفة، تخليلها بأن يدخل الماء إلى داخلها مع تخليل بالأصابع، أصابع اليد. وتخليل اللحية فيه خلاف بين أهل العلم في استحبابه، للاختلاف في الأحاديث الواردة في ذلك. فبعض أهل العلم حسن بعض الأحاديث الواردة في ذلك، ومنهم من ضعفها. وقد ضعف الأحاديث الواردة في تخليل اللحية بعض الأئمة كالإمام أحمد والإمام أبي حاتم. فإذا كانت اللحية خفيفة، والبشرة ترى من تحتها، وجب تخليلها، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فواجب، لأن غسل البشرة واجب. فإذا كانت ترى، وجب غسلها، وإن كانت لا ترى فلا يجب. وعلى القول بصحة هذه الأحاديث، فيستحب تخليل هذه اللحية الكثيفة. قال سادسا: تقديم اليمنى على اليسرى في اليدين والرجلين، لفعله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. هذا الحديث في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن»، يعني تقديم اليمين، تقديم اليمين في تنعله، في لبسه النعال إذا لبس النعل يبدأ أولا باليمين. وفي ترجله، يعني في تمشيط شعره، يبدأ بالشق الأيمن ثم الشق الأيسر. وطهوره، يعني في وضوئه، إذا توضأ فإنه يبدأ بغسل الميامن ثم غسل اليسار. وفي شأنه كله، يعني في سائر أحواله، فإنه يقدم اليمين. إذا تقديم اليمنى على اليسرى في اليدين والرجلين في الوضوء مستحب وليس بواجب، يعني إذا غسل الإنسان وجهه ثم غسل اليسرى ثم اليمنى، فوضوه صحيح، لأن تقديم اليمنى على اليسرى مستحب وليس بواجب. وإذا غسل قدميه فغسل اليسرى أولا ثم بعد ذلك غسل اليمنى، فوضوه صحيح. قال سابعا: تثليث الغسل في الوجه واليدين والرجلين، فالواجب مرة واحدة، ويستحب ثلاثا، لفعله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا. وهذا الحديث في صحيح البخاري وفي مسلم، لكن عنده ذكر الثلاث فقط. فذكر المرة والمرتين في صحيح البخاري. إذن الواجب هو الغسل مرة واحدة، فإذا استوعبت العضو استوعبت العضو كاملا بغسلة واحدة، أتيت بالواجب. فما زاد عن الواحدة فهو مستحب. فإذا كانت الواحدة لا تكفي، واجب عليك أن تأتي بالثانية، ويستحب أن تتوضأ ثلاثا. ولو استوعبت العضو بالغسلة الواحدة، يستحب أن تتوضأ ثلاثا. ولو فعلت، يعني هذا أحيانا تغسل مرة ثلاثا ومرة مرتين، من باب الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فهذا أمر حسن. أو بعض الأعضاء تغسلها ثلاثا وبعضها مرتين، هذا جائز كما ثبت في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام. لكن كونك تغسلها ثلاثا هذا هو المستحب، وهو الأكثر من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. قال ثامنا: الذكر الوارد بعد الوضوء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». وهذا الحديث رواه الإمام مسلم من حديث عمر -رضي الله تعالى عنه-. يعني يستحب إذا توضأت أن تأتي بهذا الذكر الوارد في الوضوء بعد الوضوء. «ما منكم أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء»، معنى إسباغ الوضوء، أي يعطي كل عضو حقه من الغسل، يعطي كل عضو حقه من الغسل، ثم يقول، أي بعد انتهائه من الوضوء: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». هذا يدل على فضيلة عظيمة في هذا الذكر الذي يقوله المسلم بعد فراغه من الوضوء، وأنه من أسباب دخول الجنة. وقد جاءت زيادة عند الترمذي بزيادة: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين». وبعض أهل العلم تكلم في هذه الزيادة، وحكم عليها بالاضطراب. قال الإمام الترمذي: أعل هذه الزيادة بالاضطراب. وبعض أهل العلم حسنها. وليس في أثناء الوضوء ذكر وارد عن نبي عليه الصلاة والسلام، إنما ورد عنه هو هذا الذكر بعد الفراغ من الوضوء. وأما في أثناء الوضوء، فليس هناك ذكر ثابت عنه عليه الصلاة والسلام. طيب الله ثراه، صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على