الدرس في شرح كتاب الطهارة 33، ألقاها
يتناول هذا الفصل الأحكام المتعلقة بما يحرم على الرجل فعله تجاه زوجته أثناء الحيض أو النفاس، مثل الجماع. يُحرّم وطء الحائض في الفرج بإجماع العلماء، بينما يجوز الاستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة.
يتناول هذا الفصل الأحكام المتعلقة بالحيض للنساء، مثل تحريم الطلاق أثناء الحيض، وتحريم الصلاة والصوم أثناء الحيض، وعدم جواز الطواف. يُوضح المقطع الأدلة الشرعية من القرآن والسنة النبوية على هذه الأحكام.
يتناول هذا الفصل آراء الفقهاء حول حكم دخول الحائض المسجد، حيث اختلفوا بين المنع والجواز إذا أمنت التلويث. كما يتناول جواز حضور الدروس والمحاضرات خارج المسجد لعدم وجود دليل يمنع ذلك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الرابعة: ما يحرم بالحيض والنفاس. قال: يحرم بسبب الحيض والنفاس أمور، أولا: الوطء في الفرج، لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». والحديث في صحيح الإمام مسلم. وطء الحائض في الفرج محرم، لا يجوز. قال تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾. المراد باعتزال النساء، أي: في مجامعتهن، في الوطء في الفرج، هذا هو الممنوع، حتى ينقطع الحيض، ثم تغتسل، في قول جمهور أهل العلم، لقول الله جل وعلا: ﴿حتى يطهرن﴾ بمعنى ينقطع الدم. فإذا تطهرن، أي: اغتسلن، فأتوهن من حيث أمركم الله. وأما الاستمتاع بهن بغير الوطء، هذا جائز، اتفق العلماء على أنه يجوز الاستمتاع بالحائض بما فوق السرة وما دون الركبة. وحصل الخلاف فيما بين السرة والركبة، فذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع من الاستمتاع بالحائض فيما بين السرة والركبة، واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر نساءه إذا أصابهن الحيض بالإتزار، كان يأمرهن أن يأتزرن، ثم يباشرهن. وذهب آخرون إلى الجواز، جواز الاستمتاع بالمرأة فيما بين السرة والركبة، واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وهذا القول قول الإمام أحمد رحمه الله. والقول بالمنع قول الجمهور، والقول بجواز الاستمتاع من الحائض بما بين السرة والركبة قول الإمام أحمد رحمه الله، وهو الصحيح. بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، يعني: الوطء، هذا هو الممنوع، أما الاستمتاع في غير ذلك، فلا دليل على المنع. وأما كون النبي عليه الصلاة والسلام يأمر من كانت حائضا أن تأتزر، هذا على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب. ومن وطئ امرأته وهي حائض، فما الذي عليه؟ جمهور أهل العلم يقولون: عليه التوبة، عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الكفارة، لما ورد في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى امرأته وهي حائض، فل يتصدق بدينار أو نصف دينار». لكن الحديث في خلاف تصحيحه. وذهب جماعة من أهل العلم إلى تضعيف هذا الحديث، ومن صححه ألزم بالكفارة، أن يتصدق بدينار أو نصف دينار. والدينار قدره أربع جرامات وربع من الذهب. والجمهور، كما سمعنا، لا يرون صحة هذا الحديث، فيقولون: عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. ثانيا: الطلاق، لقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر لما طلق ابنه عبد الله امرأته في الحيض: «مره فليراجعها». الحديث. مما يترتب أو يحرم بسبب الحيض والنفاس الطلاق، لا يجوز للرجل أن يطلق امرأته وهي حائض. الله عز وجل يقول: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، وعدتهن أن تطلق وهي طاهر في طهر لم يجامع فيه، أو وهي حامل. وأما أن يطلق وهي حائض، هذا الطلاق محرم، ويسميه العلماء والفقهاء بالطلاق البدعي، لا يجوز. ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما طلق امرأته وهي حائض، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يرجعها. قال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء فارق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». إذن، لا يجوز أن يطلق الرجل امرأته وهي حائض. ثالثا: الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة». والحديث في الصحيحين. فالحائض يحرم عليها الصلاة، يحرم عليها الصلاة. قال: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة»، اتركيها. وفي حديث ابن عمر حين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بنقصان عقل المرأة ودينها، فسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، قال: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟» فالحال: لا تصلي ولا تصوم، بل يحرم عليها الصلاة، ولو صلت، فصلاتها باطلة، وهي آثمة إذا صلت وهي حائض، فهي آثمة. وسئلت عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». والحكم في ذلك أن الصلاة إعادتها فيها مشقة، لأنها تكرر في كل يوم خمس مرات، فقضاءها فيه شيء من المشقة. رابعا: الصوم، مما يحرم على الحائض الصوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصلي؟» قلنا: بلى. فالحائض لا يجوز لها الصيام، كما سمعنا، فعليها أن تفطر متى ما رأت الدم، وجب عليها الفطر، ولو رأت قبل غروب الشمس بلحظات أو فترة يسيرة، عليها أن تفطر. خامسا: الطواف، لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». والحديث في الصحيحين، في حجة النبي عليه الصلاة والسلام، لما حج، وكان معه أزواجه، فحاضت عائشة قبل الطواف، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «افعلي ما يفعل الحاج»، يعني: في أعمال الحج، من أعمال الحج، كالسعي والرمي والوقوف بعرفة إلى آخر ذلك، إلا الطواف بالبيت. سادسا: قراءة القرآن، وهو قول كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين، يعني: أن الحائض لا تدرأ القرآن، لا تدرأ القرآن، ومن بعدهم. لكن إذا احتاجت إلى القراءة، كأن تحتاج إلى مراجعة محفوظها حتى لا ينسى، أو تعليم البنات في المدارس، أو قراءة وردها إذا كان لها ورد معلوم تدرأه في كل يوم، جاز لها ذلك. وإن لم تحتج فلا تقرأ، كما قال به بعض أهل العلم. ومنعها من قراءة القرآن في الحقيقة ليس فيه دليل صحيح صريح، والأصل هو الجواز، وعلى هذا فيجوز لها أن تقرأ القرآن، لكن غير مس المصحف، إذا أرادت أن تقرأ يعني من حفظها، فلا بأس. سابعا: مس المصحف، بقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾. ومر معنا الكلام على هذه المسألة في الكلام على مسألة محدث للمصحف، وقلنا: أنه صحيح أنه لا يجوز له مس المصحف حتى يتطهر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر». ولأن هذا القول هو الثابت عن الصحابة رضوان الله تعالى عنهم. ثامنا: دخول المسجد واللبث فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا أحل المسجد لجنب ولا حائض». ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يدني رأسه لعائشة وهي في حجرتها، فترجله وهي حائض، وهو حينئذ مجاور في المسجد. وكذا يحرم عليها المرور في المسجد إن خافت التلويث، فإن أمنت التلويث لم يحرم. دخول المسجد واللبث فيه، يقول: مما يحرم على الحائض أن تدخل المسجد وتلبث فيه، يعني: تجلس فيه. واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أحل المسجد لجنب ولا حائض»، يعني: ما أحل للجنب والحائض دخول المسجد وجلوس فيه. وهذا الحديث رواه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف، فيه جسرة بنت دجاجة، وهي مجهولة. بل قال البخاري رحمه الله: عندها عجائب. وضعف الحديث جماعة من أهل العلم، كما ذكر الإمام الألباني رحمه الله، ونقله عن الإمام الخطابي، ومنهم البيهقي وابن حزم. والقول بمنع الحائض من دخول المسجد قول جمهور أهل العلم. وذهب جماعة من العلماء، وهو قول الظاهرية، داود، وجماعة من العلماء المعاصرين، كالألباني والوادعي وغيرهما، إلى أنه يجوز أن تدخل الحائض المسجد، وأن تلبث فيه إذا تحفظت وأمنت من تلويث المسجد، فلا مانع من ذلك. والأصل هو الجواز حتى يأتي الدليل الذي يدل على المنع. واستدل كذلك بقصة المرأة التي كانت تقوم على المسجد تنظفه، وكان لها خباء في المسجد. الحديث في الصحيح. ومعلوم أن المرأة يعتريها ما يعتري غيرها من النساء من الحيض ونحو ذلك، ومع ذلك لم يمنع النبي عليه الصلاة والسلام من المكث في المسجد. وقول النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة حين قال: «ناوليني الخمرة»، قالت: «إني حائض»، قال: «حيضتك ليست في يدك». الجمهور يستدل به على منع الحائض من دخول المسجد، وهذا بالحقيقة ليس بصريح في المنع. نعم، «حيضتك ليست في يدك»، يعني: أنه لا بأس أن تدخل يدها في المسجد، لكن ليس فيه منع صريح عن دخول المسجد. بل صح عن أم سلمة عند من أبي شيبة وغيره بسند حسن بالشواهد، كما قال الألباني رحمه الله، أنها كانت تقول: «كانت إحدانا تقوم بخمرتها فتضعها في المسجد، تأتي بخمرتها فتضعها في المسجد وهي حائض». فالقول الصحيح أنه يجوز لعدم الدليل الذي يدل على المنع، وخاصة إن كان في ذلك أيضا حاجة، يعني: تحتاج أن تحضر إلى درس أو محاضرة أو نحو ذلك، لكن كما قلنا مع التأكد من عدم تلويث المسجد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.