شرح لمعة الإعتقاد  19

شرح لمعة الإعتقاد 19

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في صفة الكلام لله تعالى

يتناول المؤلف صفة الكلام لله تعالى، موضحًا أنها صفة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، مع شرح سبب تخصيصها بفصل مستقل. يُظهر المقطع دلالات الأدلة من القرآن والسنة والعقل على ثبوت هذه الصفة.

تفصيل صفة الكلام وتقسيم الصفات

يُناقش المؤلف تفاصيل صفة الكلام لله تعالى، مُثبتًا أنها صفة كمال لله، ويُبيّن تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية، موضحًا أن صفة الكلام تجمع بينهما باعتبارات مختلفة. يُفصّل أيضًا في كلام الله، موضحًا أنه قديم النوع، حادث الآحاد.

إثبات صفة الكلام لله تعالى بالأدلة

يناقش المؤلف إثبات صفة الكلام لله عز وجل مستندًا إلى الآيات القرآنية، ويرد على المعتزلة الذين ينفون هذه الصفة عن الله. يُظهر أن كلام الله مسموع وليس كمثله شيء، ويستدل بآيات قرآنية أخرى.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل كلام الله تعالى. قال: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه. قوله رحمه الله تعالى: فصل، أي بمعنى أن هذا الكلام مفصول عن سابقه، والفصل في اللغة بمعنى الحاجز بين الشيئين، فهذا الكلام مفصول عما قبله. وخص المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل بالكلام عن صفة من الصفات الثابتة لله عز وجل، ألا وهي صفة الكلام. فقال: فصل كلام الله تعالى، ثم قال: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم. بقي مسألة: لما المؤلف رحمه الله تعالى ميز هذه الصفة عن باقي الصفات؟ هو لا زال يتحدث عن صفات الله عز وجل، فهذه الصفة تلحق ما كان من قبل، فلماذا ميزها؟ لماذا خصها بهذا الفصل المميز؟ قال علماء: وذلك لعظيم الخلاف والافتراق بين أهل البدع والأهواء مع أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وفي هذه الصفة. فقد اختلف الناس في إزاء هذه الصفة إلى أقسام عديدة وإلى أقسام كثيرة. فالمؤلف رحمه الله تعالى راعى هذا الاختلاف، فجعل هذه المسألة من المسائل المميزة لنفسها، حتى يستوعب فيها الأدلة الدالة على ثبوتها بالوجه اللائق لله سبحانه وتعالى. فقال: فصل كلام الله تعالى. وصفة الكلام، إخواني في الله، وكذلك مما يذكر دلالة على اختلاف الناس في صفة الكلام، ما كان يطلقه أهل السنة والجماعة على أهل الأهواء بأنهم أهل الكلام. كما قال الشافعي: حكمي في أهل الكلام بأن يضربوا بالجريد والنعال. فمن الذي عناه الشافعي رحمه الله تعالى بأهل الكلام؟ هم أهل البدع. وتجد هذا في مؤلفات أهل السنة والجماعة أنهم يلمزون أهل البدع بأهل الكلام. وهذا من إطلاقات أهل الكلام، فتارة تطلق على الفلاسفة واليونان والمناطق، وتطلق كذلك على أهل البدع. طيب ننظر لما سمى أهل السنة والجماعة أهل البدع بأهل الكلام؟ قيل: لأن المتدع إنما يشغبون على دين الله جل وعلا بالمجادلة، ما عندهم أدلة، وإنما عندهم الشغب بالكلام والصفصطة وذكر الكلام العاري عن الأدلة. ولهذا سموهم أهل السنة بأهل الكلام، ما عندكم إلا الكلام. قيل هذا، وقيل: هذا الذي مراد في هذا الباب، لكثرة ما وقعوا في صفة الكلام لله، أي هؤلاء من صفة أهل البدع أنهم خاضوا في صفة الكلام الله عز وجل تحريفًا، تشويهًا، تمثيلًا، تعطيلًا، إلغاءً، خاضوا وخاضوا وخاضوا في هذه الصفة حتى شهروا بها. فسماهم أهل السنة بأهل الكلام، أي أنهم خاضوا بهذه الصفة أيما خوض. فإذن كذلك ذلك على عظيم ما ابتلي به أهل البدع في خوضهم في هذه الصفة. لذا ناسب للمؤلف رحمه الله تعالى أن يعقل فصلًا خاصًا متعلقًا بهذه الصفة على حدة. قال: فصل كلام الله تعالى. وكلام الله جل في علاء ثابت بالكتاب والسنة وبإجماع السلف. والمؤلف كما تلاحظون في هذا الفصل أشبع وأشبع البحث بذكر الأدلة وبسردها. آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى تدل على أن الله قد تكلم جل في علاء بكلام يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وكذلك من الأدلة التي تدل على صفة الكلام المترادفات، فتجد أن هناك ألفاظًا متغايرة في لفظها، لكنها تجتمع في أصل المعنى. فتجد أن مما يستدل به على صفة الكلام لله عز وجل كل كلمة فيها إثبات النداء لله عز وجل، يا أهل الكتاب وهكذا. ما الآيات التي فيها المناجاة والآيات التي فيها القول والآيات التي فيها الحديث؟ هذه آيات التي تنسب لله عز وجل، وإن كانت مختلفة في لفظها، لكن كلها تجتمع على إثبات الكلام. فالمناجاة كلام، النداء كلام، القول كلام، الحديث كلام، كل ذلك في إثبات لصفة الكلام سبحانه وتعالى. وبهذا تطلع أن الأدلة الدالة على كلام الله من القرآن كثيرة وكثيرة جدًا. وهكذا من السنة، سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الأدلة من السنة النبوية الدالة على إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى. وهكذا أجمع السلف، أجمع السلف من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لا يعرف عنهم مخالف في رد هذه الصفة أو بتعطيلها أو بتمثيلها أو بتأويلها، بل كلهم على قلب رجل واحد في إثبات هذه الصفة. وعلى هذا جرى التابعون، ثم أتباع التابعين، ما خرج عنهم أحد من الجادة. وكذلك حتى دلالة العقل، العقل يثبت هذه الصفة، صفة الكلام، لأن صفة الكلام من صفات الكمال. صفة الكلام من صفات الكمال، هذا تلاحظه أن رجلًا أخرس، هذا ماذا يقال عنه؟ هل هذا كامل الكمال البشري النسبي، أو أنه اعتراه نقص؟ نقص. ولهذا حتى كان الأنبياء إذا جادلوا أقوامهم في إثبات المعبودات التي عُبدت من دون الله، كان من أعظم ما يستدلون به على إثبات هذه المعبودات أنها خرس، أنا لا تتكلم. كما وقع لموسى عليه السلام عندما قام قومه باتخاذ العجل، قال: أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولًا؟ انظروا هذا آلهة، انسألوه، كلموه، دعوا يتكلم معكم أمرًا ونهيًا، ما يمكن هذا. فكان دلالة العقل تدل على من كان أخرس أصلا ليست فيه صفة كمال، فالكلام أخواني في الله الكلام صفة كمال، دل العقل عليها. وهكذا إبراهيم عليه السلام عندما كسر الأصنام بيده، ثم قام قومه وعاتبوه ولاموه، ما الذي قال؟ قال: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. لماذا تحاجونني؟ انظروا لهذه الأصنام الموجودة الحاضرة إلى مشهد التكسير، فكانت شاهدة، سألوها، سألوها لعلها تنطق، فعلموا أنها لا تنطق. فكان ذلك دلالة على أن العقل يدل على أن الكلام صفة كمال. ولهذا فإن الله عز وجل له صفة كمال. ولهذا إخواني في الله تلاحظوا أن الأشاعرة عندما أثبتوا الصفات السبع، أثبتوا صفة الكلام. معنا الأشاعرة وهم مؤولة، لكن كيف أثبتوا صفة الكلام؟ لدلالة العقل، هما أثبتوا أصلًا هذه الصفات السبع إلا لدلالة العقل عليها. الحياة والعلم والقدرة، وأثبتوا كذلك صفة الكلام، لماذا؟ لأن العقل يدل على أن الكلام صفة كمال، صفة كمال يستحقها الرب سبحانه وتعالى. مع التنبيه: الأشاعرة مع أنهم أثبتوا صفة الكلام لله عز وجل، لكن ليسوا ساروا على ما سار عليه أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة. نعم، هم أثبتوها بأن الله يتكلم جل فعلًا، لكن إذا رأينا إلى تفصيلهم، تجد أنهم قد غايروا وخالفوا ونازعوا أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة على حقيقتها. فعندهم أن الكلام هو الكلام النفسي. وسيأتي هذا معنى بإذن الله. ولا شك أخواني في الله هم خالفوا أهل السنة والجماعة في أمرين عظيمين في العقيدة، في التأصيل والتفصيل، هم خالفوا في التأصيل وخالفوا كذلك في التفصيل. فهم ليسوا من أهل السنة، ينبغي أن نفهم ذلك. وإن كان الكثير من المتأخرين يحاول أن يتزلف الأشاعرة وهي الماتوردية، ويحسبهم من مجموع أهل السنة والجماعة، هم ليسوا من أهل السنة. شتان شتان بين اعتقاداتهم وبين اعتقادات أهل السنة. كم قامت حروب بين أهل السنة وبين هؤلاء؟ ردود وهكذا تضليل، بل هم قد ضلوا سواء السبيل في كثير من مسائل العقيدة، وخاصة في باب الأسماء والصفات. فهم إن أثبتوا بعض الأسماء والصفات لفظًا، لكنهم خالفوا في تثبيتها على وفق الكتاب والسنة. الشاهد إخواني في الله أن صفة الكلام مما جاء الكتاب والسنة وإجماع السلف على ثبوتها. بل كذلك ما يقال دلالة العقل، أثبتت أن صفة الكلام هي صفة كمال تليق بجناب الرب سبحانه وتعالى. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: فصل كلام الله تعالى. وكذلك مما يذكر في صفة الكلام الله عز وجل أن الصفات بشكل عام، إخواني في الله، تنقسم إلى صفات ذاتية وإلى صفات فعلية. ذاتية لا تنفك عنه جل فعلًا، لا زال متصفًا بها. وفعلية ضابطها هي التي متعلقة بمشيئته، متعلقة بمشيئته. فمن الصفات ما هي ذاتية، ومن الصفات ما هي فعلية. وأحيانًا قد تجتمع الذاتية والفعلية في صفة، أحيانًا تجتمع، وذلك كالتي بين أيدينا وهي صفة الكلام. فصفة الكلام هي صفة ذاتية، وهي أيضًا كذلك صفة فعلية، ذاتية باعتبار، وفعلية باعتبار آخر. صفة الكلام صفة ذاتية فعلية، لكن باعتبارات، ليس باعتبار واحد، كل باعتباره. فصفة الكلام صفة ذاتية لله، بمعنى أن الله جل وعلا كان متكلمًا ولا يزال متكلمًا جل في علاه. فلا يتظن أن الله لم يكن متكلمًا ثم طرأ عليه الكلام، لا، بل هي صفة ذاتية لا تنفك عنه سبحانه وتعالى، كصفة العلم وكصفة الحياة. هي صفة ذاتية، وهفة الرب سبحانه وتعالى متصفًا بالكلام، فهي صفة ذاتية. وأيضًا هي صفة فعلية، معنى فعلية أي أنها متعلقة بمشيئته. متى ما شاء الرب تكلم جل في علاه، متى ما شاء تكلم سبحانه وتعالى. تكلم قبل أن يخلق السماوات والأرض، تكلم بعد أن خلق السماوات والأرض، تكلم يوم القيامة، وتكلم قبل يوم القيامة، فهي متعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم. قوله سبحانه وتعالى: أنه متكلم بكلام قديم. ولو أن المؤلف رحمه الله تعالى وسع في هذا التعريف، وأدخل بأن الله متكلم بكلام قديم حادث الآحاد، لك أنا أفضل. وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، بأن كلام الله سبحانه وتعالى قديم النوع، حادث الآحاد. قديم النوع، حادث الآحاد، هكذا يعبر أهل السنة والجماعة. ولا يقفون عند هذه الفقرة لأنها قد تحتمل. وهذا قد قال به جماعة من أهل البدع، لأن كلام الله قديم، ما كان في أصله، وما كان في آحاده. هذا الكلام عن الله كله قد تكلم به في الأزل، ثم سكت الرب، فما يأتي من كلام الله إنه من كلامه القديم. ولا يقول أهل السنة بهذا، لا يقولون أن كلام الله سبحانه وتعالى قديم النوع، بمعنى أن أصل الكلام قديم، أي أزلي. قديم، أي أزلي، أي وجد من وجود سبحانه وتعالى. وأنه كذلك حادث الآحاد، بمعنى أن الكلام المعين المخصوص، إنما هو يتعلق بمشيئته. يتكلم كلما جاء وقت الكلام، تكلم به الرب سبحانه وتعالى. فهم يقولون بأن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد. فالمؤلف رحمه الله تعالى عندما وقف، قال: أنه متكلم بكلام قديم. وإن أراده نعم المعنى الصحيح، لكن لو أنه أوصل في العبارة، وأتى بالعبارة كما يأتي بها أهل السنة والجماعة، لنفى في هذا الكلام الإشكال الذي قد يقدح به بعض الناس. حتى أن بعض الناس انتقد على المؤلف هذه العبارة، لأنه لم يأت بها على وفق ما كان عليه العلماء يأتون بها. فكلام الله قديم النوع، حادث الآحاد. حادث الآحاد، بمعنى أن الكلام المخصوص المعين، أتى به ربنا سبحانه وتعالى في وقته، لم يكن قديمًا. ثم بعد ذلك تنزل على الحوادث، كما يدعي أهل البدع في ذلك. وكذلك الشيء بالشيء يذكر، فهو قوله رحمه الله تعالى: بكلام قديم. بعض الناس ربما يرى أن من أسماء الله سبحانه وتعالى القديم، لا، ما يجوز، ما ينبغي أن يطلق على أن من أسماء الله سبحانه وتعالى بأنه القديم. نعم، بعضهم يعبر بأن من أسماء الله القديم، هذا لا يصح، ولا يثبت صفة القديم لله سبحانه وتعالى. أسماء الله سبحانه وتعالى كالسميع والبصير والعلم، هذه نثبتها. وأما القديم فلا تثبت كاسم لله عز وجل، لأمرين اثنين. الأمر الأول: لأن أسماء الله توقيفية، توقيفية متوقفة على الشرع، متوقفة على السماع، لا مدخل فيها للرأي، ولا مدخل فيها للعقل، ولا مدخل فيها للاجتهاد. فهي أسماء توقيفية، إنما يقف فيها الرجل على ما جاء به الكتاب والسنة. ولو قال به عالم، ولو قال به طالب علم، ولو قال به جماعة من الناس، وأرادوا أن يثبتوا اسمًا لله من ذوات أنفسهم، فهذا مردود عليهم. وإنما أسماء الله عز وجل لا يؤتى بها إلا من شرعه، من الكتاب والسنة. فهذا المأخذ الأول على كلمة القديم، فلا تليق أن تكون اسمًا لله. والأمر الآخر: أن كذلك معناها، معنى القديم ليس فيه معنى الحسن. فإن من وصف أسماء الله عز وجل أنها حسنة، ولله الأسماء الحسنى. والحسن هي البالغة في الحسن، والتي انتهى إليها أمر الحسن، فلا حسن بعد حسن، هذه الكلمات التي يسمى بها الرب سبحانه وتعالى. ومن هنا رد بعض العلماء بعض الكلمات التي سمي بها الرب، لأنها لا تحمل معنى الحسن، كاسم الدهر. الدهر ما سمى العلماء أن رب اسمه الدهر، معنى في الحديث: وأنا الدهر. لماذا رد العلماء هذا الاسم؟ وأنا ما يعتبر من أسماء الله، لأنه لم يشتمل على معنى حسن، على معنى حسن، لأنه كلمة جامدة، كلمة جامدة. وهكذا القديم، وهكذا القديم، ليس فيها معنى الحسن. ومن عبر عن القديم، أراد أن الله أزلي، فيقال: يا عبد الله، عندنا اسم قد جاءت به السنة، وهي الأول، هو الأول والآخر. فالأول بمعنى الأولية، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: أنت الأول، فليس قبلك شيء. يغنين هذا عن القديم، يغنين هذا عن القديم. فالأول في لفظه وفي معناه يثبت لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه. سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة. وأن اخترتك، فاستمع لما يوحى. قال: وسمعه جبريل عليه السلام، ومن أذن له من ملائكته ورسله. وأنه سبحانه وتعالى يكلم المؤمنين في الآخرة، ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه. قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. إذن هذه المعطيات إخواني في الله، وهي إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى الأماكن الدالة على كلام الرب سبحانه وتعالى. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فيها إثبات صفة الكلام لله عز وجل، وأن الله تكلم بكلام مسموع. وكلامه جل وعلا يليق بجلاله، يليق بعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وكلم الله، وكلم فعل، ولفظ الجلالة فاعل، فهنا تم إسناد الفعل إلى فاعله. وإسناد الفعل إلى فاعله، وكلم الله، بمعنى أن الفاعل قد وصف بهذه الصفة التي أسندت إليه. كلم الله، بمعنى أن الله قام بهذا الفعل. إذن صفة الكلام قد قامت في الله سبحانه وتعالى. إذن تثبت هذه الصفة لله عز وجل ثبوتًا حقيقيًا. قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وكلم، كم هو معروف في لغة العرب، أن الكلام هو اللفظ المفيد، هو اللفظ المفيد. كلامنا لفظ مفيد، كاستقم، وهذا باتفاق النحاة. ومن هذا فيه رد على من ادعى أن الكلام هنا مجاز، لا، ليس عندنا مجاز هنا. الكلام لا يكون كلامًا إلا بلفظه ومعنى، لابد بلفظه ومعنى. وسأتي هذا عند بعض المسائل المتعلقة بالأخطاء التي وقع فيها بعض علماء اللغة عندما عرفوا الكلام بتعريف وافق أهل البدع. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وتكليما مصدر توكيد، توكيد لصفة الكلام. فهذه الآية واضحة جلية، ليس لأحد أن يذهب بعيدًا في إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى. ومن طريف ما يذكر أن رجلًا معتزليًا أتى إلى بعض أهل القراءة، وكان هذا المعتزلي طبعًا المعتزلي لا يثبت من الجهمية، وهم معطلة مما ينفي صفة الكلام عن الله. وكان ينظر في هذه الآية، وحيرته هذه الآية، لأن الآية صراحة واضحة في أن الله أسند إليه صفة الكلام، وفعل الكلام، وأكد هذا. فذهب هذا المعتزلي إلى بعض أهل القراءات، قال: أليس هناك قراءة، أو ألا يمكنك أن تقرأ هذه الآية بأن تقرأها: وكلم الله موسى تكليما؟ هنا أنظر ما الذي غير النصب؟ النصب هي أصل الآية. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، هنا الله فعل وفاعل، أسند الفعل إلى فاعل، وهو لفظ جلالة الله سبحانه وتعالى، أي أن المتكلم هو الله. لكن هذا الضليل أراد أن يحرف كلام الله، وأراد مخرجًا. قال لعلي أظفر بقراءة، أو بشيء من الأحرف، أو بشيء من التلاوة، أني أخرج هذا اللفظ عن ظاهره. فقال: ألا يمكن أن تقرأ: وكلم الله موسى؟ أي تجعل لفظ الجلالة ماذا؟ من صيغة المفعولية. ويكون معنى وإذا كانت: وكلم الله موسى، تقدير الكلام أي فيه تقديم وتأخير، يكون بمعنى أن الذي قام بالكلام هو موسى. أي موسى هو الذي كلم الله، أن يكون الكلام صادرًا من موسى لله عز وجل. وهذا خروج عن ظاهر الآية. فقال: ألا يمكن أن تقرأ: وكلم الله موسى تكليما؟ فقال هذا القارئ: قال: هب أني فعلت ذلك، فأين أنت من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ طيب هذه آية ثانية، وراك وراك، أين ستذهب منها؟ فأنت محجوج، محجوج. قال: هب أني فعلت ذلك، يعني هب أني وجدت لك قراءة تفيدك في هذا الموطن. طيب أين أنت من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ ففي إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى. وإن شاء الله ستأتي مسائل متعلقة بصفة الكلام. وكما قلنا: المؤلف رحمه الله تعالى أطنب في ذكر الأدلة الدالة على هذه الصفة، لعموم الاختلاف الذي دب بين أهل البدع لإثباتهم لهذه الصفة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.