الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 50، ألقاها
اختلف أهل العلم في حكم تارك الصلاة بين تكفيره واعتباره فاسقًا، وتعددت الآراء حول تفسير الأحاديث النبوية ذات الصلة. تتراوح الآراء بين تكفير تارك الصلاة كفرًا أكبر وبين اعتباره فاسقًا وليس بكافر.
تناول الدرس مسألة القضاء والقدر باعتبارها من مسائل الاعتقاد الهامة، وأوضح أن أهل السنة والجماعة يعتقدون بأن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى. يُبيّن أن الناس في هذه المسألة ينقسمون إلى طرفين ووسط، حيث يمثل أهل السنة الوسط بين القدرية والجبرية.
أثبت الله تعالى لنفسه مشيئة كما أثبت للعباد مشيئة، ويُبين أن مشيئة العباد لا تتجاوز مشيئة الله، مؤكدًا على أن مشيئة الله هي الغالبة والمحيطة بكل شيء. اختتم الدرس بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِيَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: واختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمدًا، فكفره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف رحمهم الله، وأخرجوه به من الإسلام؛ للخبر الصحيح: «بين العبد والشرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر». وهذا الحديث بنحوه رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى؛ أي «بين العبد وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة»، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وجاء من حديث بريدة عند الإمام أحمد وغيره: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». فقوله: «بين العبد والشرك ترك الصلاة»، هذا على حديث، وفي الحديث الآخر: «فمن ترك الصلاة فقد كفر»، يكون إشارة إلى الحديث الثاني. قال: وذهب الشافعي وأصحابه، وجماعة من علماء السلف -رحمة الله عليهم أجمعين- إلى أنه لا يكفر ما دام معتقِدًا لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام. وتأول الخبر: «من ترك الصلاة جاحدًا»؛ من ترك الصلاة جاحدًا، كما أخبر سبحانه عن يوسف عليه السلام أنه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، وليس معناها مجرد الترك دون ترك القلب، لكن مخصوص ترك القلب الذي هو أصل لترك الفعل. قال: ولم يكن تلبس بكفر فارقه، ولكن تركه جاحدًا له؛ أي في قول الله عز وجل: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ عن يوسف عليه السلام. قال: ولم يكن -أي- ولم يكن، لكن حرف الجزم إذا دخلت على «يكون» يجوز فيها الإسكان ويجوز فيها حذف النون. تلبس بكفر فارقه، ولكن تركه جاحدًا له. هذه مسألة من المسائل التي ذكرها الإمام الصابوني رحمه الله تعالى، وليست من مسائل الاعتقاد، ولكنها من مسائل الفقه ومسائل اجتهاد؛ لذا ذكر رحمه الله تعالى الخلاف في حكم تارك الصلاة بين أئمة الحديث والسنة، مع اتفاق الجميع على أن تارك الصلاة إن تركها جحودًا لوجوبها، إنكارًا لوجوبها؛ بأنه يكون كافرًا، هذا محل إجماع. هذا محل إجماع بين السلف، ولكن الخلاف فيمن تركها -أي ترك فعلها- مع اعتقاد وجوبها، هل يكون كافرًا أم لا؟ فهذه المسألة كما سمعتم جاءت لحديث ظاهرها أن من ترك الصلاة فقد كفر. وكذلك ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى أدلة من كتاب الله جل وعلا على هذا المعنى، منها قول الله جل وعلا على المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، قالوا: فربنا تبارك وتعالى شرط الأخوة في الدين معهم بأن يؤمنوا بالله وأن يقيموا الصلاة وأن يؤتوا الزكاة، فإذا لم يأتوا بالصلاة فليسوا بإخواننا في الدين، ومن كان كذلك فهو ليس بمؤمن. قالوا: فدل على أن تارك الصلاة -ولو زعم بأنه يؤمن بالله ويقر بوجوبها- فإنه يكون كافرًا. وهذا القول ذهب إليه أحمد رحمه الله تعالى، وآخرون من أئمة رحمهم الله تعالى؛ كإسحاق بن راهويه، وجمع من الأئمة رحمهم الله. وذهب طائفة أخرى من أئمة رحمهم الله تعالى إلى أن تارك الصلاة إن كان معتقدًا لوجوبها، ولكنه تركها تكاسلًا وتهاونًا؛ بأن هذا لا يكون كافرًا، ولكنه يكون فاسقًا بتركه للصلاة ما دام أنه يعتقد وجوبها. ورد على أجوبة القائلين بأنه كافر كفرًا أكبر بأن تركها هنا بمعنى ترك الجحود، لا ترك العمل مع اعتقاد وجوبها، وذكروا ما ذكروا من الأدلة والتأويلات الدالة على هذا. وهذه المسألة كما قال الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى في كتاب «تعظيم قدر الصلاة»، وهو من أحسن من تكلم على هذه المسألة من الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى -نقلًا وكذلك طرحًا للمسألة- وأقوال علماء وذكر الآثار والأدلة لكل الفريقين. فذكر الأدلة رحمه الله تعالى، ونقل إجماعًا -نقل إجماعًا نقله غير واحد من أئمة رحمهم الله تعالى- على كفر تارك الصلاة. وبعد أن ذكر ما ذكر رحمه الله تعالى من الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله، والإجماع المنقول، قال: ثم بعد ذلك اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى في ذلك كله: هل هو من الكفر المخرج من الملة، أم أنه كفر دون كفر؟ ثم ذكر أقوال العلماء في ذلك. فالحاصل أن الأئمة رحمهم الله تعالى مختلفون في هذه المسألة: هل تارك الصلاة يكون كافرًا إن تركها مع اعتقاد وجوبها كفرًا أكبر، أم يكون كافرًا كفرًا أصغر؛ أي فاسقًا من فسقة، على قولين مشهورين. وبعضهم -رحمهم الله تعالى- توسط، فذكر قولًا وسطًا، وهو التفريق بين من لم يصل الصلاة قط، وبين من يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا؛ يصلي الجمعات مثلًا، يصلي الفرائض بعض الفرائض ويدع بعض الفرائض يتهاون فيها يتكاسل. فبعض الأئمة رحمهم الله تعالى رأى أن مثل هذا -أن مثل هذا- لا يقال فيه بأنه تارك؛ لأنه يصلي ويدع. فأخرجوا مثل هذه الصورة عن كونه كافرًا. مع التنبيه الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو أن من عُرض على السيف فقيل له: إما أن تصلي وإما أن تضرب عنقك، فمع هذا رفض أن يصلي حتى ضربت عنقه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هذا مما لا ينبغي أن يقال أن فيه خلافًا؛ هذا مما لا ينبغي أن يقال بأن فيه خلافًا بين الأئمة رحمهم الله تعالى؛ بمعنى أنه يكون كافرًا مرتدًا، يكون كافرًا مرتدًا. قال: ومن قال من العلماء بأن هذا لا يكون مرتدًا، فقد دخلته لوثة أو شبهة الإرجاء؛ دخلته لوثة أو شبهة الإرجاء. فالحاصل أن هذه المسألة كما سمعتم من مسائل الفقهية التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في كتب الفقه، وذكر كل واحد منهم ما رأى بحسب الأدلة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وعلى كل فحال تارك الصلاة كما ترون خطيرة؛ لأنه بين أمرين: بين أن يكون كافرًا كفرًا أكبر؛ أي مرتدًا عن دين الإسلام، وبين أن يكون كافرًا كفرًا أصغر؛ أي فاسقًا من الفسقة، فهو يدور بين أمرين كما يقال: أحلاهما مر؛ يدور بين أمرين أحلاهما مر: بين أن يكون كافرًا كفرًا أكبر، وبين أن يكون كافرًا كفرًا أصغر. قال رحمه الله تعالى: ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة... نعم. قرأنا هذا. قال رحمه الله تعالى: ومن قول أهل السنة والجماعة في أعمال العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه. طيب، هذه مسألة أو هذا انتقال إلى مسألة أخرى من مسائل العقيدة، وهي مسائل أو مباحث القضاء والقدر. شرع رحمه الله تعالى في الكلام على مبحث القضاء والقدر، وهي من المباحث التي ذكرها الأئمة رحمهم الله تعالى في كتب الاعتقاد؛ لما وقع في هذه المسألة من الخلاف والنزاع بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل الأهواء والبدع. لأن الناس في هذه المسألة كغيرها من مسائل الاعتقاد طرفان ووسط؛ فالطرف الأول طرف القدرية: قدرية ينفون القدر عن الله جل وعلا. ثم قدرية؛ لأنهم نفوا القدر عن الله جل وعلا، فيقولون: بأن الله جل وعلا ليس له قدر على العباد، ولم يخلق فعل العباد، وليس له مشيئة على العباد، ولا إرادة على العباد، بل العباد يفعلون ما يشاءون ويقدرون على فعل ما يريدون، ولو كان ذلك الشيء خارجًا عن إرادة الله جل وعلا. فهم ينفون القدر والإرادة عن الله جل وعلا، وسموا قدرية. يعني قد يقول قائل: كيف سموا قدرية وهم نفاة القدر؟ فكيف سموا قدرية؟ فالجواب كما قال الإمام ابن قتيبة رحمه الله تعالى: قال: سمت -سمي أو يسمى أو يوصف- كل إنسان بما ينسب إليه وينتسب إليه، والقدرية نفت القدر عن الله جل وعلا، ونسبت القدر إلى أنفسهم؛ فسموا قدرية لأجل هذا المعنى: أنهم نفوه عن الله جل وعلا ونسبوه إلى -إلى أنفسهم-؛ فسموا قدرية. وفي مقابل القدرية الجبرية، والجبرية غلاة في إثبات القضاء والقدر، حتى إنهم يقولون: بأن العبد ليس له قدر ولا إرادة، وأن الله جل وعلا يفعل بالعبد ما يشاء، وأن العبد حركاته وإراداته وأفعاله -إيمانه وكفره- إنما هو فعل لله رب العالمين جل وعلا. إذا آمن فالمؤمن فعل لله من أفعال الله، وإذا كفر فالكفر فعل من الله جل وعلا. تعالى الله وتقدس عن هذا القول علوًا كبيرًا. فالحاصل أنهم طرفان ووسط؛ نفوا القدرة والمشيئة والإرادة عن أنفسهم وأثبتوها لله وحده لا شريك له. وأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ فأثبتوا لله جل وعلا القدرة والإرادة والمشيئة التامة النافذة في عباده، وأثبتوا كذلك للعباد مشيئة وإرادة وقدرة، ولكنها داخلة تحت إرادة الله جل وعلا ومشيئة الله جل وعلا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فأثبت الله جل وعلا لنفسه مشيئة، وأثبت للعباد مشيئة، وأخبر بأن مشيئة العباد لا تتعدى ولا تخرج عن مشيئة الله رب العالمين جل وعلا. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، وإلى درس لاحق بإذن الله رب العالمين. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.