شرح أسماء الله الحسنى 53

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 53، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معنى اسم الله المؤمن وتفسيراته

اسم الله المؤمن يعني المصدق والمقر، حيث يصدق الله نفسه بالوحدانية، وصدق أنبياءه ورسله، وصدق عباده المؤمنين. له معان متعددة منها أنه المصدق لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات والبراهين.

دلالات ومعاني اسم الله المؤمن

اسم الله المؤمن له دلالات متعددة منها أنه يؤمن عباده من عذابه وناره لمن أخذ بأسباب الأمن والأمان وتحقق بالتوحيد. ويعطي الأمن والأمان لعباده المتقين، ويصدق أخباره في كتابه.

أثر اسم الله المؤمن على عباده والدعاء بالثبات

يجب على العبد إحسان الظن بالله والعمل بالأعمال الصالحة لينال الأمان من الله. المقطع الأخير يتضمن دعاء بالثبات والمغفرة والتأكيد على الإيمان في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى، والتي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى"، اسم الله جل وعلا "المؤمن". فالمؤمن اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وقد ورد هذا الاسم في موضع واحد في كتاب الله جل وعلا في سورة الحشر، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون﴾. فذكر الله جل وعلا من أسمائه في هذه السورة، في هذه الآيات التي تضمنت عدة أسماء من أسماء الله جل وعلا، ذكر سبحانه اسمه "المؤمن". ومعنى اسم الله جل وعلا "المؤمن" أي المصدق. فالمؤمن بمعنى المصدق والمقر، والإيمان بمعنى الإقرار والتصديق. فالمؤمن بمعنى المقر والمصدق. ومعنى أنه جل وعلا "المؤمن" بمعنى المصدق نفسه جل وعلا، المصدق أنبياءه، المصدق عباده جل وعلا. فهو جل وعلا الذي صدق نفسه بشهادته لنفسه بالوحدانية، وهو جل وعلا "المؤمن" المصدق لرسوله عليه الصلاة والسلام بالشهادة بالرسالة، وهو "المؤمن" جل وعلا المصدق لأنبيائه ورسله بما جاءوا به. وهو جل وعلا "المؤمن" الذي صدق أنبياءه ورسله بما أيدهم به من البراهين الدالة على صدق ما جاءوا به والآيات. وهكذا صدق أهل الحق بما جعل على يديهم من الكرامات والخير الذي حصل للناس. فكل ذلك من تصديق "المؤمن" جل وعلا لعباده. فالله جل وعلا شهد لنفسه بالتوحيد، شهد الله أنه «لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم». هذه الآية فيها شهادات، وفيها تصديق من "المؤمن" جل وعلا أولا لنفسه بالوحدانية، وذكر شهادة ما شهد به ملائكته، وصدقهم في شهادتهم، وأنها شهادة حق. وهكذا شهادة أهل العلم، وأنها شهادة حق وشهادة صدق. صدقهم على شهادتهم "المؤمن" جل وعلا سبحانه وتعالى. ولذلك الله جل وعلا يصدق عبده، فـ"المؤمن" جل وعلا يصدق عبده إذا قال الحق، وإذا قال كلاما صدقا، صدقه "المؤمن" جل وعلا، شهد لكلامه بالحق. ولذلك جاء في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما عند الترمذي وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال أبو هريرة أو شهد أبو هريرة وأبو سعيد أنهما شهدا على رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله جل وعلا إذا قال العبد لا إله إلا الله وحده، قال الله جل وعلا صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي. وإذا قال العبد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال الله جل وعلا صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا شريك لي. وإذا قال العبد لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، قال جل وعلا صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك لا شريك لي. وإذا قال العبد لا إله إلا الله لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله جل وعلا صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي». فالله جل وعلا صدق عبده على هذا الكلام، وذلك لأن ما قاله عبده حق وصدق. فالله جل وعلا هو الواحد الأحد الذي لا شريك له، والذي له الملك وحده سبحانه وتعالى، ولا حول ولا قوة للعبد إلا بالله جل وعلا. وهذا كل تسبيح من العبد، صدقه "المؤمن" جل وعلا عليه، وكل ذكر لله جل وعلا شرعي، وكل تكبير وتعظيم لله جل وعلا، بل كل عمل صالح يعمله العبد بلسانه أو بقلبه أو بجوارحه موافق الكتاب والسنة، فالله جل وعلا يصدق عبده لأنه "المؤمن" جل وعلا الذي يصدق عباده، الذي يصدق عباده ويشهد لما قالوه من صدق وفعلوه. وهكذا أيد الأنبياء جل وعلا "المؤمن" الذي صدق عباده، صدق أنبياءه. فكم جعل لأنبيائه من البراهين والآيات، جعل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام آيات وبراهين تدل على صدق رسالته، جعل لموسى كذلك، فلق البحر لموسى، وهذا من أعظم التصديق من "المؤمن" جل وعلا لنبيه موسى. وهكذا أحيا الموتى لعيسى، وجعله يبري الأكمة والأبرص بإذنه جل وعلا، كل هذا من تصديق "المؤمن" جل وعلا لنبيه عيسى. وهكذا من أعظم البراهين والآيات ما جعلها لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من شق القمر، وهكذا هذه الآية العظيمة وهذا البرهان العظيم الذي هو أعظم برهان، وهو إنزال القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم. هذه الآية العظمى والبرهان العظيم وهو كتاب الله جل وعلا القرآن، فهذا أعظم تصديق من "المؤمن" جل وعلا لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أعظم تصديق من "المؤمن" لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو هذا القرآن، لأنه أعظم آية وأعظم برهان، جعله الله سبحانه وتعالى تصديقا لمن جاء به، وهو رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكفي بربك أنه على كل شيء شهيد﴾. قال أهل التفسير: المراد به القرآن، وأن هذا الذي أرسل به النبي عليه الصلاة والسلام هو القرآن حقا، مصدقا من عند "المؤمن" جل وعلا بآيات وبراهين وبآيات في الآفاق وفي أنفس الناس، مما يدلهم على صدق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو هذا القرآن العظيم. وهذا من تصديق "المؤمن" لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وكم قد أكرمه جل وعلا بآيات وبراهين، منها الإسراء والمعراج الذي دل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم. وكم كذلك من دلائل النبوة التي حدثت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وكلها تصديق من "المؤمن" جل وعلا لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ومن معاني اسم الله "المؤمن" أنه الذي يؤمن عباده. فمن معاني اسم الله "المؤمن" أنه المصدق عباده، وأنه المقر كذلك عباده لصحة ما جاء به. ومن معاني اسم الله جل وعلا "المؤمن" أي الذي يؤمن عباده. فهو جل وعلا "المؤمن" بمعنى الذي يؤمن عباده. فالله جل وعلا أمن عباده الذين أخذوا بأسباب الأمن والأمان من عذابه سبحانه وتعالى ومن ناره. فأمنهم "المؤمن" جل وعلا. "المؤمن" أمن عباده الخائفين إذا رجعوا إليه جل وعلا وصدقوا في رجوعهم وتضرعوا إليه سبحانه وتعالى، أمنهم "المؤمن" سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا قال في كتابه الكريم سبحانه وتعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾. فهذا الأمن والأمان من "المؤمن" جل وعلا، لأن "المؤمن" سبحانه وتعالى هو الذي يؤمن عباده، فيجعلهم في أمن وأمان. لكن هذا لا بد معه من أخذ الأسباب الأمن والأمان. فأنت تريد الأمن من "المؤمن" جل وعلا الذي يؤمنك، فلا أمان لك يا عبد الله إلا من "المؤمن". فلا أمان إلا من "المؤمن" سبحانه وتعالى. لا يمكن أن تحصل على الأمان من عند غير "المؤمن". فلا أمان إلا من "المؤمن". أن الأمن من "المؤمن". فلذلك عليك أن تأخذ بأسباب الأمن والأمان التي بينها "المؤمن" جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وأعظم ذلك تحقيق التوحيد لله جل وعلا. فالأمن والأمان من "المؤمن" جل وعلا إنما هو لأهل التوحيد. فأهل التوحيد هم أعظم من صدقهم الله جل وعلا، ومن كذلك أمنهم سبحانه وتعالى. وهكذا الذين عملوا الصالحات كما سمعتم في الآية. وهكذا قال جل وعلا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. فإذا أردت الأمان من "المؤمن" جل وعلا، وأردت جل وعلا أن يؤمنك يا عبد الله، فعليك أن تكون من أهل التوحيد، لا تلبس إيمانك بظلم. والمراد بالظلم هنا الشرك. فأهل الشرك لا أمن لهم ولا أمان. لا أمن لهم ولا أمان إلا من كان معاهدا، ومن كان مستأمنا، ومن كان ذميا. من كان على أحد هذه الأحوال، فهذا له الأمن، وهو أمن وأمان مؤقت. فيعلم بعد ذلك هل صدق في طلبه الأمن أو الأمان أم لا؟ وهكذا هو أمن وأمان بحسب طلبه. لكن الأمن والأمان المطلق إنما هو لأهل التوحيد. فلا أمن وأمان مطلق إلا لأهل التوحيد. أما أهل الشرك والعياذ بالله، فمن كان منهم على ذمة وعلى عهد وعلى أمان، فيعطى الأمان بقدر. أما الأمان المطلق فلا. وإنما هو أمان مؤقت بحسب ما يرى الحاكم من المصلحة. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾. فإذا يؤمن حتى يسمع كلام الله جل وعلا، فإذا قبل كلام الله جل وعلا ودخل في هذا الدين، فله الأمن والأمان المطلق. وأما إذا لم يستجب، فهو على أحد أحوال ثلاثة: إما أن يدفع الجزية ويبقى على كفره، وإما كذلك أن يبقى على حاله بدفع الجزية. أو أنه يدخل في الإسلام أولا. فإن أبى يدفع الجزية، وإلا فبعد ذلك يبقى على ما أراد على دينه بدفع الجزية. فهذا هل هو خاص بأهل الكتاب أو كذلك بكافة المشركين؟ في هذا الخلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من يجعل الأمان إنما هو لأهل الكتاب، وفي أخذ الجزية. يعطون الأمان مقابل دفع الجزية. يعطون الأمان مقابل دفع الجزية. فجعل طائفة من أهل العلم بل هذا مذهب جمهور أهل العلم أنه لأهل الكتاب. ولحقوا بهم المجوس، مجوس هجر، لأن المسلم أخذ الجزية منهم. وأما غير هؤلاء من المشركين، فإما الدخول في الإسلام وإما القتال. فيؤمنون حتى يدخلوا في الإسلام، فيدخلوا في الإسلام فبها ونعمة، وإلا فالقتال. ولا تأخذ منهم جزية مقابل عطاء الأمان. وبعض أهل العلم كالشيخ العثيمين رحمه الله تعالى يجعله عاما، يجعل هذا عاما في كل كافر وكل مشرك: إما أن يدخل في الإسلام، وإما أن يبقى على دينه مقابل دفع الجزية، ويكون له الأمان. وهذه مسألة جهادية بينها أهل العلم. وإن كان الأقرب -الله أعلم- قول جماهير أهل العلم، لأن الأدلة اقتصرت عليهم في أخذ الجزية منهم. فيستثنى من عموم ما جاء في النصوص من قتال المشركين حتى يعطوا الجزية «عن يد وهم صاغرون» كما قال جل وعلا، وذكر فيها أهل الكتاب. فيبقى على هذا الذي ذكر، وغيرهم يحتاج إلى دليل لإدخالهم مع هؤلاء. فالشاهد من هذا أن "المؤمن" جل وعلا سبحانه وتعالى أعطى الأمن والأمان لعباده المتقين، لعباده الموحدين الذين وحدوه جل وعلا. وهكذا قال سبحانه وتعالى ممتنا على من أنعم عليه بالأمن والأمان: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾. فالله جل وعلا هو "المؤمن" الذي أمن عباده من الخوف سبحانه وتعالى، كما أنه الذي أطعمهم من جوع جل وعلا. وهكذا كذلك من آثار الإيمان لله جل وعلا، والتعبد له باسمه "المؤمن"، أن لا يخاف العبد ظلما من "المؤمن" جل وعلا، وأن لا يخاف أن لا تكتب له حسنة، أو أن يهمل عمله، وغير ذلك من هذه الظنون السيئة. لماذا؟ لأنك يا عبد الله علمت أن الله جل وعلا هو "المؤمن" سبحانه وتعالى، و"المؤمن" جل وعلا لا يخاف عنده أحد، ما دام أنه كان على استقامة وعلى طاعة وعلى الصراط المستقيم الذي أمر به جل وعلا. فلا تخاف ظلما ولا هضما، كما قال سبحانه وتعالى: «لا يخاف ظلما ولا هضما». فلا تخاف ظلما يا عبد الله من الله جل وعلا أن ينقصك شيئا عملته، أو أن يهضم لك عملا أو حسنة. لا. لأنه "المؤمن" سبحانه وتعالى الذي أمن عباده من أن يلحقهم نقص، أو أن يلحقهم كذلك غفلة" عن كتابة شيء، أو إحصاء شيء من أعمالهم. ولو كانت حبة خردل. ولو كانت حبة خردل لك يا عبد الله في ميزان الله جل وعلا يوم القيامة. ولو كان مثقال ذرة، فهي في ميزان حسناتك يوم القيامة. لأن الله سبحانه وتعالى هو "المؤمن" الذي أمن عباده من خوف يلحقهم، أو من نقص يلحق أعمالهم، وغير ذلك. ولذلك وجب إحسان الظن بالله جل وعلا في سائر الأحوال، لأنه جل وعلا "المؤمن" الذي يصدق عباده، والذي صدق نفسه جل وعلا. ولذلك سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد. لا يخلف الميعاد جل وعلا. لأنه "المؤمن" المصدق. فأخباره صدق جل وعلا. فكل ما أخبر به سبحانه وتعالى في كتابه فهو صدق وحق. قد صدقه جل وعلا صدق قوله بنفسه سبحانه وتعالى، وصدق شهادته بنفسه جل وعلا. «وكفى بالله شهيدا وكفى بالله مصدقا». فالذي صدق أخباره في كتابه هو نفسه جل وعلا. والذي صدق أنبياءه ورسله هو نفسه سبحانه وتعالى. «ومن أصدق من الله قيلا». «ومن أصدق من الله حديثا». إذن وجب إحسان الظن بالله سبحانه وتعالى، وعمل الأعمال الصالحة. والله سبحانه وتعالى لا ينقصك شيئا يا عبد الله. مهما أتاك الشيطان وقال لك: ربما لا تكون من أهل السعادة. ربما تتعب نفسك بعمل الصالحات. ربما لا تجاز عليها. كل هذه من وساوس الشيطان. فاستحضر اسم الله جل وعلا "المؤمن" الذي لا يضيع أجر أحد من عباده. «إن لا نضيع أجر من أحسن عملا». أسأل الله سبحانه وتعالى "المؤمن" أن يؤمننا في الدنيا وفي الآخرة، ومن كربات يوم القيامة، وأن يجعلنا من عباده الذين صدقهم في أقوالهم وشهاداتهم. إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.